قطوف (1-2)

محمد هشام فؤاد
leroi2005leroi2005@yahoo.com

2014 / 1 / 13

- ما ألذ هذه السعادة التي تهبط علي رأسك من حيثلا تدري مصدرها؟! هذه السعادة التي لا تدري من أو ما تسبب فيها! فتُقِر نفسك .. وترسم البريق في عينك الوامضة .. فتجعلك منتشياً من فرط فرحتك وسعادتك .. فتصبح وقتها ككوازيمودو أحدب نوتردام عندما كان يُمَتِع عينه بالنظر إلي الغجرية إزميرالدا.

- كان الليل قديماً له هيبةٌ ووقار أما الآن فقد فَقَدَ عُذريته بسبب السهر والآرق والقلق، فلم نعرف النوم إلا في الأطراف الأولي من النهار، ولم نعرف اليقظة والنشاط والجد إلا في منتصف الليل .. فقد انقلبت الحياة علي رأسها .. وتحالف الليل مع النهار لتعكير صفو الإنسان .. فقد اتفقا علي هدم يومه وسلبه أمانه وسكينته وهدوئه.

- لايمكن أن يُوصَف المجتمع بأنه مجتمعٌ حر إلا إذا أباح ذاك المجتمع العقل النقدي كقاعدة عامة لأفراده في تناولأعرافه وعاداتهوقواعده التي نشأ عليها، فلن يشعر ذاك المجتمع بالحرية إلا إذا قام بالاعتراف بحريات الإبداع والمناقشة وحرية القول وإثارة الجدل؛ فالمجتمع المستنير هو المجتمع الذي لا يجد عيباً أو حرجاً في التفكير اللامتناهي لأفراده كأسلوب مُتَبَع للتعامل مع كافة الظواهر والقوانين والقواعد والأصول والأعراف التي جُبِل عليها أفراد هذا المجتمع؛ فهذا المجتمع لا يعرف القاعدة التي سار عليها سلفه "من تمنطق فقد تزندق" ..

- الإنسان رغباته كثيرة .. وتكثر يوماً بعد يوم؛ ولكنه لا يستطيع أن يحقق هذه الرغبات كلها إلا عجزاً منه أو لصعوبة تحقيقها؛ فيتخلي عن تلك الرغبات بمجرد ظهور رغبات جديدة تظهر له نفسه أمامه .. نفسه التافهة المُأمَلة برغباتٍ سابقة لا تُرْضِي طموح طفل أو عقول الشامبنزي؛ فيري نفسه في رغباتٍ جديدة، ومن هنا يبدأ صراعه النفسي .. وصراعه مع العصر الذي يعيش فيه .. فينقم علي هذا العصر ويتأمل العقود التي تخطاها ويتمني لو أن يعود إليها وتعود إليه، وفي نفس الوقت يُمَني نفسه بعصورٍ أخري تأتيه؛ لتخلصه من عناء هذا الصراع وهذا الملل.

- أخذوا يعلموننا أن كل ما يوجد في الحياة شئ والمذاكرة شئ أخر؛ فالطالب لابد وألا يعرف شيئاً في عِقدَي حياته الاولين إلا المذاكرة والكتب وأسماء المُعَلِمين ورائحة الورق وغبار الفصل وفناء المدرسة .. فإذا وُجِد هذا الطالب في حالةٍ أخري غير المُذاكرة فهو الإهمال بعينه حتي ولو كان يقرأ كتاباً خارج المُقررات الدراسية، وهو الفشل الذريع حتي ولو كنت تشاهد أحد البرامج الهادفة أو أحد الأفلام ذات المغزي الأخلاقي .. وثمة عيب آخر من عيوب هذه التربية العقيم أنه الا تعترف بعلاقة الولد والبنت في المراحل الأولية للتعليم؛ فإذا أتيت في يومٍ من المدرسة وقلت: زميلتي، كراسة زميلتي، وقلمها وكتابها لَصُفِعْت علي وجهك من الأم والاب وكذلك البنت إذا تحدثت فقط مع أحد زملائها .. فالعلاقة بين الولد والبنت في هذه السن هي الفشل كما يرون .. وهي الانصراف عن النجاح والتحصيل الدراسي، وبالتالي يُعاني هؤلاء الأطفال العُقَد والحواجز النفسية بينهم وبين الجنس الآخر في المراحل التالية وربما إلي مراحل الجامعة! وإذا قمت بمناقشة أُمُكَ أو أباك أو مُعَلِمك فقد أجرمت أخلاقياً .. فأنت لا تعرف سلوكاً قويماً أو تهذيباً وتربية؛ فكيف تناقش وتُضِيف وتُعَدِل أو تظهر امتعاضك مما يراهأباك من تسلُطٍ أو تمسكٍ بقواعدٍ وأصول مجتمعية لا تجدي شروي نقير اللهم إلا قتل العقل باسم هذه الأعراف .. وكيف تُعَلِق علي ما يقوله مُعَلِمُك في الفصل لمجرد ان عقلك الصغير لم يقتنع برحلة "عقلة الإصبع" الفاشلة التي انتهت باستيقاظه من نوم اهل الكهف؟! أو أن تسأل أسئلة نحوية تافهة –في نظرهم- فلماذا لا يُنْصَب المبتدأ أو الخبر بدلاً من أن يُرْفَع؟!

- لما ملَ الناس الصدق وخافوا من لغة العيون رؤاوا في التليفون بديلاً للتواصل بدلاً من المواجهة المباشرة التي تحضر فيها لغة العيون وتعبيرات الوجه الفاضحةلما يضمره القلب ويزينه اللسان في المواقف الاجتماعية .. ولما تحسنت خدمات الاتصالات وتطورت بظهور الهاتف المحمول "الموبايل" فأصبحت الموجات الصوتية ناقلاً جيداً لنبرات الصوت التي تُفْصِح عن مشاعر الخوف والقلق والتردد والسعادة بِدِقة، وقرر الإنسان بعد ذلك الاتجاه الكترونياً فوجد الفيس بوك وكافة مواقع التواصل الاجتماعي فغابت لغة العين وحركات الوجه وهفوات الصوت، فأصبح الغنسان يتجمل ويلف كلماته بالتعبيرات الالكترونية والرموز المُسْتَحْدَثة؛ ليخدع مُحَدِثه، فيعلن عن سعادته اللامتناهية وعشقه للحياة في وقتٍ تراه وقد ضاف بنفسه والآخرين .. وتجده في نفس الوقت –أثناء المحادثة الالكترونية- يقذفك بمشاعر القلق والخوف والرهبة مع أن السعادة والفرحة ساجدين قابعين في قلبه ويستحوذان علي فكره ووجدانه؛ فالإنسان قد طوع التكنولوجيا ليكذب علي الىخرين بطريقة أسهل .. ليجعل الكذب ممكناً ومُقْنِعاً .. فهي خطوة لكي يتخلص الإنسان من فضول الآخرين ومن نظراتهم الثاقبة الحادة، ومن كلماتهم القاسية التي يقذفونه بها كل يوم .. إنها المسافة الطويلة التي تحول بين الإنسان والآخرين ولكن في نفس الوقت يستطيع الإنسان التحايُل علي هذا الزمن الطويل الذي يقطعه للتنقل بين نقطتين بطائرة أو بصاروخٍ الكتروني مع الاحتفاظ بالأسوار والحواجز التي تعزله عن التواصل المباشر الفاضح بينه وبين الآخرين ..

- كثيراً لا أجد لديّ ما أقوله .. أجدني قد ضقتُ بنفسي وبالجميع .. أشعر –وقتها- وكأنني أحمل فوق رأسي الكرة الأرضية .. لا أريد أن أتحدث إلي أحد .. لا أكلم أحد .. فقط أجدني متحيراً بين محطات الراديو وصفحات الكتب .. فقط أجلس مكاني أنظر .. أنظر وانتظر ما أو من ينتشلني من نفسي .. أجلس مكاني أفكر وأتأمل حالي والجميع .. فقد نزل الكل من نظري .. حتي أنا قد نزلت من نظري .. هنا ينتهي الكلام؛ أي تفقد الكلمات وظيفتها في الوَصْل والوصول والتواصُل، ولا تجد الحروف ما تحمله .. تصبح فقط حبراً علي ورق .. أي تؤدي غرضها الزمني حتي لا تُتْرَك الأوراق الفارغة فريسة للهواء المُغَبر المتطاير .. حتي لا يجف مداد الأقلام .. فعلني أقوم بخدمة للسطور التي تتغني دوماً بصرير الأقلام وحفيف أقرانها من الأوراق المتطايرة .. وإلي أن وصلت لهذا السطر – وليكن ترتيبه ورقمه ما يكن – لا أجد معني أكتب عنه .. لا أجد ما أكتبه، فكان الأديب نجيب محفوظ يقول: عندما لا أجد لديّ ما أكتبه أشعر وكأني ميت .. فقد أظمأتني الكلمات ووقفت في حلقي .. أصبح بيني وبين ما أكتب حواجز ومسافات. إلي أن عثرت في طريقي علي ما يوقفني .. هذه النقطة.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن