مشكلة القطار والرجل السمين. بين الأخلاق وسعة الاختيار

علاء الدين الخطيب
orjowan.alshamy@gmail.com

2014 / 3 / 6

ظهرت منذ بضع سنوات مشكلة افتراضية اقترحها بعض الفلاسفة استدعت الكثير من النقاش فيما بين الأخلاق والقيّم والتبريرات وتطورت المشكلة الافتراضية بعدة مناحي دخلت من خلالها علم النفس.
المشكلة الأولى "مشكلة القطار":
افترض أنك تقف قرب سكة قطار مثبت عليها خمس اشخاص وقطار سريع قادم سيدهسهم خلال دقيقة. وبالصدفة وجدت قربك ذراع التحويل التي يمكنك بتحريكها حرف مسار القطار لسكة جانبية فتنقذ حياة الأشخاص الخمسة. لكن لسوء الحظ رأيت شخصا واحدا مثبتا على السكة الجانبية، مما يعني أن حرف مسار القطار سيؤدي لقتل ذاك الشخص.
فالسؤال كان ماذا ستختار بين الخيارين التاليين:
1- تحرف مسار القطار للسكة الجانبية وتنقذ حياة خمسة أشخاص مقابل التضحية بحياة شخص واحد.
2- لا تفعل شيئا وتترك الأقدار تأخذ مسارها ويدهس القطار الخمسة أشخاص.
بشكل عام كان الرد الأوسع انتشارا "بالطبع أحرف سكة القطار وأضحي بشخص مقابل خمسة" فالمعادلة هنا واضحة حسب أصحاب هذا الرأي. وقد استند حكمهم لمبدأ أخلاقي يستند لمبدأ حسابي، التضحية بالأقل مقابل إنقاذ الأكثرية. قابل هذه الحجة العديد من الانتقادات مثل: الحالة هي حالة لاأخلاقية أساسا، والتدخل بها بالقيام بفعل يجعل الشخص متحملا لمسؤولية الحالة اللاأخلاقية ولو بشكل جزئي، بينما عدم القيام بأي فعل يرفع المسؤولية عن الجميع. أو أن أحد المعارضين قد يقول: الحياة البشرية ليست كمية قابلة للحساب والتقدير لأن حياة أي بشري هي قيمة لانهائية بحد ذاتها.
المشكلة الثانية "مشكلة الرجل السمين":
افترض نفس الحالة السابقة، قطار يتقدم بسرعة نحو خمسة أشخاص مثبتين على السكة وأنت تقف بين القطار وبين الضحايا. وبالصدفة رأيت رجلا سمينا ضخما يقف معك قرب السكة، والطريقة الوحيدة الممكنة لإنقاذ الخمسة أشخاص هي أن تدفع هذا الرجل السمين على السكة، هذا الرجل وبسبب حجمه الكبير سيقلب القطار ولن يصل للأشخاص الخمسة لكن هذا يعني موت الشخص السمين.
فالسؤال كان ماذا ستختار بين الخيارين التاليين:
1- تدفع هذا الرجل السمين على السكة وبالتالي ينقلب القطار بعد دهسه لكن تنقذ حياة الخمسة أشخاص؟
2- لا تفعل شيئا وتترك الأقدار تأخذ مسارها ويدهس القطار الخمسة أشخاص.
بهذه الحالة كانت الآراء متباينة بشكل كبير ولم تتجه الغالبية للجواب الأول. فخيار التضحية بحياة شخص مقابل حياة خمسة أصبح يقتضي تدخلا أكبر. فمن أخذ الجواب الأول في مشكلة القطار اعتبر نفسه غير مسؤول عن وجود الشخص الوحيد على السكة الجانبية وبالتالي فعله بحرف مسار القطار ليس مسؤوليته كاملا. لكن في مشكلة الرجل السمين وجد نفسه يتخذ قرارا أكبر ويرغم شخصا على دخول أرض المشكلة. لكن من الواضح منطقيا وإحصائيا أن الحالتين متطابقتين "حياة مقابل خمس حيوات". علماء النفس أضافوا أن السبب بالتردد في مشكلة الرجل السمين أن الإنسان هنا يلمس بيده الرجل السمين ويشعر بحياته بينما في مشكلة القطار وجود "آلة" وهي ذراع التحويل وعدم لمسه للأشخاص المثبتين على السكة تحولهم بسهولة أكبر لمجرد أرقام يتغلب بها المنطق الإحصائي القيَمي على الشعور الأخلاقي.
التجارب:
أجرى جوناثان كوهين تجارب اختبارية على هذه المسألة للتفريق بين القِيَم "Ethics" وبين الأخلاق "Morals". لكن سنلقي نظرة سريعة على النتائج الأن من وجهة نظر أخرى. بمشكلة القطار وصلت الإجابات المؤيدة للاحتمال الأول إلى 85% بينما لم يتجاوز الاحتمال الأول بمشكلة الرجل السمين 20%.
الملفت للنظر، أن علماء نفسيين آخرين أجروا التجربة لكن مع بعض التعديلات والتي قلبت النتائج:
1- تم إجراء تجربة مشكلة القطار مع تعديل واحد. الشخص المثبت على السكة الحديد الثانوية هو قريب عزيز لك. مرة أخرى انخفضت نسبة من قرروا حرف مسار القطار إلى أقل من 10%.
2- تم إجراء تجربة مشكلة الرجل السمين مع تعديل واحد. الرجل السمين هو "الوغد" الذي ثبت الرجال الخمسة على سكة القطار. فارتفعت نسبة من قرر دفعه على السكة إلى 60%.
3- تم أجراء التجارب السابقة نفسها على العينة باستخدام محاكاة الكترونية حقيقية حيث يرى الشخص القطار والأشخاص حوله ويسمع صوت القطار وصراخ المثبتين على السكة وضمن الزمن الحقيقي بدلا من الطريقة التقليدية باستخدام ورقة وقلم. بهذه الحالة انخفضت نسبة من يقررون قتل الشخص السادس لإنقاذ الخمسة الباقين بشكل كبير وفي كلا المشكلتين.

ما الهدف من هذا النقاش بالنسبة لنا كسوريين؟
تكمن مشكلة السلوك الإنساني ما بين الأخلاق والحُكم على الناس وما بين التنفيذ الفعلي والمشاعر، وبهذه الحالة العامل الأهم هو شروط المشكلة أو بتعبير آخر محدودية الخيارات ضمن المعلومات المقدمة لنا كبشر. فالحالة السورية الآن تشبه لحد بعيد هذه التجربة العلمية من خلال ان المعلومات المقدمة (والتي هي بالإضافة للإعلام خبراتنا الشخصية وما سمعناه من حولنا) ومن خلال محدودية الخيارات تضعنا كسوريين في حالة هي أقرب لحالة المشكلتين السابقتين. وبشكل أكثر تخصيصا نرى أن خيارات السوريين خارج سورية أو البعيدين عن أماكن التوتر الأسخن بالبلد هي أقرب بحالتها لمشكلة القطار وخيار حرف مسار السكة حيث أن من يقوم بالفعل "هو" وليس "أنا"، مع إصراري على أن "الأنا" متماهية مع "الهو".

06/03/2014



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن