رحيل المصابيح

علي مسلم
welati01@gmail.com

2014 / 2 / 21

حين يعم المساء على دروب قريتنا كما العادة كل يوم ويعود القرويون مهرولين من حقولهم نحو جوف أسوار البيوت المتعبة ويرحل المصباح المنهك مع الشمس في إجازة دون خجل أو فضيحة هاجرا زيته العتيق وفتيله الناشف من كل ألوان واشكال الرطوبة ، تاركا وجه حبيبتي الصبوح مع العتمة والخوف وفقدان الأمان لتتلمس بأناملها وحواسها كل ما يمت إلى الحياة من صلة وتواصل . حين يزورنا الليل كعادته وسط استسلام الصمت لأصوات الطيور الحديدية الشرسة حين تأتي في غفلة منا فارضةً آلاماً وأوجاعاً بدل السكينة والهدوء دون إذن من رقيب أو حسيب ، لتزرع الخوف هديراً وقنابل وتنثر الموت المنفلت من عقاله و بعض الدمار في أروقة الذاكرة التي استباحها جنون الدكتاتورالمتربع على عرش الجريمة ، وحدها النجوم تغدو ينابيعا للضوء المتدفق كاللصوص حين ينساب على قارعة الدروب ناشرا ظلاً لأحجار الطريق الصامدة رغم التعب مع طيوب الياسمين في أزقة قريتنا المهمشة والمهشمة كرأس أفعى حين يهشمها القروي النبيل بالحجارة لتتحول إلى شاهد عيان على رحيل الاقحوان وموت أناس كانوا قد ولدوا أحراراً . حين يغادرنا النهار كعادته وسط ضجيج طلقات المدافع المندفعة نحو البراءة من كل حدب وصوب تخرج الصبية من العتمة لتعتلي درج بيتها وتحدق صوب طريق كروم التين غرباً علُها تحظى بشبح حبيبها قادماً، لم تنسى قط لحظة توديعها بقبلة بريئة آخر مرة حين حمل كلاشنكوفه الذي ورثها من ابيه مع بعض الرصاصات المتبقية من معارك الأمس عل تخوم حلب المدينة حين قال : - سنتزوج قريباً يا حبيبتي بعد أن يتم إسقاط النظام ويرحل الطغاة من أرض الوطن وتنطلق آهازيج الفرح من كل مكان ، لم تنسى قط نظرات أمها الشذرة حين كانت تقطب حاجبيها لحظة الوداع في كل مرة فالبرغم من حشرجات الوداع كان لذلك وقعاً جميلاً في نفسها كيف لا ولها في كل مرة قبلة مع تغيير المكان ..؟ عندما يأتي المساء ويرمي بمنديله الأسود على قريتنا يلملم الأطفال دفاترهم المدرسية دون رتابة مودعين وديان الحروف والكتابة كما ودعوا مقاعدهم المدرسية والتي تحولت إلى مساند للبنادق في النهار ووقودا لطرد البرد ليلاً... إنها طقوس الحرب حين تضع أوزارها على موائد الفرح وتقصف الجمال في غمرة الزمن المستباح دون إذن من أحد ، حينها فقط تبدو الأشياء على غير عادتها وتبدل من وظائفها كل لحظة وتغدو قوانين الأمور مهملة ، مهمشة ، ثانوية وحدها المقابر تنتعش في إستقبال المزيد من الزوار التائهين وسط ركام المجازر وقتل ظل القتيل ...؟ وحين ينتعش الهدوء بعد حين وتبيض على أئرها وجه السماء معلنةً بداية يوم جديد تعود الشمس بدفئها المعهود إلى باحة السماء لتعلن سلامة من تبقى ويخرج القرويون إلى حقولهم من جديد في تحد للموت المتربص بهم ليل نهار ويحلمون بنهار طويل وبليلة جميلة يسودها نور المصابيح التي فقدت القدرة على تكرار الرحيل ...؟



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن