التوزيع العادل للثروة والمسالة الديمقراطية

عبد الإله إصباح
is-bah@hotmail.com

2014 / 8 / 11

التوزيع العادل للثروة والمسألة الديمقراطية
عبد الإله إصباح
لعل أهم ما أثير في خطاب العرش لسنة 2014 هو موضوع الثروة الوطنية ومشكلة توزيعها الذي يعرف اختلالا واضحا يتجلى في عدم استفادة شريحة واسعة من المواطنين من ثمراتها ـ وهو ما يترتب عنه تعرضهم للتهميش والإقصاء والتفقير المتزايد والحرمان من حقهم في تنمية مستدامة تحفظ كرامتهم وتؤمن لهم العيش الكريم. والمثير في الخطاب هو تساؤل العاهل المغربي عن هذه الثروة وهل استفاد منها الجمبع؟لأن موقعه على قمة هرم السلطة يجعله مطلعا بالضرورة على حجم هذه الثروة وملما بتفاصيل خريطة توزيعها سواء على مستوى المناطق أو على مستوى الشرائح الاجتماعية المستفيدة أو المحرومة منها.غير أنه قد تكون الغاية من التساؤل هي السعي إلى مقاربة إشكالية الثروة من منظور جديد يتوخى الكشف عن أسباب عدم توزيعها توزيعا عادلا يحقق الغاية من كل سياسة تنموية تروم تحقيق نهضة اقتصادية واجتماعية..وقد اختار الخطاب أن يتعاطى مع هذه الإشكالية من منطلق التشخيص لواقع هذه الثروة سواء على مستوى الكم أو الامتداد والانتشار، وإذاك يمكن التفكير في التدابير والإجراءات التي من شأنها أن تساعد على استثمارها أحسن استثمار هذه إذن هي الخلاصة التي يقودنا إليها منطق المقاربة التشخيصية، وهي مقاربة تبقى في نظرنا ذات منظور تقني لأنها في الغالب قد تختزل مشكل الثروة في سوء التدبير وغياب الحكامة الجيدة، بينما المشكل في عمقه هو نتيجة طبيعية لنسق سياسي منغلق يشتغل وفق آلية لا يمكنها أن تؤدي في نهاية المطاف إلا إلى نوع من الاحتكار للثروة وللخيرات الطبيعية. وإذا لم يوضع هذا النسق موضع تساؤل في أية مقاربة لمعضلة الثروة،فلن ننتظر إلا مزيدا من التعقيدات التي يشكل استفحالها تهديدا جديا للنسق القائم برمته. وليس هناك من سبيل لتجاوز انغلاق النسق إلا باعتماد مدخل واحد هو الديمقراطية، لأن غيابها أدى إلى ترسيخ السلطوية بما هي نهج في الحكم يؤدي حتما إلى الاستئثار بالسلطة والثروة. والاستمرار في تغييبها يجعل أي مقاربة لمشكل الثروة تتسم بالعجز واللاجدوى وإهدار الإمكانيات والفرص بدون طائل. إن الديمقراطية وحدها هي التي تسمح بالابتكار والإبداع في مجال خلق الثروة وتوزيعها التوزيع العادل لأنها تتأسس على الثقة في الفاعل السياسي الذي حازها عن طريق الاختيار الواعي والحر وهي بدلك تسمح بالقدر الضروري من التعبئة الجماهيرية التي يحتاجها أي مشروع مجتمعي يتأسس على نبذ الاحتكار والإقصاء والتهميش. كما أن الديمقراطية إذا ترسخت في مجتمع ما، تجعل إشكالية خلق الثروة لا تنحصر فقط في الجهاز الحاكم وإنما تصبح أيضا من مسؤولية الأمة والمجتمع ككل لأنها ترتبط بنسق القيم وثقافة الواجب والمسؤولية، لأن المجتمع في هذه الحالة يكون ممسكا بزمام أموره ومسؤولا عن اختياراته وخاصة تلك المرتبطة بالنخبة التي تقوده. في مرحلة من المراحل. لا يمكن إذن التعاطي الجدي مع مشكل توزيع الثروة من منطلق الحفاظ على الوضع القائم كما هو، لأن المشكل يتعلق ببنيات وشبكات من المصالح تعارض أي تغيير يمس حصتها التي ألفتها من الثروة الوطنية,وأي تغيير أو زحزحة لهذه البنيات يتطلب إرادة سياسية صلبة واعية بحتمية الاختيار الديمقراطي كمدخل جدي وواعد لحل معضلة السلطة والثروة. ولأن الاختيار الديمقراطي يتأسس على ربط المسؤولية بالمحاسبة، فإن تدبير الثروة الوطنية يغدو مسؤولية جسيمة يتم تحملها تحت المراقبة الصارمة لممثلي الشعب الذي يصبح تبعا لذلك هو المؤتمن بنفسه على ثروته.لقد تبث بالملموس أن النسق السلطوي يؤدي حتما إلى نشوء ظواهر الفساد والزبونية والمحسوبية وازدهار اقتصاد الريع والاغتناء غير المشروع وهي ظواهر تشكل التربة الخصبة لإهدار الثروة الوطنية عبر احتكار ثمارها من طرف أقلية محظوظة تكون في الغالب على ارتباط وثيق بدوائر السلطة، وهو ما كان متجليا بوضوح في الأنظمة التي عصفت بها رياح الربيع العربي.مشكل الثروة إذن مشكل سياسي وحله لن يتأتى إلا في الإطار السياسي عبر إرساء ديمقراطية فعلية وحقيقية تمكن الشعب من مراقبة ثروته وحسن تدبيرها واستثمارها.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن