في ذكرى انتفاضة الحوض المنجمي 2008

محمد علي الماوي
seifsefi2011@hotmail.fr

2014 / 1 / 4


في ذكرى انتفاضة الحوض المنجمي
5جانفي 2008
الإهداء

إلى أرواح الشهداء الأبطال أبناء انتفاضة الحوض المنجمي :

هشام العلايمي بن جدو- إستشهد صعقا بالكهرباء

الحفناوي المغزاوي- أطلق عليه النار

عبدالخالق العمايدي- إستشهد بعد إصابة بالرصاص يوم 6 جوان 2008

نبيل شقرة- إستشهد بعد أن دهسته سيارة البوليس

عهدا...لن يمروا




الفهرس :
- توطئة
/ فى مسألة التقويم I
/ إكتشاف الفسفاط فى تونس و تركيز أكبر نواة عمالية II
- 1- ثروة طائلة / فقر مدقع
- 2- بداية الوعي النقابي والسياسي فى الحوض المنجمي
/ فى مسألة " التوظيف السياسي"III
/ فى التسمية والمصطلحات و تقويم الحركةIV
/ الإنتفاضة : عناصر تقويمية إضافية V
/ قراءة فى مواقف بعض الأطراف السياسية VI
-1- نقد كرّاس الحزب الإشتراكي اليساري
-2- نقد نص المجموعة الخوجية المتسترة ( الوطد )
هامة / إستنتاجات وتوجهات VII
خاتمة
توطئة
طوال هذه الصائفة لم تتوقف المحاكم فى تونس عن الإشتغال لطحن عظام المئات من المناضلات والمناضلين من ابناء شعبنا على خلفية مشاركتهم فى الحركة الإحتجاجية التى هزت الحوض المنجمى هزا منذ مطلع جانفى والتى ما زالت تداعياتها متواصلة إلى حدّ اليوم لتطبع بميسمها الحياة السياسية والإجتماعية لجميع الأطراف والفئات بقطع النظر عن حجم مسؤوليتها سلبا أو إيجابا فى صنع هذه الأحداث التى إستمرت ستة أشهر كاملة ( جانفى –جوان 2008) دون إنقطاع . فإلى حدّ شهر جوان صدرت أحكام قاسية تراوحت بين الشهر والثلاث سنوات على ثمانين مناضلا ومناضلة و محتجا و محتجة فى كلّ من الرديف و المتلوي و أم العرايس والمظيلة بعد أيام من الإيقاف والتعذيب النفسي والجسدي والتحرّش الجنسي لحمل الموقوفين و -;-الموقوفات على الاعتراف بجرائم لم يقترفوها . وإثر المجزرة التى إرتكبتها أجهزة قمع الدولة يوم 7 جوان ضد أهالي الرديف تمّ إنزال قوات الجيش فى المدينة التى خضعت لمدّة شهرين إلى حالة حصار حقيقي جرى أثناءه إيقاف جلّ المطلوبين وفى مقدّمتهم قيادات الإنتفاضة التى فاوضت السلطة فى الأشهر السابقة وكذلك حزامها القريب والمئات الآخرين فبلغ عدد الموقوفين حاليا ما يناهز 320منتفض ومنتفضة. وفى الوقت الذى كانت تدار فيه المحاكمات حتى للمتعاطفين من خارج الحوض المنجمي ( على غرار زكية الضيفاوي من القيروان ) كانت السلطة تعدّ ملفات التهم الملفقة ضد قيادة الإنتفاضة ناهزت الأربعة عشر تهمة من النوع الثقيل والتى يمكن أن تصل أحكامها إلى 12 سنة سجنا . و ينتظر الرأي العام فى الداخل والخارج تقديم خيرة مناضلات ومناضلي الإنتفاضة فى الأيام القليلة القادمة للمحاكمة, هؤلاء المناضلات والمناضلين المصممين على أن لا يتوانوا عن قول الحقيقة وهتك المستور عن سياسة القمع الوحشي تجاه أهالى الحوض المنجمي وعن إدانة الجرائم التى إقترفتها عصابات القتل ضد المتظاهرين العزل وعن الدفاع عن حقّهم وحقّ أهلهم فى الشغل والكرامة ورفض التهميش وإدانة الفساد والمحسوبية المستفحلة في ظل ازمة النظام السائد.
إن العودة إلى تقويم هذا الحدث ليس ترفا فكريا يراد منه تسجيل الحضور على الورق بل إن الحاجة المتأكّدة لقراءة موضوعية من وجهة النظر البروليتارية هي أمر على غاية الأهمية حتى لا يكون العمّال والفئات الفقيرة كالعادة مجرّد وقود يدفعون فاتورة حربهم المشروعة ضد الإستغلال والهيمنة الإمبريالية ولكنهم يجدون أنفسهم- مع أنهم لم يخسروا أغلالهم -وراء القضبان أو ضحية رصاص جلاديهم بعد أن تكون الحلول المغشوشة قد أخذت طريقها إلى التنفيذ سواء عن طريق القمع السافر أو عن طريق تواطئ هذا أو سكوت ذاك. و إلى ذلك ، تتأتى ضرورة التقييم و إلحاحيته من كون تصحيح الأفكار هو الطريق الأصوب نحو ممارسة عملية سليمة حتى نتجنب إعادة إنتاج الأخطاء التى لا تفعل سوى الإبقاء على عبودية جماهير شعبنا وتؤجل ساعة خلاصها وتؤمن أسباب إستمرار نفوذ الطبقات الرجعية .و بصيغة أخرى من اللازم تلخيص دروس هذه الإنتفاضة الإيجابية منها والسلبية من اجل تطوير معرفتنا على المستويات كافة لأن المعرفة والنظرية مترابطان جدليا وكما قال ماو تسى تونغ :" إن المعرفة تبدأ من الممارسة العملية . والمعرفة النظرية التى يتم إكتسابها عن طريق الممارسة العملية ، يجب أن تطبق فى الممارسة العملية مرة أخرى . إن الدور الفعال للمعرفة لا يتجلى فى القفزة الفعالة من المعرفة الحسية إلى المعرفة العقلية فحسب ، بل ينبغى أن يتجلى أيضا – و هذا أهم من ذاك- فى القفزة من المعرفة العقلية إلى الممارسة العملية الثورية "( "فى الممارسة العملية " ).
أسئلة عديدة أثرناها كما أثارها عديد الأطراف واثارتها الجماهير العادية حول خلفية الأحداث والفاعلين فيها والعناصر الأساسية المحركة لها والدروس التى ينبغى إستخلاصها من هذه الإنتفاضة فى علاقة بقادم الأيام التى لن تكون إلا حبلى بالأحداث سواء تعلّق الأمر بالأزمة الإجتماعية المستفحلة والناجمة عن خيارات العولمة التى إنخرط فيها النظام باكرا وما نتج عنها من تفقير وتهميش وبطالة ، أو ما إتصل بآفاق هذه الأحداث خاصة وأن النظام القائم غير قادر على تلبية مطالب عمادة أو معتمدية فما بالك بمطالب جهة كاملة ذلك ان ثروات البلاد تذهب إلى جيوب السماسرة والإقطاعيين والبيروقراطيين عوض تلبية حاجيات الطبقات الفقيرة ، أو كذلك إتصل بإستحقاق الوحدة النضالية للمجموعات السياسية التى تضع على رأس جدول أعمالها تحرير الشعب والتصدّى للفساد ولبيع البلاد شبرا شبرا للخواص وللشركات المتعدّدة الجنسية وما تطلبه الوحدة الثورية المنشودة من جرأة ومسؤولية ونضج بشأن المسائل الخلافية من ناحية والتقاطعات والإلتقاء من ناحية ثانية لكي يقع تجاوز مجال التنسيق من أجل مطالب جزئية وإصلاحات وقتية وحلول منقوصة إلى طرح مسائل الخلاف الفكري والسياسي وحتمية الوحدة الثورية لأجل قضية تحرّر شعبنا بكل طبقاته وفئاته المناضلة المعنية بالتحرّر الوطني و الطبقي .

I / فى مسألة التقويم:

سيظلّ تقويم الحدث مسالة خلافية بين الأطراف ذلك أن الموقف الطبقي والمنهج الفكري والخط الإيديولوجي والسياسي هي العوامل المؤثرة والمتحكمة إلى درجة كبيرة فى العملية .فالبروليتاريا مثلا لا ترى التاريخ بالمنظور الذى تراه به البرجوازية أو الفئات والطبقات الأخرى ،وتناول حدث ما وفق رؤية مادية جدلية يختلف عن التناول المثالي لنفس الحدث . إن صواب التقويم فى صواب الخط الإيديولوجي والسياسي المبني على "التحليل الملموس للواقع الملموس" مستعينين بالنظرية الماركسية -اللينينية " و" من لم يقم بالتحقيقات فلا حق له فى الكلمة " (ماوتسى تونغ ) لأن التقويم الذاتي للحدث من خلال تبخيسه أو تضخيمه يفضى إلى إستنتاجات خاطئة وبالتالى إلى إتخاذ إجراءات عملية غير سليمة فى معالجة واقع لم يدرك التحليل الذاتي تخومه وتعقيداته . كما أن صواب التقويم يظلّ دوما نسبيا بمعنى أنه فى حاجة دائمة للتصحيح والتدقيق والمراجعة دعما لما هو صائب ودرءا لما هو خاطئ فى تلك القراءة . فالحكم على الأحداث مسألة تاريخية لا ذاتية ولهذا السبب بالذات لا ندّعى القدسية فيما سنكتبه ولكننا على العكس من أولئك الذين يعتقدون العصمة والنقاوة مائة بالمائة سنتجنب ما إستطعنا إخضاع الوقائع لرغباتنا الذاتية بل سنسعى إلى قول الحقيقة إنطلاقا مماّ لمسناه من خلال الممارسة العملية وما توفّر لدينا من مادة مكتوبة أو سمعية أو بصرية فى سبيل فهم تلك الأحداث وإتخاذ ما يلزم من مواقف وإجراءات ،و سنكون شاكرين لكل طرف يتفاعل مع قراءتنا تأييدا أو تصحيحا أو نقدا فذلك هو السبيل الوحيد فى إتجاه وضع قواعد متينة للصراع و الوحدة بشأن هذه القضية وغيرها من القضايا.
ويقتضى تقييم ما حدث فى مدن وقرى الحوض المنجمي بداية الإجابة على سؤالين إثنين . أولهما يخصّ المقدمات الموضوعية والتاريخية والسياسية والإجتماعية التى أدت إلى إندلاع هذه الإنتفاضة وثانيهما يتعلّق بما تردّد فى وسائل الإعلام الرسمية وصحف أحزاب المعارضة الكرتونية من أن الأحداث وقع توظيفها سياسيا من قبل عناصر تريد إفساد الإستحقاقات السياسية القادمة .

II / إكتشاف الفسفاط فى تونس و تركيز أكبر نواة عمالية :

إنطلقت فرنسا بعيد بسط نفوذها العسكري على كامل تراب القطر فى إقامة مشاريع إقتصادية كبرى تشبع نهم الحملات العسكرية الإستعمارية فى إفريقيا و آسيا و أمريكا و قد توصّل الطبيب فيليب توماس ، وهو جيولوجي هاو ، إلى إكتشاف طبقات فسفاطية هامة سنة 1885 فى شمال جبل ثالجة بالجنوب الغربي و كذلك فى أحواز القصرين . و تتالت الإكتشافات لتشمل ما يعرف الآن بمربع المظيلة –المتلوى –الرديف –أم العرائس .و لإستغلال تلك الثروة بعثت السلطة الإستعمارية "شركة فسفاط قفصة و السكك الحديدية " و قد بدأ الإستغلال الفعلي لتلك المناجم سنة 1900 بطاقة إنتاجية جملية تقدّر ب 200 ألف طن يقع شحنها من ميناء صفاقس . و قد شهدت هذه الشركة تحوّّلات هيكلية و قانونية عديدة طوال القرن الماضي إلى أن إستقرّ وضعها الحالي بإسم " شركة فسفاط قفصة " و ذلك منذ 1976. و قد مكنت الكميات الهامة المستخرجة "شركة فسفاط قفصة " من أن تحتلّ المرتبة الخامسة عالميا بإنتاج لا يقل عن ثمانية ملايين طن سنويا منذ 1999 بعد أن تضاعفت الكميات جراء الإنتقال من الإستغلال الباطني عن طريق الدواميس إلى الإستغلال السطحي بالآلات و الجرافات العصرية مما مكّن من مراكمة مزيد من الأرباح الطائلة بسبب المكننة من جهة و الضغط على تكاليف الإنتاج من خلال إحالة الآلاف على التقاعد المبكر ووقف الإنتداب

-1- ثورة طائلة / فقر مدقع :

إقترن تاريخ مدن و قرى الحوض المنجمي إذن بإنتصاب الإستعمار الفرنسي فى القطر حيث نشأت بعض التجمعات السكنية حول نشاط إستخراج الفسفاط و محطات القطار وهكذا نشأت مدن الرديف و أم العرائس والمتلوى والمظيلة التى تجمّعت فيها بعض العائلات التابعة لقبائل كانت تعيش من تربية الماشية و بعض الأنشطة الزراعية البسيطة .
إن حاجة "شركة فسفاط قفصة " إلى أعداد متزايدة من اليد العاملة بسبب صعوبة الإستخراج الباطني للفسفاط جعل السلطة الإستعمارية تبحث عن تلك العمالة فى صفوف القبائل الرحّل من أولاد عبيد ( الرديف) وأولاد بويحيى ( المتلوي) وأولاد سلامة ( أم العرائس ) وأولاد ثليجان والهناشرية ( المظيلة ) و تذكر المصادر التاريخية ان فرنسا لجأت أيضا إلى جلب الآلاف من الجزائريين و الليبيين خاصة بعد إحتلال إيطاليا للقطر الليبي سنة 1911 و ما نتج عنه من هجرة جماعية نحو تونس . و إلى حدّ اليوم ما زالت "أحياء الطرابلسية " فى المتلوي والمظيلة شاهدة على تلك الهجرة . كما أن بعض المئات من العمال كانوا يأتون سنويا من منطقة سوس المغربية . وقد نجحت السلطة الإستعمارية فى إثارة النعرات القبلية لتقسيم العمال والحيلولة دون توحّدهم ضدّها . وهكذا كان من الصعب الحديث عن نضالات عمالية فى بداية القرن الماضي ضد القهر الطبقي و الوطني فى جهة المناجم . فالنزاعات القبلية هي التى كانت تسود علاقات العمال بعضهم ببعض وقتئذ مكّنت الإدارة الإستعمارية من إقامة نظام صارم للفصل بين الأرستقراطسة العمالية ( فرنسيون ، إيطاليون –مالطيون) و بين اليد العاملة المحلّية و المغاربية .
وقد حملت تلك القبائل الرحّل قيمها و ثقافتها إلى التجمعات السكنية بما ساهم فى إستمرار عوامل إنقسامها وبالتالى تأخر وحدتها الطبقية والكفاحية . لذلك عجزت تلك الجموع العمالية الهائلة عن إدراك أهمية الوحدة داخل صفوفها قصد الدفاع عن مطالبها و التصدّى للإستغلال الذى كانت تتعرّض له أو تحسين ظروف العمل خاصة وأن العشرات كانت تلتهمهم سنويا حوادث الشغل القاتلة والمفزعة فى باطن الداموس .
-2- بداية الوعي النقابي و السياسي فى الحوض المنجمي :

لم تعرف جهة المناجم قبل الحرب العالمية الأولى سوى بعض الإضرابات الجزئية التى كان يقودها عمّال من أصول جزائرية و مغربية و ليبية سرعان ما إنتهت بالقمع الوحشي من قبل قوات البوليس والجيش الإستعماريين . وكان إنطلاق الحركة النقابية الفعلية على أيدى العمال الفرنسيين و الإيطاليين و المالطيين الذين كانوا يتمتعون بأجور عالية لا تقارن فى الواقع بما كان يتقاضاه التونسيون ورفاقهم من ليبيا والجزائر والمغرب . وقد مثّل إضراب ربيع 1920 أوّل إمتحان لعمال المناجم لتجاوز حالة الإنقسام واللامبالاة فنجاح ذلك الإضراب كان من العوامل الأساسية فى إستمالة العماّل التونسيين إلى الحركة النقابية الوليدة التى كانت تحت سيطرة الفرنسيين . وقد حاول محمّد علي الحامي باعث جامعة عموم العملة التونسيين سنة 1924 تأسيس أولى نقابات الجنوب فى الحوض لكنه فشل بفعل هيمنة العقلية القبلية من جهة وتصدّى السلطة الإستعمارية لمشروعه ذاك وعدم حماسة زعماء النقابات الفرنسية لإنشاء نقابات مستقلّة عنهم من جهة أخرى . و منذ ذلك الوقت ، أصبح العمال التونسيون جزءا لا يتجزأ من الكنفيدرالية العامة للشغل و هكذا أخذت تتشكّل نواة نقابية تونسية مدرّبة و مجربة وواعية بواقعها وبمطالبها ضمن النقابات الفرنسية وهي التى ستكون لاحقا أحد الركائز الهامة التى سينطلق منها تأسيس الإتحاد العام التونسي للشغل بعد نهاية الحرب العالمية الثانية .
لم تغيّر الثروات الطائلة التى نهبتها فرنسا طوال ستين سنة ثم من بعدها وكلاؤها المحلّيون شيئا من الواقع الإقتصادي و الإجتماعي للجهة حيث ظلت حياة الأهالي مرتبطة بالنشاط الإستخراجي و لم تعمل فرنسا و لا نظام الإستعمار الجديد من بعدها على إستثمار ولو جزء بسيط من عائدات الفسفاط لخلق مصادر رزق أخرى فلاحية أو معملية أو لتوفير البنية الأساسية من طرقات ومياه وصرف صحي . لقد ظلت شركة الفسفاط القطب الوحيد لإقتصاد المنطقة والمصدر اليتيم للتشغيل فى الجهة ،و مع التزايد الديمغرافي المطرد و تضاعف أعداد المتخرجين من الجامعة و تراجع الطاقة التشغيلية للشركة بفعل سياسة الإصلاح الهيكلي أضحى العدد الجملي للعمّال فى كلّ الحوض لا يزيد عن 5 آلاف عامل بعد أن كان فى حدود العشرين ألف فى السبعينات وقرابة الثلاثين ألف فى النصف الأول من القرن الماضي .
ومن هنا ، تفاقمت البطالة بالمعتمديات الأربعة و ناهزت ضعف النسبة العامة بالقطر ( 30 بالمائة بالمتلوى – 38 بالمئة بالرديف – 37 بالمائة بالمظيلة – 40 بالمائة بام العرائس) و قد تفشت مظاهر الفقر و البؤس المدقع بالجهة وهي التى تحتوى على ثروة طائلة كان بالإمكان أن تجعل منها أغنى جهات البلاد . و مما فاقم مأساة الجهة أن الوضع العقاري للأرض ظلّ محافظا على طابعه المتخلّف منذ السيطرة الإستعمارية حيث أن الأراضي إما مشاع أو تابعة لشركة الفسفاط وهو ما يمنع أي نشاط فلاحي لمن لم يجد حظّه فى الشركة المذكورة أعلاه.
وتحولت نعمة الفسفاط إلى نقمة نظرا للكارثة البيئية التى تسببها طريقة إستخراج الفسفاط و غسل هذه المادّة حيث تغطّى الأتربة السهول والمنازل و الشوارع بينما تلوّث المياه المستعملة فى غسل الفسفاط المائدة المائية الصالحة للشرب ممّا ضاعف نسب الإصابة بالسرطان ومرضى الكلي والحساسية ونفوق أعداد متزايدة سنويا من الماشية .
ما من أحد ينكر أن هذه الجهة ضحّت أثناء الإستعمار المباشر بخيرة أبنائها لينطلق الكفاح المسلّح من جبل السطح سنة 1952 و يعدّ نصيبها من الشهداء هامّا بالمقارنة مع بقية جهات البلاد كما أن القمع المسلط على أبناء الجهة بعد إنتقال السلطة إلى وكلاء فرنسا كان وحشيا نتيجة رفض المقاومين فى الجهة تسليم أسلحتم على خلفية إدانتهم لإتفاقات مجموعة بورقيبة مع السلط الإستعمارية . وقد عمل المقاومون الذين أصرّوا على مواصلة المقاومة على تأمين وصول السلاح لرفاقهم فى الجزائر ممّا كلفهم التصفية الجسدية أحيانا على أيدى القتلة البورقيبيين من أمثال "الحسين بوزيان" أصيل ولاية قفصة والذى أوكلت له مهمّة قطع الإمدادات نحو الجزائر وتعقّب من كانوا يوصفون بالمخربين و اليوسفيين لإغتيالهم والحال أن ذنبهم الوحيد أنهم رفضوا الإستسلام للمستعمر وأصروا على إستمرارالمقاومة فى سبيل إستقلال فعلي يحفظ كرامة الشعب و يؤمن التواصل مع الثورة الوليدة فى الجزائر . و لم يسلم "الحسين بن زيان " نفسه من أيدى المقاومة التى توصلت إلى إغتياله وهو ما ضاعف نقمة بورقيبة على أهالي الجهة ورموزها الوطنية المقاومة . وقد وصل الأمر إلى حدّ محاولة إغتيال بورقيبة أثناء إجتماع له بالرديف سنة 1959 على يد أحد المقاومين من المزونة يدعى " محمد النيفر" .
إن هذه الحوض المنجمي الذى إستبيحت ثروته من قبل الإستعمار أولا و من قبل العملاء تاليا تجد اليوم نفسها منهكة إجتماعيا و تنمويا و صحيا و ثقافيا ، فلا تنمية متوازنة فى الجهة و لا شغل يحفظ الرزق لآلاف المعطّلين عن العمل ولا مستشفيات لمن دمّرت صحته سنوات الشغل فى أعماق الجبال والدواميس . ومقابل هذا الفقر المدقع تشغل بعض الأقليات مواقع نفوذها فى الدستور والنقابة للإستئثار بأي موطن شغل جديد والسيطرة على مسالك التهريب على الحدود مع الجزائر و وإملاء الإتاوات على طالبي الشغل من المعطلين عن العمل .
وإلى جانب عوامل أخرى ذاتية و ثانوية ، عجّل الأرضية المادية ، تفشى مظاهر البؤس والشعور بالغبن والتهميش وعدم إهتمام السلط المحلية و الجهوية والمركزية بمطالب المواطنين ب" لجان المعطلين عن العمل " التى أطرت الإعتصامات التى إنتشرت فى كلّ مدن الحوض المنجمي . وقد توسعت هذه الظاهرة لتشمل المتقاعدين الذين أجبروا مبكّرا على ترك العمل فى إطار حملة واسعة من التسريح العمالي . إن تهيّأ هذه الجهة للإحتجاج الإجتماعي يجد جذوره فى عراقة التراث النضالي للجهة ضد الإستعمار قديمه وجديده وفى روح الرفض المتوهجة فى صفوف اهالي بفعل لمسهم لمس اليد الظلم والحيف . كما تجد الإنتفاضة جذورها فى التقاليد النقابية التقدّمية والديمقراطية التى غرست منذ ستينات القرن الماضي فى بعض نقابات التعليم والوظيفة العمومية وبعض العناصر العمالية التى إنخرطت فى التجارب السياسية المتعاقبة لقوى اليسار الماركسي منذ السبعينات .
ويتنزّل هذا الوضع الإجتماعي و الإقتصادي البائس بالنسبة لأبناء و بنات المنطقة فى إطار التركيبة الإقتصادية –الإجتماعية للمجتمع شبه المستعمر شبه الإقطاعي ،هذه التركيبة الإقتصادية الإجتماعية التى تتميّز ضمن ما تتميّز بكون الإقتصاد فى إطار التقسيم الدولي الإمبريالي للعمل موجّه لخدمة الإمبريالية وعملائها من كمبرادور وإقطاع على حساب الشعب الكادح . إنه إقتصاد يساهم فى نطاق ما أوكلت له من مهام فى تصدير مواد أولية بالخصوص منها الفسفاط وزيت الزيتون والتمور والقوارص... وإستيراد جملة لا حدّ لها من البضائع من السوق الإمبريالية وهو إقتصاد لا يعبأ بحاجيات الشعب وقد تمظهر ذلك مثلا فى المدّة الأخيرة ، فى أزمات الحبوب والبطاطا والحليب حيث يلحق الضرر حدّ الإفلاس بالمنتجين المحلّيين إرضاءا للإمبرياليين الذين يباع لهم تراب البلاد والعباد وطمعا فى ما تغدقه على السماسرة من نسب فى الأرباح من التجارة . وهو بإختصار إقتصاد مشوّه بفعل التحكّم الإمبريالي فيه لا ترابط وتكامل بين قطاعاته وجهاته . ومجمل القول أن هذه التشكيلة الإقتصادية - الإجتماعية شبه المستعمرة شبه الإقطاعية تعرقل نموّ قوى الإنتاج وتضخّ الثروات إلى الحسابات البنكية للإمبرياليين وعملاءهم و تتحالف مع كلّ ما هو متخلف ومن شانه تأبيد هذا النظام .
ومع إحتداد الأزمة الإقتصادية والإجتماعية فى الجهة فى السنوات الأخيرة وبلوغ التحركات الشبابية للمعطلين عن العمل أساسا درجات من التطور تُرجم فى المسيرات المتكررة والممتدّة أحيانا لساعات الليل وخلال الليل وفضحها للوعود الفارغة للسلط المحلية والجهوية طفقت أشكال النضال والتنظيم تتطوّر والمواجهة مع المسؤولين المحليين والجهويين تتصاعد وبالتالى أخذ الوعي الإحتجاجي يتجذر ويحاصر الدساترة-اعضاء الحزب الحاكم- وأخذ الحراك يخرج عن نطاق السيطرة أحيانا لساعات وأخرى لأيام . فكان البركان فى غليان دائم لا يخمد إلا ليستيقض من جديد فى شكل أمواج تصعد وتنخفض إلى أن جاء إعلان نتائج المناظرة التى نظمتها شركة الفسفاط ليمثّل شرارة القدح التى فجرت البركان والإنتفاضة التى ظلت عوامل إنطلاقها تعتمل منذ سنوات .فأحدثت المراكمة الكمية تحولا نوعيا فى مستوى الصراع المحتدم ومداه إنتشارا وعمقا ووعيا تكرّست ذروته فى ما سنشرحه فى فقرة " التسمية والمصطلحات ".

III / فى مسألة التوظيف السياسي :

إن المتأمّل فى تاريخ الإحتجاج الإجتماعي فى تونس فى العقود الأخيرة يكتشف دون عناء نزوع السلطة دائما إلى التغطية على الأسباب التى تثير إحتجاج العمال والطبقات الفقيرة الأخرى فكلّ الإنتفاضات منذ إنتصاب النظام سواء فى الوردانين والساحل فى الستينات أو الإحتجاجات الطلابية فى فيفري 1972 أو إنتفاضة 26 جانفي أو عملية قفصة1980 أو إنتفاضة الخبز سنة 1984 هي من فعل " الصائدين فى الماء العكر" من المعارضين والمناوئين لنظام "المجاهد الأكبر" أو هي من صنع بعض أركان الحكم المتعطشين للسلطة ( بن صالح- مزالي – قيقة إلخ ) فى حين أن تلك التحرّكات كانت دوما فى علاقة بواقع الفقر والإقصاء والتهميش الذى تتعرّض له الطبقات الشعبية أو بضرب إستقلالية المنظمات الإجتماعية وإخضاعها لإرادة النظام أو ضد وصفات البنك العالمي وصندوق النهب الدولي .
لذلك نعتقد أن أبواق دعاية السلطة التى راحت تروّج لرواية "التوظيف" كانت تعمل على تضليل الجماهير بالمنطقة وإدخال الشكّ والبلبلة والرعب فى صفوفها وعلى منع بقية جماهير القطر من ناحية ثانية من مساندة أهالينا فى المنطقة وعلى ترهيب المناضلات والمناضلين بالتلويح غير المباشر بالمحاكمات السياسية بتعلات وتهم مفبركة ومركبة على القياس من ناحية ثالثة . هذا علما وأن إدانة سياسات السلطة ورفض خياراتها ومقاومتها عمليا و فكريا لا يمكن أن يعبّر إلا عن موقف وقناعات سياسية ولو بصورة عفوية .
و فضلا عن ذلك ، من الطبيعي أن يسعى مناضلات ومناضلو أحزاب ومنظمات ومجموعات سياسية ، ومن حقهم فى النشاط السياسي ، إلى التأثير فى الحركة وتوجهاتها , والإنتفاضات والإحتجاجات الكبرى المذكورة أعلاه- بإستثناء قفصة 1980- لم تكن بقيادة أي حزب معين أو مجموعة سياسية معينة وإنما ساهم فيها خليط من القوى السياسية والقوى الشعبية غير الحزبية . وإنتفاضة الحوض المنجمي لم تكن تخضع فى مسارها وقيادتها لإملاءات حزب أو مجموعة سياسية محدّدة وإنما أفرزت فى خضم مسارها النضالي قيادة أقرب إلى اليسار الماركسي منها إلى أي تيار آخر ومدعاة للفخر والإعتزاز ولإستخلاص الدروس والعبر لنا ونظن كذلك لجميع الشيوعيين – وإن كانت لنا ولبعضهم خلافات مع قيادات الإنتفاضة - أن لا نجد فيها أثرا وبصمات يذكران لا للتجمعيين ولا للإخوانجية .
إن ما لا تستطيع قوله صراحة تلك الأبواق هو الحقيقة فتطعن النظام فى مقتل أي إنها لا تستطيع أن تقول صراحة أن النظام هو المسؤول عن حالة الفقر والبؤس و الخصاصة والتفاوت بين الجهات والفساد وهي الأسباب الحقيقية التى أدت فعليا إلى الإحتجاجات والإنتفاضات التى عرفتها البلاد على مدى ستين سنة من عمر نظام الإستعمار الجديد.ومع ذلك تمكّنت إستمرارية الإنتفاضة من أن تفرض ولو بصورة غير مباشرة على النظام وأعلى هرمه الإعتراف وإن جزئيا بنوع من المسؤولية حاول للتضليل الجماهير حصرنا فى أشخاص جعل منهم كبش فداء.

IV / فى التسمية والمصطلحات وتقويم الحركة:

كثيرا ما تتعدّد المصطلحات والتسميات عند الحديث عن الحركة الإحتجاجية العارمة فى الحوض المنجمي فهي أحداث تارة وهبّة شعبية تارة أخرى إلى غير ذلك من النعوت التى نرى أنها تحتاج إلى المزيد من التدقيق . فالحركة التى نحن بصدد تقويمها بدأت عفوية ردّا على الحيف الإجتماعي وضد البطالة المتفاقمة والفساد المستشرى ولكنها سرعان ما بلغت درجات عالية من النضج السياسي والتنظيمي والإعلامي والميداني قياسا لما شهدته التحركات الإحتجاجية الأخرى فى جهات البلاد سواء فى نفس الفترة – فريانة ...- أو فى العقود الأخيرة . إننا نعتبر هذه الحركة إنتفاضة بأتمّ معنى الكلمة لا من حيث إتساع رقعتها الجغرافية فقط ( الرديف – أم العرائس- المتلوى – المظيلة) أو وزنها الشعبي إذ جمعت الآلاف فى مناسبات عديدة ( 15 ألف يوم إحياء عيد العمال 1 ماي 2008 حسب بعض التقديرات فى الرديف ) أو الإعتصامات القارة فى الإتحاد المحلي للشغل وفى الساحات العامة وبعض الإدارات وعلى السكك الحديدية ولكن خاصة من حيث الشعارات السياسية والمطلبية المرفوعة فمن حق الشغل وتحسين ظروف الحياة فى الجهة إلى إدانة سياسات النظام الإقتصادية والإجتماعية ورفض الخيارات الليبرالية الجديدة المتوحشة ( شغل – حرية – كرامة وطنية / لا مناول لا سمسار أحنا هم أولاد الدار / أموال الشعب فى القصور، أبناء الشعب فى السجون / تلامذة و طلبة وعماّل صف واحد فى النضال / لا فساد ولا إفساد فى صفوف الإتحاد إلخ ) . كما طالت الشعارات المهتوفة والمكتوبة أمام دار الإتحاد بالرديف تورّط البيروقراطية النقابية فى الوضع الإجتماعي البائس الذى آلت إليه جهة المناجم رغم أن جام غضب المحتجين إنصب رئيسيا على البيروقراطية الجهوية ( يا عباسي يا جبان ، النقابي لا يهان – يا حشاد شوف شوف ، الخيانة بالمكشوف ...) خاصة وأن ممثلها الأبرز الكاتب العام للإتحاد الجهوي بقفصة هو رمزها الفاسد وهو الذى إستفاد من موقعه ذاك ليكون المترشح الدائم على رأس قائمة التجمع-الحزب الحاكم- فى الإنتخابات التشريعية مما مكّنه من بعث شركة سوقاص للمناولة بطاقة تشغيلية تناهز 700 عامل يتقاضى الواحد منهم 240 دينار مقابل 900 دينار تسدّدها شركة فسفاط قفصة عن كل فرد . وبعملية حسابية بسيطة يتقاضى الكاتب العام للإتحاد الجهوي 650 دينار عن كلّ عامل مسجّل فى شركته. ونعتقد أن ما حقّقته انتفاضة الحوض المنجمي فى فترة وجيزة ، من فضح للبيروقراطية النقابية المحلية –بوجه خاص- و بيروقراطية المكتب التنفيذي والتشهير بها قد يساوى ما قد تقوم به عشرات المعارك النقابية وعلى إمتداد سنوات.
وبالتعويل أساسا على قواها الذاتية وبإعانة من مناصريها داخل البلاد وخارجها خاضت الإنتفاضة معركة إعلامية ناجحة مكتوبة وسمعية بصرية مكّنتها من كسر الطوق والحصار الإعلاميين الذين ضربهما حولها النظام وهذا فى حدّ ذاته إنجاز متميّز ينبغى الإستفادة منه فى قادم الصراعات الطبقية .
و إذا قارناّ إنتفاضة الحوض المنجمي بإنتفاضة الخبز وبإنتفاضة 26 جانفي 1978 ألفينا أنها أقل إتساعا فضائيا غير أنها أطول مدّة بكثير وأكثر جماهرية وشعبية وكذلك أعمق وعيا سياسيا وتنظيميا.
ولا يجب أن نتجاهل ولو للحظة مكوّن من أهمّ مكونات جعل الحركة حركة جماهيرية وشعبية حقا وفعلا ونقصد المشاركة المنقطعة النظير للنساء فى الإنتفاضة منذ البداية وبأشكال لم يسبق لها مثيل فى مواجهة قواة القمع النظامية.
ولا يفوتنا هنا كذلك أن نؤكّد مدى المساهمة العظيمة للإنتفاضة المنجمية فى تعرية الوجه الحقيقي للنظام اللاوطني واللاشعبي واللاديمقراطي وخياراته التى لا تخدم سوى حفنة من السماسرة و مصاصى دماء الشعب وفى تمريغ فى الوحل وجه خطابه عن الحريات ودولة المؤسسات وعن التنمية والإزدهار والتكافئ بين الجهات فى توزيع الثروة وما إلى ذلك من أكاذيب ما إنفكت تقذفنا بها وسائل اعلام دولة الإستعمار الجديد. وكان لهذا العامل تأثيرا هاما على مناطق أخرى حاولت أن تحذو حذو الحوض المنجمي ولم تتمكن من ذلك – فريانة مثلا – لأسباب ليس هذا مجال الخوض فيها .
وأهمّ حتى مما سبق من الناحية الطبقية السياسية هو أن الإنتفاضة المنجمية تمكّنت من إفتكاك السلطة وممارستها ولو مؤقتا . نعم هذه نقطة فى منتهى الأهمية وبالفعل لم تخلق الإنتفاضة فراغا فى فترات معينة فى سلطة الدولة التى إما هرب ممثلوها أو لازموا مقراتهم خائفين كالفئران المذعورة من ثورة الغضب وإنما أوجدت أجهزة وتنظيمات سلطتها ومارستها على أرض الواقع مغلقة الطرقات والمحلات وموزعة المؤن وموجدة فرقا صدامية للدفاع عن "الأرض المحرّرة " وقد إفتكت من يد قوات القمع أحياء و تحكّمت فيها بينما بقيت أحياء أخرى فى مدّ و جزر تارة بأيدى الشرطة وطورا بأيدى المنتفضين وكأنها " منطقة حرب عصابات "وقد تمكّنت السلطة التى مارستها الجماهير من رصّ الصفوف وكسب حتى معارك جزئية فى المعارك مع الشرطة وفى إخراج الموقوفين من السجن .وقد كرّست عمليا حقها فى السلطة شعرت الجماهير بإرادة الشعب التى جعلت القدر يستجيب لمطالبها وهذا من أخطر
" التجاوزات " التى تسبب الكوابيس لدولة الإستعمار الجديد والتى لن يغفرها لها النظام .
وإن التشبيه الذى تمّ تداوله فى الجنوب على أن الرديف صارت "غزة" لا يجانب الحقيقة بل يعبّر عنها كأعمق ما يكون التعبير . وهو ما تناسته وتعامت عنه عمدا القوى الإصلاحية .ولئن شدّدنا على هذا فلما له من بعد تاريخي لممارسة الشعب لسلطته الفعلية ومن منظور المستقبل والإعداد للثورة الديمقراطية الجديدة / الوطنية الديمقراطية .

V / الإنتفاضة : عناصر تقويمية إضافية :

مثلما أسلفنا فى بداية الكراس ، نعتبر الحركة الإحتجاجية التى حافظت على توهّجها النضالي لمدّة ستّة أشهر كاملة ( جانفى-جوان 2008) إنتفاضة بإمتياز إتخذت طابعا جماهيريا وشعبيا لم يشهده تاريخ القطر الحديث إذا ما قارناها بإنتفاضتي 26 جانفي 1978 وإنتفاضة الخبز سنة 1984
.فالأولى لم تتجاوز بضعة ايام والثانية إستمرت بضعة أيام كذلك فى جهات محدّدة رغم العدد المرتفع للشهداء الذين سقطوا آنذاك على أيدى أجهزة دولة الإستعمار الجديد القمعية. ومما ميّز إنتفاضة الحوض المنجمي هو حسن تنظيمها وشعبية تحركاتها ووضوح مطالبها وتصاعد أشكال النضال والتنظيم المتراوحة بين الإعتصامات والتجمعات العامة إلى المسيرات الألفية وردّ الفعل على قمع الأهالي ولو بأساليب بدائية وعفوية أحيانا.
ولا يسعنا هنا إلا أن نشدّد مجدّدا على مشاركة المرأة فى الإنتفاضة مشاركة لم يسبق لها مثيل أعطت زخما وعمقا وإتساعا وأسبغت على الحركة بعدا جماهيريا شعبيا وديمقراطيا وتقدميا فى منتهى الدلالة لمن يتطلع إلى تحرير البلاد والعباد ، تحرير الأرض والإنسان. وقد سبق ، فى إطار عمل آخر أن أكّدنا على الأهمية القصوى لمشاركة المرأة لتحرير نفسها وتحرير المجتمع من مختلف أشكال الإستغلال والإضطهاد .
إن حسن التنظيم والدعاية والتحريض يبقى مسألة نسبية فنحن لا نحكم على الحركة من خلال وضع موضوعي صعب يتسم بتفاوت صارخ فى ميزان القوى بين الأهالي والسلطة وإختلال الموازين بين أجهزة دولة الإستعمار الجديد المدجّجة بالسلاح وابناء الشعب الذين ليس لهم من عوامل القوة سوى عدالة قضيتهم وصمودهم وإصرارهم على المقاومة ورفض الإستسلام .
لقد نجحت الإنتفاضة فى جذب أعداد هائلة من "المواطنين والمواطنات" إلى صفوف المحتجين . وهكذا لم تستطع أجهزة القمع التدخل بعنف لوضع حدّ لتلك الإنتفاضة فى البداية للإلتفاف الشعبي حولها وحول قيادتها . إن عدم تدخل قوى القمع لم يكن عنوان تحضّرها وإحترامها لحرّية التظاهر والتجمع بل إنها كانت تراهن على عامل الزمن لهرسلة المحتجين وتجاهل الإنتفاضة إعلاميا مرّة والتفاوض ثمّ التنصّل من الإتفاقيات مرّة أخرى حتى تفلّ العزم وتفُكّ التعبئة بما يبعث اليأس والإحباط فيدفع العجز عن تحقيق المطالب المحتجين إلى العودة إلى المنازل .
لقد إستطاعت الإنتفاضة لفت الأنظار إليها بفضل صمودها ومداومتها فإعترفت السلطة ولو متأخرا بوجود "أزمة إجتماعية" فى المناجم لأول مرّة فى وسائل الإعلام على لسان هرم السلطة بعد أن تمّ إيقاف بعض العناصر القيادية فى شهر أفريل . وقد إضطرت السلطة إلى إطلاق سراحهم بعد أيام فقط على إثر الإضراب العام الذى شلّ الحياة فى الرديف وإستُقبل المغادرون لتوّهم السجن فى أجواء إحتفالية أغاضت الرجعية وأعوانها فى الجهة وخارج الجهة .
وتجدر الإشارة إلى أن المشاركة العمالية – مشاركة عمال المناجم - فى الإنتفاضة كانت إلى حد كبير محتشمة إن لم تكن منعدمة فى أوقات معينة . بيد أن أبناء العمال وعائلاتهم لم يغيبوا عن الحدث . ومثّل غياب الحضور العمالي بالصورة المطلوبة شيوعيا أحد أهمّ نقاط ضعف الحركة الإحتجاجية بما قلّص من قوّة الضربة التى تلقاها النظام الحاكم .من الأكيد أنه لو شارك العمال بأعداد هامة لقرأت لهم الدولة ألف حساب إضافي ولتوسعت دائرة الإحتجاج والتأثير جهويا وقطريا وعالميا. وعلينا مواجهة حقيقة أن العمل الشيوعي عموما لم ينغرس فى الأوساط العمالية لا سيما فى أوساط العمال بالساعد ويعزى ذلك إلى أسباب عديدة متداخلة ومعقّدة على الجميع بحثها للخروج بحلول عملية وفعالة فى هذا الشأن .ومن تلك الأسباب نذكر غياب العمل الشيوعي الثوري بمعنى العمل السياسي والإيديولوجي والثقافي والإجتماعي الشيوعي الهادف إلى رفع وعي العمال الذين من المفروض أن يصبحوا القوة القيادية للثورة الديمقراطية الجديدة /الوطنية الديمقراطية ذلك أن النشاط الشيوعي عموما ،فى العقود السابقة وحاليا، تطغى عليه النزعة النقابوية والإصلاحية .
إن المضمون الطبقي للإنتفاضة لا يمكن أن يرقى إليه الشكّ ، فالجهة عرفت بتقاليدها العمالية واليسارية الماركسية التى يجب أن يعتزّ بها الشيوعيون . فلا الظلاميون ولا الدساترة ولا البيروقراطيون بوسعهم أن يدّعوا لحظة واحدة أن لهم بصمة واحدة تذكر فى تلك التحركات . ويجب أن نعترف أن تلك الإنتفاضة كانت إستثناءا نضاليا فى واقع متردى فمن أي معين كان المنتفضون يستمدون إصرارهم وصمودهم و صبرهم وجلدهم حتى أن عنادهم ذكّرنا بثوّار كمونة باريس الذين قال عنهم ماركس " إنهم يناطحون السماء "و ذلك بالنظر إلى ضعف العامل الذاتي وعدم نضج الظروف الموضوعية لعمل ثوري عظيم . إلا أنه مع إجلالنا وتقديرنا وتثميننا لكفاح أهلنا فى الحوض المنجمي ينبغى الإقرار بمحدودية سقف الإنتفاضة و ذلك لأسباب موضوعية وذاتية لا تخفى على أحد إلا من أراد التحليق مع الأوهام .فهل يعقل أن تطرح الحركة مسألة التغيير الثوري الشامل فى موازين قوى مختلّة لا ينكرها إلا المجانين ؟ وهل يمكن لإنتفاضة محدودة الإمكانات والقيادة أن تتحوّل بعصا سحرية إلى "ثورة عارمة " ؟ إن الذين يحُطّون من شأن الإنتفاضة لأنها ظلّت محلية لا يكلّفون أنفسهم السؤال عماّ فعلوا هم فى الجهات الأخرى لكي لا تظلّ الإنتفاضة محلّية ولكي تظهر بؤر أخرى فى مناطق أخرى .
ورغم السقف المطلبي الإصلاحي الواضح للإنتفاضة فإننا نعتبرها علامة مضيئة إذا ما نظرنا إلى العتمة التى تلقى بظلامها على ساحات أخرى من القطر ذلك أن إستمرار الإنتفاضة وصمودها لمدّة نصف سنة كاملة لو يوقظ جهات أخرى من السبات –بإستثناء فريانة بالقصرين وإن لم تدم فيها الحركة المحدودة على مستويات مختلفة أكثر من يومين - . وعلينا أن نعترف أن حالة الضعف والعجز والتشتت أحيانا والمزايدة اليسراوية أو الجبن الإنتهازي أحيانا أخرى من العوامل المهمة التى ساهمت فى محاصرة الإنتفاضة ومنعت إمكانية إلتحاق جهات أخرى بالحركة الإحتجاجية على الرغم من أنها تعانى من ذات البؤس والتهميش تقريبا . كما أن تراجع الأداء النضالي فى أم العرائس والمتلوى والمظيلة ساهم إستفراد أجهزة الدولة القمعية بالرديف للتنكيل بأهلها وإستباحة أحيائها ونهب المنازل والدكاكين وإطلاق الرصاص الحيّ على المحتجين العزّل حتى باتت الرديف مدينة "منكوبة " على حدّ تعبير النداء الذى توجّه به المواطنون إلى المكتب التنفيذي للإتحاد العام التونسي للشغل قصد إدخال الهلال الأحمر والصليب الأحمر لإنقاذ الأهالي.
ولم يكن كلّ ما جرى تنظيمه من أشكال المساندة لأهالى الحوض المنجمي فى مستوى الحدث وما تعرّضوا له من قمع وتنكيل إلا أننا نقدّر عاليا ما قامت به اللجنة الوطنية لمساندة أهالي الحوض المنجمي وكذلك بعض اللجان الجهوية وفى مقدّمتها اللجنة الجهوية بصفاقس لمساندة أهالي الحوض المنجمي رغم حصار البيروقراطية والسلطة وهو ما ساهم فى فكّ العزلة الإعلامية المضروبة على الإنتفاضة فى الرديف ولو نسبيا. وقد نجحت بعض تلك اللجان فى تنظيم تحركات عديدة حرّكت المياه الراكدة كتلك التى ظهرت فى صفاقس والقيروان وبن عروس وجندوبة . كما لعب المناضلون الوطنيون والديمقراطيون فى المهجر وخصوصا فى فرنسا دورا بارزا فى كسر الحصار الإعلامي المضروب على الجهة مماّ جعل وسائل الإعلام الدولية تولى بعض الإهتمام لأخبار القمع المسلّط على الأهالي وإحراج السلطة التى إعترفت صراحة بالتجاوزات التى صاحبت مناظرة الإنتداب بشركة الفسفاط والتى رفض نتائجها الأهالي ولكنها أصرّت على أنها " عالجت تلك الإخلالات" بإقالة بعض المسؤولين المحلّيين والجهويين من مناصبهم وكأن مطالب الأهالي إنطلقت لكي يقع عزل هذا أو ذاك من رموز الفساد دون الإستجابة للمطالب الملحّة الأخرى.
و ساهم سقوط ثلاثة شهداء خلال هذه الإنتفاضة وحوالي الثلاثين جريحا فى رفع سقف الإحتجاج وأسلوب المواجهة وذلك ردّا طبيعيا على سياسة التنكيل التى توخّتها السلطة تجاه الأهالي. وساهم العمل الذى قامت به بعض اللجان والإتحادات الجهوية ، على تواضعه الشديد ، فى " تغيير " موقف أطراف ولو مناورة . فقيادة الإتحاد العام التونسي للشغل التى وقفت بصورة سافرة إلى جانب الكاتب العام للإتحاد الجهوي للشغل بقفصة وأدانت "التوظيف السياسي " ( وكأنها بريئة منه ) كانت جرّدت العشرات من النقابيين فى الجهة وفى مقدّمتهم عدنان الحاجي الكاتب العام لنقابة التعليم الأساسي وعضو الإتحاد المحلي بالرديف.وحاولت هذه القيادة تدارك أمرها عبربعض البيانات الباهتة التى تنادى بتفادي "الحلّ الأمني " ونبذ " التوظيف" و" إيجاد حلول عاجلة ومؤقتة على الأقلّ لمعالجة البطالة وبإستعدادها للمساهمة فى إيجاد "حلول معقولة ومناسبة " وتناست أنها جزء من المشكل وليس من الحلّ فهي التى ترعى مؤسسة من مؤسسات الفساد محليا وجهويا ومركزيا وهي التى تغطّى على جرائم البيروقراطية الجهوية بقفصة وهي صاحبة بدعة السلم الإجتماعي لثلاث سنوات و الداعمة لخيارات الإصلاح الهيكلي والخصخصة و" تتفهّم صعوبة الظرف الإقتصادي " الذى يحتم الرفع فى الأسعار .
لم تغيّر البيروقراطية النقابية جلدها بل إنها تعمل فقط على تغطية مشاركتها السلطة فى جرائمها ضد أهالي الحوض المنجمي و ضد الشغالين و عموم الشعب ، فهل تسمح حضرتها للمناضلين بتنظيم التظاهرات فى دور الإتحاد لمساندة الأهالي ؟ و هل لها إستعداد للقيام بعمل ملموس يتجاوز سقف المناشدة و المساندة المنافقة ؟ و هل تتخطى حدود البيانات "المحايدة " التى تسوى بين الضحية و الجلاد؟ إنها لن تفعل ذلك لأنها لا يمكن أن تخرج عن الخطوط الحمراء التى سطرتها لها السلطة و إلا فقدت مواقعها وبالتالى إمتيازاتها .

VI / قراءة فى مواقف بعض الأطراف السياسية

طوال الفترة الماضية من عمر انتفاضة الحوض المنجمي تواتر إصدار البيانات والكراسات التى تعرّضت إلى محطات معينة من تطوّر إحتجاج الأهالي على تردّى أوضاعها فى الجنوب الغربي وما صاحب ذلك من فترات تميّزت بالهدوء النسبي وأخرى تميّزت بالصدام العنيف . و قد تعدّدت القراءات و إختلفت بصدد نفس الأحداث و لا يمكن عمليا تناولها بالنقد جميعها فى الوقت الحاضر–بل إنه وجب التركيز على أكثر القراءات إثارة للجدل فى الساحة السياسية و الإجتماعية . لذلك إخترنا أن نتناول وثيقتين بالنقد لاسيما لأهم المحاور المثيرة للخلاف فيها والتى نعتقد أنها تتضمّن أفكارا ضارة فعلا بمستقبل العلاقات السياسية و النقابية بين المجموعات و آفاق النضال ضد النظام الرجعي و تسيئ للإنتفاضة نفسها و تحرم بالتالى جماهير شعبنا من إستثمار تضحياتها قصد التقدّم إلى الأمام أشواطا فى طريق خلاصها الحقيقي من الإستغلال والإضطهاد .

-1- نقد كرّاس بعنوان " حركة الإحتجاج بالحوض المنجمي : أحداث و حقائق "
صدر بتونس فى 12 جويلية 2008 عن الحزب الإشتراكي اليساري .
يمكن إيجاز ملاحظاتنا حول هذه المادة فى النقاط الآتية :
أ- عندما يتطرّق الحزب اليساري إلى مسألة "التصادم " بين المحتجين و قوات القمع فإنه يذهب إلى تحميل ذلك إلى "مجموعات إستفزازية مبثوثة" فى صفوف المواطنين تعمل على إفساد كلّ إتفاق وشيك كان سيقع التوقيع عليه بين لجنة التفاوض و السلطة المحلّية أو الجهوية فنقرأ فى الصفحة الثالثة ما يلى : " كلّما تقدّمت المفاوضات وتوصلت اللجنة إلى إتفاق مع أي طرف إلاّ و ظهر عمل إستفزازي لتعطيل المسار والعودة به إلى نقطة الصفر ...". والحال أن التراجع فى الإتفاقيات ليس بفعل الإستفزازات و لكن لأن سياسة المماطلة و عدم الإستعداد لتلبية المطالب المرفوعة هي التى تقود السلطة فى تعاملها مع الطرف المقابل . إن تبرئة السلطة المحلية و الجهوية والمركزية لا يعدو أن يكون سوى تملّق لها مفضوح من قبل حزب أثبت مرّة أخرى أن العنوان الذى يحمله للمغالطة لا ينطبق على مواقفه و سياساته اليمينية الموالية لدولة الكمبرادوروالإقطاع .
ثمّ إن هذا الحزب الإصلاحي يقدّم لنا سلطة الدولة الإستخباراتية البوليسية الممركزة للغاية على أنها لا تتحكّم أجهزتها المركزية فى أجهزتها الجهوية والمحلّية ولا تستطيع إيقاف العناصر الإستفزازية المبثوثة وكأنها تشتغل من وراء ظهرها وبالتالي يعمل على تضليل الشعب وجعل هرم السلطة لا يتحمّل مسؤولية ما جرى. هذه الحيلة ليست جديدة فقد إستعملت ولاتزال تستعمل ولا تنطلى على احد. ومثال ذلك أن مثل هذه الحيل لجأ إليها بورقيبة من قبل حين تقدّم بوصفه رئيس الدولة على أنه طرف محايد (هكذا !) وهو يعلن أن لا علم له بأهمية الخبز بالنسبة للشعب وأنه تمت مغالطته من "وزير الزبلة " وهكذا حمّل المسؤولية لكبش فداء مثلما حصل فى الحوض المنجمي مع بعض المسؤولين بالجهة الذين تمّ إبعادهم فى حركة لمصّ جام غضب الشعب . وعليه يلتقى هذا الحزب اليساري قولا واليميني فعلا والإشتراكي قولا ونصير الرأسمالية فعلا مع الخطاب الديماغوجي للسلطة القائمة لقاء لا أجلى منه و يطعن فى الظهر شعبنا ومصالحه وتطلعاته.
ب- يذكر الكرّاس أن "عائلات معروفة " فى معتمدية الرديف قامت بنصب خيام لتعطيل الإنتاج والمواصلات " وتجنيد مجموعات من الشباب لرمي أعوان الأمن بالحجارة " (ص 3). فلماذا لا يذكر الحزب أسماء تلك العائلات المتنفذة بالمدينة ؟ ولماذا سكتت السلطة عن تلك التجاوزات و الحال أنها تريد حلّ مشاكل المحتجين بدون اللجوء إلى العنف كما يروّج لذلك جماعة الحزب "الإشتراكي اليساري ".
إن لجوء بعض المتنفذين إلى " تعطيل الإتفاقيات " إن كان صحيحا فإنه يكون من تخطيط السلطة نفسها ليقع تبرير تدخلها الوحشي لوضع حدّ للإنتفاضة . وما يؤكد إعتماد السلطة الكذب والبهتان لتبرير عنفها الهمجي ضد الشعب هو أنها مثلا لماّ أطلقت النار برّرت ذلك بهجوم الشباب " المسلح بالمولوتوف " على الشرطة – وهو أمر لم يحدث – أي ب"الدفاع عن النفس " بينما عاين الأطباء وضع المصابين وسجلوا للتاريخ أن من المصابين فى مقتل شاب أطلق عليه النار فى الظهر! وهذا يذكّرنا بشيئ نذكّر به الجميع وهو أن ّ الجيش الصهيوني المجرم والهمجي يصف نفسه بأنه"جيش الدفاع "! و يبرّر على الدوام هجوماته على شعوب منطقة الشرق الأوسط بالدفاع عن النفس .
ت- لا يستعمل الحزب "الإشتراكي اليساري " و لو مرّة واحدة لفظة " القمع" أو " القتل" أو " الجريمة المقترفة " فى حقّ الأهالي و لكنه يدافع بكلّ ضراوة عن قوات البوليس التى لم تبادر حسب رايه بتعنيف الأهالي و ترويعهم بل إنّ " المجموعات المشبوهة " التى بقيت " أشباحا" و لم نعرف هويتها بالضبط هي التى " رشقت قوات الأمن بالحجارة من أجل دفعها إلى ردّ الفعل و الهجوم على المواطنين" (ص 8). و يتّضح وفق تحليلهم المزيف
للحقائق أن الجلاد كان ضحية وأن من نعتبرهم نحن ضحايا كانوا المبادرين بالإعتداء . فكلّ ما وقع من قتل وتنكيل وإرهاب للأبرياء إنما كان دفاعا عن النفس لا غير . ويملى علينا هذا الاشارة إلى أن هذا الحزب الذى يدعى الاشتراكية واليسارية لا يشرح الأمور من منطلق طبقي مادي جدلي ومادي تاريخي وإنما كما نلمس ذلك من منطلق منهج برجوازي ، منهج المؤامرة فى التاريخ بما يزيد تأكيد أن لا صلة له بالماركسية وبالإشتراكية.
ث- لا يخجل الحزب من التمادى فى الكذب عندما يورد معلومة لم يسمع بها أحد من قبل فيقول فى الصفحة 13 " بعد أن أمر رئيس الدولة بنقل السيدة جمعة الحاجي إلى تونس لمتابعة وضعها الصحّي عن كثب ..." و الحال أن زوجة عدنان الحاجي جرى الإعتداء عليها أثناء إحدى المسيرات وتدهورت حالتها الصحّية و عولجت فى قفصة فى مصحّة خاصّة ثم فى مستشفى شارل نيكول بعد تدخّل البعض من المناضلين من قطاع الصحّة . فأي ثمن يريد قبضه هذا الحزب من السلطة مقابل هذه الأكاذيب التى لا تنطلي على أحد ؟
ج- يبدو أن أعضاء الحزب على غاية من الأخلاق والتحضّر حتى إنهم عند الحديث عن مسؤولي السلطة أو الرموز النقابية الفاسدة لا ينسون ذكرهم بالسيد "فلان" فنقرأ فى الصفحة 7 " السيد والي قفصة " و "السيد معتمد الرديف " ( هذا السيد هو الذى أمر بإرجاع التيار الكهربائي فى قرية تابديت إبّان إعتصام بعض الشباب فى مبنى المولّد الكهربائي وهو ما تسبب فى قتل الشاب هشام العلايمي، أول شهداء من شهداء الإنتفاضة يوم 6 ماي 2008.) و لا يبخل الجماعة عن عمارة العباسي بنعته بالسيد " شركة سوقاص التى يملكها السيد عمارة العباسي "(ص14) و لكنهم فى المقابل يستكثرون على عدنان الحاجي كلمة "السيد" فى موضعين على الأقلّ من الكراس . لقد صدقتم ، أولئك"الأسياد " المتسببون فى فقر أهلنا وتجويعهم هم أسيادكم أنتم لهم تقدّمون الولاء والطاعة و أجلّ الخدمات بكرّاسكم هذا (و غيره من وثائقكم )،بينما رفضتهم الجماهير وهتفت ضدّهم بأعلى الأصوات ومنعتهم من دخول الرديف عديد المرات ، ولعلّ هروب معتمد الرديف على متن درّاجة نارية فارّا بجلده من ثأر الأهالي لمقتل إبنهم هشام أبرز مثال على أن "سيدكم " مجرد قاتل فى نظرهم .
ح- لا يستغرب كلّ قارئ لكرّاس الحزب "الإشتراكي اليساري " من "إجتهاداته الفكرية " التى دشنها منذ كان حلقة تحمل إسم " الشيوعيون الديمقراطيون " ومن خلال كراس "حوار مع اللينينية " الذى يتنكّر فيه للصراع الطبقي و لدكتاتورية البروليتاريا و الثورة .و يقرّ الجماعة أنهم كانوا على ضلال ( و ما زالوا !) و أن الوقت حان ليصحّحوا أفكارهم و يعودوا إلى الصواب ( إقرأ مزيد الغوص فى المستنقع) .لقد قطعوا مع اللينينية كمرحلة ثانية فى تطوّر علم الثورة البروليتارية العالمية و سبق أن طعنوا الماوية –كتاب محمد الكيلاني السيئ الصيت والمليئ كذبا ومغالطات وتزويرا للإستشهادات النظرية وللوقائع التاريخية " الماوية معادية للشيوعية" نسجا على منوال أنور خوجا الدغمائي التحريفي ونقلا عنه حرفيا فى غالب الأحيان - كمرحلة ثالثة جديدة وأرقى فى علم الثورة البروليتارية العالمية وهم فى إنحدار مستمرّ إلى قاع المستنقع وإن أرادوا التقنع بقناع " الإشتراكية واليسارية " – ولينينيا ما عادوا ماركسيين ف "حصر الماركسية فى التعاليم بشأن النضال الطبقي يعنى بتر الماركسية و تشويهها وقصرها على ما تقبله البرجوازية . ليس بماركسي غير الذى يعمم إعترافه بالنضال الطبقي على الإعتراف بديكتاتورية البروليتاريا . و هذا ما يميّز بصورة جوهرية الماركسي عن البرجوازي الصغير ( و حتى الكبير ) العادي . وعلى هذا المحكّ ينبغى التحقق من الفهم الحق للماركسية والإعتراف الحق بها " ( لينين ،" الدولة والثورة " صفحة 36 دار التقدم ، موسكو ، الطبعة العربية )
ولنتابع مع ما حبروه فى الكراس موضوع الحال بشأن الأداء السياسي والإقتصادي للسلطة وبشأن مفهومهم لمقولة الدولة. ففى حين يحمّل أهالي المناجم - و هم فى ذلك على صواب – السلطة/ الدولة المسؤولية فى تردّى أوضاعهم الإجتماعية والصحّية والبيئية ، ترى جماعة التزلّف أن " السلطة عرفت كيف تسيّر الشؤون الإقتصادية والإجتماعية فى ظلّ أوضاع عالمية متقلّبة ، بشكل حمت الإقتصاد من هزّات عنيفة تكون أرضية لقيام حركات إحتجاجية واسعة" ( ص21 ، خطّ التشديد من وضعنا )
وتمضى الجماعة فى الترويج لخطاب السلطة وتصديق وعودها بالقول "ومن الأكيد أنه بين أيديها مخارج عديدة وإمكانيات تسمح لها بتهدئة الأوضاع والتحكّم فيها " . إن هذا الحزب سرعان ما ترتعد فرائصه عند سماع مفردات من قبيل " النضالات الإجتماعية " و"الحركات الإحتجاجية " التى يتمنى أن لا تنتهى إليها الأوضاع فى القطر ، أما " المخارج العديدة " التى يعتقد الحزب أنها بيد السلطة فإنه لا يريد تفصيلها الآن أو مجرّد الحديث عنها .وهو ما يشير بأن هذا الحزب ينهض بدور المستشار لدى الدولة الرجعية و يتوجه بالنصيحة للسلطة لتعمل على إيجاد مخارج أخرى تجنبها ما لا تحمد عقباه .
إن " المخارج " والحلول قد وجدتها السلطة فى إطلاق الرصاص على المحتجين وقتلت منهم من قتلت وجرحت منهم من جرحت وألقت بالبقية فى غياهب السجون . أماّ "الدولة " فى قاموس هذه الجماعة فهي "حكم " بين الجميع ، بين الحاكم والمحكوم ، بين الأغنياء والفقراء ، دولة "ربانية " ومقدّسة لا يأتيها الباطل لا من الأمام ولا من الخلف تصون الحقوق وتفرض الواجبات على الجميع . و إليكم بعض "الآيات البينات" فى مديح السلطة والدولة و"البايات" :
" ... أولئك الذين دفعوا ويدفعون فى إحداث شرخ بين المواطن فى الحوض المنجمي والدولة و تحويل العلاقة بين الطرفين إلى علاقة عداء من خلال دفع الإحتقان إلى أقصاه " ( ص 22 ، خطّ التشديد من وضعنا ).
" ... وجرّ السلطة فى خيارات متناقضة مع تمشيها الأصلي ، الذى كنا شاهدين عليه ، بحيث أنها ظلت لما يقارب عن ال5 أشهر دون أن تلجئ للحلّ الأمني وهو تصرّف نادر فى السياسة التونسية " ( ص 27 ، خطّ التشديد من وضعنا).
لا يجد جماعة هذا الحزب أي حرج فى إعتبار أن الحوار وإحترام حق التظاهر والإعتصام هو التمشى الأصلي لدولتهم المهيبة أي أن القمع والتنكيل مجرّد إستثناء فى علاقة هذه الدولة بالجماهير ، فكيف لا نصدّق الجماعة وقد كانوا "شاهدين" على حِلمها وسعة صدرها . يا للعار ياشهّاد الزور !!!
ونمضى مع شهادات الزور لنقرأ :" و لم تكن الحركة الإحتجاجية موجّهة ضد السلطة ، هكذا أراد المواطنون أن تكون حركتهم " فضدّ من كانت موجّهة إذا ؟ لعلّها كانت تستهدف المتسببين فى جوعهم وبؤسهم وبطالتهم وأمراء الفساد فى الجهة ومعهم عمارة العباسي الذين يوجدون خارج السلطة وفرّوا إلى المرّيخ أو زحل !!!
لماذا كلّ هذا الرياء وتزييف الوقائع ؟ لماذا التزلّف لسلطة مستبدّة إستباحت دماء أهلنا فى الحوض المنجمي ؟ لماذا يجتهد هؤلاء فى تلميع صورتها القبيحة ؟ لقد قيل قديما" " إذا عُرف السبب بطُل العجب " والسبب هو أن جماعة هذا الحزب لا يساومون بخدمات خاصّة أو بتأشيرة للعمل القانوني لحزبهم أو ما شابه ذلك " ( ص 27 ). نحن نجزم أن الجماعة بإصرارها على "حياد الدولة " ونفي جوهرها الطبقي المعبّر عن مصالح طبقات وفئات إجتماعية ضد أخرى ( إنهم لا يمتّون للماركسية بصلة ف"برأي ماركس ، الدولة هي هيئة للسيادة الطبقية ، هيئة لظلم طبقة من قبل طبقة أخرى " لينين " الدولة و الثورة "، ص 8 ) ودفاعهم عن صواب سياسة الدولة الضامنة لمصالح الكمبرادور والإقطاع والإمبريالية العالمية ، إنما يدافعون عن مصالح إمتيازات أعداء الشعب الذين هبّت إنتفاضة الحوض المنجمي لإدانتهم وفضح جرائمهم ومحاسبة من تلطّخت أيديهم بدماء أبنائهم من الشهداء والجرحى . إنّ هذ الحزب اليميني يسيئ من خلال كراسه للإنتفاضة أولا وقبل كلّ شيئ كما يسيئ لأبناء هذه الجهة المناضلة المنكوبة وهو بمواقفه هذه يضع نفسه تحت تصرّف من نكّل بأهالي الحوض المنجمي ورمى بابنائهم فى السجون بعد قتل هشام العلايمي والحفناوي مغزاوي وعبد الخالق بن مبارك عميدي ونبيل شقرة .
لقد أثبتت جماعة هذا الحزب اليميني مرّة أخرى أنها زمرة إنتهازية يمينية متزلفة ومتملّقة للسلطة وفى قطيعة تامة مع الماركسية والإشتراكية ومع طموحات شعبنا فى التحرّر والكرامة وغير قادرة على مسايرة إيقاع الصراع الطبقي .يقول الرفيق ماو تسى تونغ عن علاقة الإنتهازيين اليمينيين من أمثالهم بالواقع ما يلى :
" بما أن تفكيرهم ينفصل عن الممارسة العملية الإجتماعية ، فلا يمكنهم أن يتقدّموا ليقودوا عجلة المجتمع ، وكلّ ما يمكنهم عمله هو أن يتخلّفوا وراء العجلة متذمرين من سرعتها الفائقة ومحاولين جرّها إلى الوراء أو تحويلها فى الإتجاه المعاكس" (ماو تسى تونغ ، المؤلفات المختارة ، المجلد الأول ، صفحة 448-449 ، الطبعة العربية .)
وإننا ندعو الرفاق المؤمنين بالمبادئ الشيوعية الذين تمّ تضليلهم للإنتماء إلى هذا الحزب اليميني على أنه إشتراكي يساري والذين لا يقبلون بهكذا خيانة للشيوعية وللشعب أن يتمايزوا ويصدحوا بمواقفهم التى نرجو أن تكون مناصرة لمثلنا الأعلى الشيوعي ولجماهير شعبنا المتطلع للتحرّر الوطني الديمقراطي وأن يعيدوا دراسة تراث مثل تلك الجماعة وهجومها السافر الذى لا أساس له من الصحّة على الماوية فاللينينية وطبعا الماركسية لعقود إنحدارها رويدا رويدا إلى الهاوية .
ف" على الشيوعيين أن يكونوا مستعدين فى كلّ وقت للتمسك بالحقيقة ، فالحقيقة ، أية حقيقة ، تتفق مع مصلحة الشعب وعلى الشيوعيين أن يكونوا فى كل وقت على أهبة لإصلاح أخطائهم ، فالأخطاء كلها ضد مصلحة الشعب " ماو تسى تونغ

-2- نقد نصّ غير ممضى عنوانه " الإنتفاضة الشعبية فى الحوض المنجمي : الأسباب و الوقائع و الدروس "
وزّعته المجموعة الخوجية المتسترة الدغمائية التحريفية المعروفة إصطلاحا ب "الأوطاد":
لقد سبق وأن تناولنا عدد من وثائق هذه المجموعة بالتحليل والنقد واليوم نسلّط الضوء على ما يمثّل شهادة أخرى على تأزّمهم الفكري الذى يحاولون إخفاءه تحت غطاء الدكاكين ذات اليافطة الشيوعية واليسارية شكلا والنقابوية والإصلاحية جوهرا . إن الجماعة لم تكلّف نفسها عناء القراءة ولا التحقيق أو الإقرار بإمكانية إرتكاب الأخطاء فى حقل الممارسة و ي تدّعى أنها "شيوعية " لا يشقّ لها غبار.
فأي فكر ماديّ جدلي يقود جماعة "الوطد" عندما نقرأ لهم فى الصفحة الثانية والأخيرة ( لاحظوا معنا أن قريحتهم لم تجد بأكثر من صفحتين للحديث عن " الأسباب والوقائع و الدروس " وهو ما يعكس فى جزء منه مدى الأهمية التى أعاروها للإنتفاضة ) موقفين متناقضين ضمن تحليلهم لأسباب الإنتفاضة . يقول الجماعة :
" ... و من ناحية أخرى ، لا يجب أن تخفى هذه النجاحات عنّا تردّد هذه الحركة فى الرديّف خاصّة بين المطلبية الضيقة أحيانا والمواجهة الطبقية الحادّة أحيانا أخرى ،ولا أن تحجب عنّا أيضا التلقائية والعفوية خاصّة من زاوية أن الفعل الأساسي ظلّ محلّيا وجهويا وتخبّط طويلا بين تناقضات الشعب المهنية والعقلية العروشية ومحاولات إختراق السلطة لهذه الحركة من الداخل ". (ص 2 ، التشديد من وضعنا ).
لنوجز أهمّ إستنتاجات أصحابنا :
-أ- مطالب ضيقة أحيانا / مواجهة طبقية حادة أحيانا أخرى
-ب- الفعل الأساسي للإنتفاضة تخبط طويلا بين تناقضات الشعب المهنية والعقلية العروشية وإختراق السلطة من الداخل.
لكن ّ الجماعة وكعادتهم ينقلبون رأسا على عقب على هذه القراءة فيكتبون بعد بضعة أسطر وفى نفس الصفحة الثانية والأخيرة من النص ما يلى : " أما الحديث عن تحكّم النزعة العروشية فيها فلا يستقيم لا من الناحية النظرية ولا من ناحية الوقائع الميدانية ".
من حقّنا أن نسأل : هل الجماعة هي التى كتبت فعلا الفقرتين فى ذات الوثيقة ؟ هل أنهم مرضى ربّما بسرعة فقدان الذاكرة حتّى أنهم غفلوا عن أنهم كتبوا أن الإنتفاضة تحكّم فيها عامل أساسي هو العروشية فراحوا يذكرون أن الحديث عن النزعة العروشية "لا يستقيم من الناحية النظرية ولا من ناحية الوقائع الميدانية "...
رائع !!! كلام جميل ... شقشقة لفظية لن تشفع لهم مطالبتنا إياهم بأي الموقفين يلتزمون فى النهاية ؟ فإذا كان الأوّل فذلك يعنى أن ما حدث فى الحوض المنجمي لا يمثّل إنتفاضة وإنما أعمالا لا علاقة لها بالمطالب ولا بالفقر ولا بالبطالة .فهل يعقل يا أصحاب " الناحية النظرية والوقائع الميدانية " أن تساندوا "إنتفاضة " يكون الفعل الأساسي فيها " هو الوعي القبلي و الدستوري " ؟ فلماذا تنعتون ذلك ب" الإنتفاضة " أصلا ؟ ها أنكم سرعان ما تتراجعون وتؤكدون أن الحديث عن تدخل عوامل " العروشية والقبلية " لا يستقيم ؟ هل إنكم واعون فعلا بما تكتبون ؟ أم إنكم تعتبرون أن الإصداح بالموقف السياسي عمل مجاني وترف فكري لا يتطلّب أي قدر من المسؤولية و الوضوح ؟ أم هل يعكس ذلك إضطرابا داخليا فى التقييم والموقف وعوض تعميق النقاش لحسم الأمر إلى صالح موقف من الموقفين لجأتم تحت ضغط الوقت إلى "مزج الإثنين فى واحد "فى أسلوب إنتهازي يستهين بالمناضلين والمناضلات والجماهير ويغلّب الوحدة على أسس واهية وإنتهازية تجمع بين الشيئ ونقيضه مثلما كان شأن الأوطاد طوال عقدين تقريبا ؟
إنهم لا يفرّقون فعلا بين اليد اليمنى واليد اليسرى ولا يعرفون "كوعهم من بوعهم " فيقولون الشيئ ونقيضه بين السطر والآخر.وقد سبق أن أكّدنا فى ما سبق أن واقع البؤس والبطالة والإحساس بالحيف هي الأرضية المادية الموضوعية لإنطلاق الإحتجاجات وأن تقاليد النضال التقدمي المراكمة هناك كانت هي الرافعة الفكرية الذاتية لتفاعل الذاتي مع الموضوعي عند نقطة إعلان نتائج المناظرة التى أجرتها شركة فسفاط قفصة . و لئن كان الفكر القبلي ما زال حاضرا فهو بالتأكيد لم يلعب الدور المحدّد فى إنخراط الأهالي فى الإنتفاضة . وإننا لم نر قبيلة تُغير على قبيلة أخرى ولا "عرشا " نهب آخر أو قدّم مطالبه الخاصة به للسلطة ولا لافتة تمجّد أعضاء قبيلة معينة كما لم نسمع إلى حدّ الآن بشعبة دستورية نظّمت إعتصاما خلال الإنتفاضة ، بل إن الإنتفاضة وحّدت صفوف الجماهير متجاوزة الإنتماءات القبلية والمناطقية على قاعدة مطالب ملموسة لا تزرع التفرقة التى كانت سابقا سرعان ما تخبو بعد المؤتمرات ، نقابية كانت أم دستورية ولكنها بسرعة تطلّ برأسها عندما تدقّ أجراس الإنتخابات من جديد وتمكّن الإنتفاضة من تخطى القبلية يعدّ قطع أشواط هامة نحو الوعي الطبقي .
ثم ّ إن الفكر القبلي والعروشي لا يمكن بأية حال أن يختفي نهائيا فالنظام والدولة يغذيانه ليقع إستغلاله تطبيقا لقاعدة "فرّق تسد " التى إعتمدها من قبل الإستعمار الفرنسي وتونس بلد شبه مستعمر- شبه إقطاعي ( نذكّركم يا أصدقاء إن نسيتم ، فالذكرى تنفع "المتقلبين" ) يحضن الأفكار الرجعية والإقطاعية التى تخدم مصلحة الطبقات السائدة . إن العقلية العروشية بإمكانها أن تظهر فى أي مناسبة ولكنّها لم تكن هي السمة الأساسية فى الإنتفاضة التى نحن بصددها .
وعلاوة على ذلك ، على أرض الواقع ، لم ينس أهالي الرديف أن عدنان الحاجي مثلا ليس لا من أولاد عبيد ولا من أولاد بويحيى وإنما هو جويدي من نفطة وقد قبل به المحتجون فى الإجتماعات والمسيرات منظما وخطيبا ومفاوضا بإسمهم؟ ( مع أننا نختلف معه فى الفكر والسياسة والنقابة ).
ومن واجب الشيوعيين لا إدانة رفع الإنتفاضة فى البداية مطالب ضيقة وإنما العمل الدؤوب فى صفوف الجماهير وقيادات الحركة الإحتجاجية قبل واثناء وبعد حدوثها للشرح والنقاش و الصراع والتعليم والتعلّم لرفع الوعي السياسي الطبقي وكسب ما أمكن إلى المبادئ الشيوعية وتسليح القيادات والجماهير والشيوعيين بالفهم الشيوعي المتقدّم المناضل من أجل تغيير العالم راديكاليا وشيوعيا. وإذا إستوعبت جماهير شعبنا وقياداتها " مذهب ماركس ، أي إذا أدركوا حتمية العبودية المأجورة ما دامت سيادة الرأسمال قائمة ، فإنهم ، على العكس ، لن يدعوا الإصلاحات البرجوازية ، أيا كانت ، تخدعهم .إن العمال [و بقية طبقات شعبنا وفئاته الواعون طبقيا] يناضلون من أجل التحسينات مدركين أن الإصلاحات لا يمكن أن تكون لا ثابتة و لا جدّية ما دامت الرأسمالية قائمة[ فى حال القطر الرأسمالية الكمبرادورية و الإقطاعية و التبعية للإمبريالية العالمية ]و يستغلون التحسينات لأجل مواصلة النضال بمزيد من العناد ضد العبودية المأجورة [ ضد الإستغلال والإضطهاد الوطنيين والطبقيين والجندريين ] .إن الإصلاحيين يحاولون أن يقسموا العمال [ الشعب فى حالنا نحن ] ويخدعوهم بالصدقات و يصرفوهم عن النضال الطبقي .أما العمال الذين يدركون كذب الإصلاحية ، فإنهم يستغلون الإصلاحات لأجل تطوير وتوسيع نضالهم الطبقي . "
لينين ،" الماركسية و الإصلاحية ".
ولننتقل الآن إلى مفاهيم "البعد الطبقي " و" المواجهة الطبقية الحادة " التى يبدو أن أصحابنا يقصدون من وراءها إضفاء الهوية الشيوعية على خطابهم الممجوج الذى يتكرّر فى أغلب وثائقهم . فلا ندرى مثلا ما هي العوامل التى تجعل المواجهة "تلقائية عفوية " أحيانا لتصبح فى لمح البصر "مواجهة طبقية حادّة ". ماذا تعنون بالضبط يا جماعة ؟ فهل فى الحالة الأولى تريدون القول إن القيادة لم تكن موجودة أصلا أو إن القيادة إصلاحية أو" جاهلة " أو حتى "رجعية و عميلة " أم إن فى الثانية توفرت على قيادة بروليتارية و ثورية رفعت سقف الأداء النضالي إلى "المواجهة الطبقية الحادة " ؟ إنها الورطة فى كلتا الحالتين .
نقول لكم وبوضوح تام ومن خلال المتابعة و التحقيق أن الثقل الشعبي للإنتفاضة شمل رئيسيا المهمشين و المعطّلين عن العمل من أصحاب الشهادات والبرجوازية الصغيرة من مدرسين وموظفين ومتقاعدين وربات بيوت وأرامل ضحايا حوادث الشغل والشباب التلمذي بينما كان الحضور العمالي محتشما بصورة واضحة – من ضمن جملة من الأسباب المعقدة يطول شرحها - بسبب تحكّم البيروقراطية الجهوية والمحلّية فى عمال المناجم الذين ما زال جلّهم فى صفّ الكاتب العام للإتحاد الجهوي للشغل بقفصة وهو الأمر الذى يتطلب المزيد من العمل والمثابرة لجلبهم إلى ساحات النضال الذى إنخرطت فيه بقية الفئات الشعبية المفقرة والمهمّشة .
ولننهى أخيرا محاورة أصدقاءنا "الوطد" حول طبيعة القيادة التى سهرت على إدارة الصراع ضد السلطة منذ جانفي إلى شهر جوان 2008 . وأولى ملاحظاتنا فى هذا المضمار هو أن القيادة ليست ثورية فى المطلق أو إصلاحية فى المطلق حيث وجب النظر إليها من زاوية نوعية ومضمون المطالب المرفوعة وموازين القوى داخل صفوف الإنتفاضة وبينها وبين السلطة وفى حركة مدّها وجزرها وفى واقع الصمت الذى كان يلفّ الأنحاء الأخرى من القطر . ثمّ إن قيادة الإنتفاضة قيادات فعندما تمّ إلقاء القبض على العناصر المعروفة لمسؤولياتها النقابية أو لتصدّرها الدعاية والتحريض والسير على رأس المسيرات تولّت عناصر أخرى تنظيم إضراب عام أفضى إلى إطلاق سراح الموقوفين. وكم يصيبنا الإستغراب عندما يكتب الجماعة أن " الإعتصامات كانت مؤطرة من قبل جهات وطنية تقدّمية و ديمقراطية " و يستدركون قائلين إن" لجنة التفاوض " "خانت التحرّك" و "تواطئت مع السلطة " ممّا أثار حفيظة شقّ من المنظمين و المساندين الذين أدانوا الشقّ اليميني".ألم تؤكدوا أن قيادة الإعتصامات "وطنية تقدمية وديمقراطية " فلماذا لم ينعكس وزن أولئك المؤطرون فى لجنة التفاوض ؟ ولماذا تترك تلك اللجنة لبعض الإصلاحيين حتى يفعلوا بها ما يشاؤون
علينا ان نعترف أننا رغم الجهود التى بذلت فى المتابعة والتحقيق يظل تقويمنا لمسار الأحداث نسبيا ورغم حدوث صراعات داخل القيادات وحولها وهو أمر طبيعي للتفاعل مع ما يجدّ من متغيرات ورغم ما يمكن أن يعتبره البعض أخطاء ، ليست لدينا معطيات نبنى عليها حكما يشبه ما أصدرته الجماعة وليس من السهل أن نُخوّن من يقبعون الآن فى السجون وهم معرّضون لأحكام قاسية نتيجة النضالات التى خاضوها وقادوها . وعلينا وعلى الجميع التثبت والتدقيق فى مدى صحّة ما يصلنا ويصلهم من إعلام ومعطيات. إن الخلاف الفكري والسياسي مع بعض عناصر القيادة أو كلّها حول مدلول "الهوية الشيوعية "و"المسألة الوطنية " وقضية "الديمقراطية " أو " الحريات السياسية " وحول الإستراتيجيا والتكتيك والتحالفات لا يعنى أن يدفع بنا إلى إتهام الآخرين بدون وقائع ملموسة ودقيقة . وعلينا أن نتثبت من الإدعاءات التى تروّج هنا وهناك بشأن الخلفية السياسية لكل عنصر من العناصر القيادية وحزامها ذلك أن هنالك من يريد تشويه المناضلين وتوظيف الحركة الإحتجاجية لأجندته السياسية الخاصة به دون مراعاة الحقائق والوقائع ومصالح الشعب .
وفى تقديرنا تظلّ الخلافات والتناقضات التى ظهرت فى صفوف قيادات الإنتفاضة وحولها وفى صفوف الجماهير تناقضات فى صلب الشعب ولم تتحوّل إلى تناقضات بين الشعب وأعدائه و بكلمات أخرى الإختلافات فى الرأي وفى بعض المواقف صلب الشعب وقياداته فضلا عن كونه طبيعي وصحّي والصراع هو منبع الحركة والنموّ والتطوّر فهي لم تفرز تيارا/ خطا واضح المعالم معاد للإنتفاضة ويخدم مصلحة أعدائها وبالتالى وإن وجدت أخطاء -ونحن لا نستطيع الآن حصرها إنطلاقا من المعلومات والمعطيات المتوفرة لدينا - فهي قابلة للنقاش والصراع النظري والسياسي وينبغى إصلاحها من أجل مصلحة الشعب والإنتفاضة كي لا تتراكم وتتحوّل إلى تيار/ خط واضح المعالم فى مناهضته للإنتفاضة ومصالح الشعب .وهكذا نداوى المرض وننقذ المريض .وهذا منهج يصدر عن فهم وتحليل مادي جدلي لوحدة الأضداد أو التناقض صراع/وحدة لا يفقه منه الجماعة شيئا ودليلنا على ذلك هو أنهم ظلوا لأكثر من عشرية صامتين فى وحدة تنظيمية داخلية –حزبية تقريبا- مع تيار/ خط إنتهازي يميني كما يصفه البعض منهم والأدهى أنه التيار الذى كان سائدا ويقود الجميع وعنه دافعوا بإستماتة حتى حين إقترف رموزه أفعالا شنيعة فى حقهم وحق الشغلين والآن ،فى إطار عمل جبهوي واسع،يحولون بسرعة البرق ودون أدّلة حقيقية قاطعة التناقضات فى صلب الشعب إلى تناقضات بين الشعب وأعدائه فيخوّنون من هم فى الحقيقة صلب الشعب ومن قياداته المناضلة حتى وإن أخطأوا - وينبغى حينها إثبات الخطإ بالتفصيل والمعطيات الدقيقة ثمّ خوض الصراع من أجل إصلاحه
إن وجود عنصر من الحزب "الاشتراكي اليميني " فى لجنة التفاوض لا يعنى أن نشكّك فيه هو شخصيا( حيث ينبغى الحكم على ما مارسه عمليا ) فما با لك بالتشكيك فى الإنتفاضة نفسها أو فى كلّ قياداتها التى تقبع الآن فى السجون وإلاّ أصبحنا نصدر الأحكام جزافا أو الأحكام المطلقة على الأعمال الجزئية . وهنا نسأل "الوطد" أين هي العناصر الوطنية الديمقراطية من قيادة الإنتفاضة ؟ ولماذا لم تأخذ الموقع الذى يجب أن تأخذه ولم تدافع عن حقّها فى أخذ الكلمة عند تنظيم التجمعات الكبرى ؟ هل السبب هو ضعف التكوين ونقص الإستعداد وإنعدام الجرأة أم هو عدم المراهنة على الدعاية العلنية للموقف الثوري ؟ ثمّ ماذا نقول عندما تتصل بعض العناصر المحسوبة على الطرح الوطني الديمقراطي بالمكتب التنفيذي للإتحاد العام التونسي للشغل وبالمكتب التنفيذي للإتحاد الجهوي للشغل وتحديدا بعمارة العباسي لحثّ الجميع على مؤازرة أهالي الحوض ماديّا وتعيين المحامين للذود على أبنائهم المساجين والتدخل لدى السلطة لإطلاق سراحهم ومرافقة الوفد النقابي المتكون من حسين العبّاسي عضو المكتب التنفيذي وعمارة العباسي الكاتب العام للإتحاد الجهوي لتوزيع إعانات مالية على بعض العائلات قبيل عيد الفطر ، علما وأن الأهالي رفضوا تسلّم تلك الإعانات فى حضور عمارة العبّاسي وإعتبروا مجيئه إلى الرديف ودخوله بيوتهم إهانة ، هل نعتبر سلوك هؤلاء الذين لم يروا أي مشكل فى التواصل مع البيروقراطية النقابية لتتدخّل قصد إعانة الضحايا وإطلاق سراح الموقوفين ،خطأ أم صوابا أم ما بينهما أو ربّما عملا نضاليا يحتسب لهم ؟ نحن نطرح مجرّد أسئلة دون التسرّع فى الإجابة لأننا نعتبر أن إصدار الأحكام يجب أن يكون على قاعدة مادية متينة وفى غاية من النضج والجدية والمسؤولية .
لقد تعاطى "الوطد" مع إنتفاضة الحوض المنجمي بشكل سادته النزعة المثالية والمثالية الذاتية وبروح إستهتار ظاهرة للعيان فهم يطلقون الأحكام جزافا ويصدرون مواقفا إعتباطية متناقضة المضامين لا تنبع من الواقائع بل يطوعونها تطويعا لأفكارهم المسبقة وبالنسبة إلينا هذا من مصدره ليس بالغريب فنحن عهدنا مثاليتهم ودغمائيتهم وتحريفيتهم منذ التسعينات وهجومهم المحموم على الماوية كمرحلة ثالثة جديدة و أرقى فى علم الثورة البروليتارية العالمية الماركسية –اللينينية –الماوي وإقتفائهم أثر أنور خوجا والخوجيين إيديولوجيا وغرقهم سياسيا فى النقابوية والإنتهازية للعنق لعقدين تقريبا .ويصح عليهم بالتالي تأكيد ماو تسى تونغ الذى شوّهوه أيما تشويه فى " هل يمكن إعتبار ماو تسى تونغ ماركسيا –لينينيا؟" إعتمادا على الكذب الرخيص والتأويل المغرض للمقولات والمقارنات التى لا تصح والنقل المتستّر عن انور خوجا :
" إن المثالية والميتافيزيقا هي الشيئ الوحيد فى العالم الذى لا يكلف الإنسان أي جهد ، لأنها تتيح له أن يتشدق كما يشاء دون أن يستند إلى الواقع الموضوعي ودون أن يعرض أقواله لإختبارات الواقع . أما المادية والديالكتيك فهي تكلف الإنسان جهدا ، إذ أنها تحتم عليه أن يستند إلى الواقع الموضوعي وأن يختبر أمامه ، فإذا لم يبذل جهدا إنزلق إلى طريق المثالية والميتافيزيقا " .

VII / إستنتاجات و توجهات هامة :

-1- ستظلّ إنتفاضة الحوض المنجمي بثقلها الشعبي وشعاراتها التقدّمية علامة مضيئة وإستثنائية إذا ما نظرنا إلى واقع الجزر الذى تعرفه حركة الصراع الطبقي والنضال الوطني فى البلاد .واثبتت ان لدى جماهير شعبنا الفقيرة
رغم وطأة الياس وإنسداد الأفق–استعداد للنضال والتضحية إذا ما وجدت الحدّ الأدنى من التأطير والدعاية
-2- أصبح المهمّشون والمعطلون عن العمل يشكلون القاعدة الإجتماعية الرئيسية للإحتجاج الإجتماعي . هذه الفئات والشرائح التى تفوق عدديا المنخرطين فى صلب الإتحاد ليست مقيدة لا بلوائح ولا بقوانين أساسية ولا بقرارات هيئات إدارية ولا تخضع للأوامر البيروقراطية والمراتبية ، لذا وجب الإنتباه لهذه المسألة و ضبط السلوك و الآليات التى تضمن تنظيم صفوفها .
-3- يجب التذكير بان النضالات الإجتماعية و لئن كانت ردّ فعل طبيعي على البؤس والبطالة فإنها فى ظلّ عدم الوعي بتنظيم الصفوف وإحداث الفرز وتأجيل الحسم فى مسألة المشروع السياسي المستقل للطبقة العاملة ، تبقى قابلة للتوظيف الرجعي وعرضة للقمع السافر والتصفية .
-4- من الضروري الإستفادة من دروس الإنتفاضة ومن التقاليد النضالية الجديدة التى أدخلتها كالمسيرات ليلا وإبتداع أشكال مواجهة مميزة ضد قوات القمع كمحاصرتها وإستدراجها وإحتجاز البعض منها رهائن لمبادلتها بعدد من الموقوفين مثلما وقع فى "حي العكارمة" بالمظيلة والإمتناع عن بيعها المواد الغذائية وعدم التعامل معها ومقاطعتها وإعتبارها "قوات إحتلال " .
-5- من أهمّ مظاهر الإنتفاضة بالحوض المنجمي إقتحام المرأة ساحات الإحتجاج والمساهمة إلى جانب الرجل فى النضال والقطع ولو نسبيا مع النظرة الدونية التى حصرتها طويلا فى المطبخ والأعمال المنزلية .
-6- من أهم ّ إنجازات الإنتفاضة السياسية إستهداف رموز السلطة سياسيا وإقتصاديا والإعتصام فى مراكزالإنتاج وسكك الحديد والإدارات الحكومية .
-7-يتعين أن ندرس بمزيد من العمق مدلول فرض الجماهير سلطتها – ولو مؤقتا – وتدريبها على ذلك عبر فرض المسيرات وعقد التجمعات فى الساحات دون إذن وإفتكاك المبادرة من العدوّ .
-8- ينبغى العمل على توحيد كل الجهود لأجل إنجاز جماعي لمهام نضالية محدّدة فى محطات محدّدة وتدريب الجماهير على أخذ مصيرها بيدها وإفتكاك حق التظاهر والتجمع والإعتصام دون تأشيرة من أحد وعدم إنتظار الهدايا من ديمقراطية الإستعمار الجديد و ذلك بالإستفادة من دروس إنتفاضة الحوض المنجمي .
-9- من الضروري نبذ الأوهام النقابوية الإقتصادوية التى تخرّب العمل الثوري الحقيقي وتسجن الطاقات فى معارك المواقع النقابية وتضحّى بالموقف الثوري وتوجه الجهود كلّها إلى الإصغاء إلى مطالب الشعب وشواغله والعمل على رفع وعيه وتأطير مقاومته لدولة الإستعمار الجديد . فمن لم يفهم الواقع و "من لم يحقق " لا يمكن أن يهتدى إلى الممارسة السليمة والثورية لتغيير الواقع الموضوعي والذاتي .
-10- أثبتت وقائع الإنتفاضة ضعفا فادحا فى إنصهار العنصر الثوري فى الأوساط الشعبية والذى لم ينجح فى فرض إضراب أو قيادة مسيرة واحدة لمساندة أهالينا فى الحوض المنجمي فى أي شبر من القطر .
-11- ان للعمل الذى قامت به بعض العناصر فى جهات محدّدة ( عرائض وإجتماعات محدودة ورفع شعارات و بيانات ) أهمية ،على محدوديته، مماّ أحرج السلطة والبيروقراطية و لو نسبيا .
-12- ينبغى أن نلاحق جميع المجموعات التى تقول عن نفسها أنها " شيوعية " "وطنية ديمقراطية " بالنقاش حول المسائل الخلافية الإيديولوجية منها و السياسية وأن نسعى إلى إخراج البعض منها من تلابيب الإصلاحية النقابوية الإقتصادوية والخطاب العام و التقوقع إلى طرح المسائل الفكرية طرحا بروليتاريا ماديا جدليا وماديا تاريخيا وتعويدها على القراءة والإجتهاد النظري و تحريرها من براثن الجهل التى تفرضه عليها الرموز والعقلية السكتارية المنغلقة .
-13-وعلى العناصر الثورية فى ساحة المعركة أن تتدرب على فن المواجهة والتحلي بطول النفس و أن تبحث عن الأشكال التنظيمية المناسبة من أجل ضمان إستمرارية المقاومة لإطلاق سراح الموقوفين و تحقيق المطالب بأشكال مختلفة تتجنب المواجهة المباشرة عند الضرورة وتحسن مراكمة القوى وخزنها وربط علاقات متشعبة مع الجماهير الشعبية لإستعادة الأنفاس والرجوع بقوة ومباغتة أجهزة النظام كما أنه مطروح على هذه العناصر إحكام المزج بين السري والعلني وتجنب التحرك دون تغطيات أمنية ضمانا لإستمرارية العمل بطرق تتماشى وتغير الأوضاع .

خاتمة :

إن مناضلات ومناضلي الحوض المنجمي وقضية التحرّر الوطني والطبقي يتطلبّون مناّ أولا وقبل كلّ شيئ صيانة مكاسبها ونقد نواقصها لتأخذ بعدها التاريخي فى الصراع الطبقي قطريا وعاجلا وعمليا أن نسعى إلى أن يتحمّل الجميع المسؤولية فى الإنخراط دون قيد أو شرط فى الدفاع عن أهالينا وفى المطالبة بإطلاق سراح المساجين وحفظ القضايا والمطالبة بمحاكمة من تورطوا فى قتل الشهداء وجرح العشرات ونهب الممتلكات وتلبية مطالب الجماهير الشعبية ( دون الوهم بأن ذلك ممكن التحقيق فى المدى المنظور ولكن نعتبر ذلك محورا من محاور النضال و التعبئة الجماهيرية ).
وعربيا ، قد شهدت مدن بلدان أخرى- الجزائر والمغرب ومصر - إنتفاضات مشابهة نسبيا لإنتفاضة الحوض المنجمي مّما هزّ أركان الأنظمة العميلة و بث في قلوبها شيئا من الرعب و جعل الجماهير تبحث عن بدائل .
واليوم عالميا ، دفعت الأزمة المصرفية العالمية التى تقف وراءها التوجهات الليبرالية الجديدة والنظام الرأسمالي /الإمبريالي العالمي كثيرا من الناس ومنهم المعلقين التلفزيين والصحفيين إلى الحديث عن عودة تدخّل الدولة فى الإقتصاد وعودة الإشتراكية وعن خطإ حكم إمبريالي –رجعي سابق بأن الشيوعية قد ماتت . و هذا الواقع الموضوعي إذا ما أضفنا إليه الأشواط الجبارة التى تخطوها الثورات الماوية فى النيبال والبيرو والفليبين والهند إلخ يوفّر أرضية خصبة نوعا ما للعمل الشيوعي الثوري .
وكشيوعيين علينا ان نخوض نضالا لاهوادة فيه ضد التيارات والنزعات الإصلاحية والإنتهازية ، الإقتصادوية النقابوية والتحريفية والدغمائية وأن نتقدّم للجماهير فى المنطقة وعبر البلاد قاطبة ببديلنا الثوري لتحرير الإنسانية من الإضطهاد والإستغلال الطبقي والقومي والجندري ونبيّن للشعب أن هذا النظام اللاوطني واللاديمقراطي و اللاشعبي لا يمكن أن يلبي حاجيات الشعب وإنما يستغله ويضطهده ويقمعه لتستفيد الإمبريالية العالمية ويستفيد الكمبرادور والإقطاع على حسابه . ومن هنا يتعيّن أن نخوض نضالا شاملا على كافة الجبهات الإيديولوجية والسياسية والإجتماعية والثقافية وأن ندرس مشاكل الشعب ونفكّك الإقتصاد والخطاب السياسي للدولة الرجعية ونبسّطهم لتستوعب الجماهير معنى عدم قدرة دولة الإستعمار الجديد على خدمة الشعب وأن نعرض تفاصيل البديل الشيوعي وتطوّره بفعل دراسة التجارب البروليتارية السابقة والنضالات البروليتارية الحالية عبر العالم وإستخلاص الدروس السلبية منها والإيجابية لبناء صرح نظري أرقى فعّال يربط بين المصالح الآنية والمصالح البعيدة المدى للبروليتاريا والشعب ويخوّل لنا وللجماهير الشعبية ممارسة تغيير الواقع وتغيير ذاتنا. بإختصار علينا أن نفضح النظام ومن لفّ لفه ونرفع وعينا ووعي الجماهير الشعبية وننظّم أنفسنا والقوى الثورية لأجل مراكمة القوى المناضلة فى سبيل الثورة الديمقراطية الجديدة /الوطنية الديمقراطية فالإشتراكية وبلوغ الشيوعية عالميا عبر الثورات الثقافية المتتالية. ( من تراث الشيوعيين الماويين في تونس -نوفمبر 2008-)



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن