أيّام في لشبونة

باسم النبريص
basemnabres@hotmail.com

2014 / 1 / 3

حين دعيت إلى ذلك المؤتمر، ذهبت كعادتي دون اهتمام بالبرنامج أو الأسماء.
لشبونة في الذاكرة والمخيّلة هي رمزان فقط: بيسّوا وساراماغو. الأول في كتابه الشهير: "لشبونة" [أُكتشف الكتاب عام 1992]، والثاني في بعض رواياته وبالأخصّ: "سنة موت ريكاردو ريس". يكفيك أن تقرأ الكتابيْن، لتشعر بأنك تعرف و"تألف" المدينة.
إنها الطريقة الكونية الشائعة في الاختزال المذموم. الطريقة التي كنت قبل وقتٍ قليل، أشكو منها في جزيرة مايوركا، وأنا أسمع كيف يُختزل الأدب الفلسطيني بشخص محمود درويش.
يقيناً أنّ اختزالَ بلدٍ في اسم أو اسمين، يظلم الكثيرَ من الأسماء الأخرى.
الكثيرُ من غنى البلد وتنوّعها وعبقريتها، يغيب.
مع ذلك، ذهبت على علاّتي، تاركاً نفسي للمصادفات. عارفاً فحسب أنني سأُلقي كلمةً في جمع من أدباءٍ أوربيين، بكلية الآداب بجامعة لشبونة.
كنت كتبت الكلمة قبل قدومي وتُرجمتْ إلى ثلاث لغات (عن وضعيتي كشاعر يعيش أجواء الحرب مع أبشع تجليات العنصرية الصهيونية).
ركبت الطائرة من مطار برشلونة ليلاً، برفقة السيدة كارما أريناس نوغيرا [بروفيسورة الترجمة ورئيسة نادي القلم والمناضلة من أجل استقلال كتالونيا]. كان مقعدانا في الصف الأول على اليمين. امتلأت الكراسي في الطائرة العميقة، ولم يبق إلا واحد فارغ بيني وبينها. جاء أب وابنه، في آخر الزحمة، يبحثان عن مقعد.
سمعت الأب يتكلّم بالعبرية مستاءً، فناديته. أما الابن، فذهب إلى العمق.
جلس الرجل، وعرفت من لكنته فوراً أنه يهودي من أصل مغربي.
طوال الرحلة، التي استمرت قرابة ساعتين، استرجعت لساني العبري المهجور من 21 سنة، بفعل الإغلاق، والتعامل معنا ك "أسرى في قفص".
غرّبنا وشرّقنا في الحديث، وسط دهشة كارما.
منذ جلس أخبرته بالحقيقة، ودعوته مازحاً ألا يتفاجأ أو يُصدم، كما حدث ذات يوم مع سائحة إسرائيلية في شارع فيا لايتانا.
قهقه: وماذا يعني؟ ليست "بشوعا" أن تكون غزاوياً. فأنا رب عمل، وأغلب عمالي فلسطينيون. بل لي صداقات قديمة مع غزيين، ومازلت أرسل لبعضهم نقوداً حتى اللحظة - وذكر أسماء بعض العمال. (أحدسُ أنه يكذب) قال: زرت غزة عشرات المرات، لأعالج أسناني وآكل طعامكم الزاكي.
قال: آتي إلى إسبانيا والبرتغال لاستجلاب عمال، لبناء قاعة سينما ومبنى مسرح في القدس الغربية.
قال: أفضل من عمالكم لم أر في حياتي.
وأردف: هذه المرة، جئت لأزور ابني المتزوج والمقيم في لشبونة: لأزور حفيدتَي الجميلتيْن.
قلت: وأنا موعود بكم. كأنه القدر الذي لا أومن به! ما من يوم في برشلونة، أخرج لأتمّشى إلا وأصادف سواحاً إسرائيليين، فأُبادر بالكلام معهم. أحياناً يتطوّر الكلام ونكمله في مقهى. هل تدري؟ قبل وقت تعرّفت في مايوركا على إنسان رائع له روح ورهافة شاعر اسمه يؤاف. استجلبوه ليترجم بيني وبين صحافي محلّيّ.
قال: إنها سبخة الوحل التي وقعنا فيها. ثم زفر: شبعت من المال والدنيا. أمر وحيد أحلم به قبل رحيلي: تحقيق السلام. (أعرفُ أنه يتجمّل)
قلت: هذا منوط بكم. نحن قدمنا أقصى وأقسى ما نستطيع، منذ أوسلو، بدون طائل.
استغرق في الحديث عن "عماء" قادة ورؤساء الأحزاب في إسرائيل. (أعرف، للمرة الثالثة، أنه انتخبَ وسينتخبُ الليكود، أو ما هو أشدّ يمينية)
بعدها انتقل ليحدّثني عن رحلاته في العالم، عن حضوره حفل زواج الملك محمد الخامس.
وفي الأثناء، كان يحادث كارما بالإسبانية التي يجيدها عن أمور شتى.
بينما أستغرق أنا في النظر عبرالنافذة، فأرى بين الحين والآخر، بقعاً وجبالاً وجسوراً تنوس فوقها أضواء حُمر وصُفر.
أسأله عن انطباعاته عن لشبونة مقارنة ببرشلونة، فيقول: لكل منهما جمالها الخاص وطعمها المتفرّد. لكن برشلونة ديناميكية وأكثر انفتاحاً. هنا لديهم قاعدة: لا تعمل عملاً يمكن تأجيله للغد!
أخيراً تهبط الطائرة، في تمام الحادية عشرة بتوقيت لشبونة، ويعطيني الرجل بطاقته لنتراسل، ويمضي.
أركب مع كارما سيارة أجرة، بعد تأخير في استلام الشنط، ونصل الفندق متعبين قليلاً، فنستحمّ ونرتاح ثم ننزل لنتعشّى في شارع قريب.
الطعام اللشبوني جيد بل ممتاز. وهم أهلُ سمكٍ وثمارِ بحرٍ بحكم وجودهم على ضفة الإقيانوس.
نبيذهم أيضاً طيب جداً، وأسعاره رخيصة قياساً بالدول المحيطة.
أضع رأسي الثقيل على المخدة، وأنام فوراً.
في الصباح نركب المترو نشيطيْن لمبنى الجامعة. يتوافد الأدباء من عشرة بلدان أوروبية. ألتقي بمترجمتي البرتغالية السيدة تيريزا ريكو. هي بروفيسورة الفلسفة في الجامعة، ورئيسة نادي القلم البرتغالي، ومديرة هذا المؤتمر. وكانت فرّت أيام سالازار إلى فرنسا.
تستقبلني بحفاوة بالغة، أشعر معها بالامتنان.
كأننا يا تيريزا "نعرف بعض من قديم".
تأتي بلوما فينكلشتاين، الشاعرة الإسرائيلية باللغة الفرنسية، وبروفيسورة التاريخ الوسيط بجامعة حيفا سابقاً (خرجت إلى التقاعد منذ سنوات). تقدّمها لي تيريزا بارتباك خفي ألحظه، بينما كل الضيوف يرقبون الموقف.
أدخل مع بلوما فوراً في حديث طويل بلغتها، وألاحظ مدى سعادة الحاضرين، فأستغرب. (فيما بعد، تشرح لي بلوما، دقة الموقف وحراجته: تيريزا دعت شاعرةً لبنانية للمؤتمر، وهذه ما إن علمت بوجود بلوما، حتى رفضت المشاركة. تيريزا حاورتها وتراسلت معها ثلاثة شهور متواصلة بلا فائدة. وعليه، كان الجميع متوجساً من ردة فعلي، وربما لهذا السبب، لم يعلموني قبلاً بوجود ممثل عن إسرائيل. بل سألوا كارما فأخبرتهم أنني حرّ ولا تستطيع هي التدخل في شأن كهذا - ما لايعرفه القراء العرب، أن نفس المشكلة، تقريباً، مع الاختلافات والفروق، تحدث بين الأدباء الكتلان والإسبان، في الملتقيات، حتى يصل الأمر أحياناً إلى التضارب بالأيديٍ)
كانوا قلقين إذن والآن ارتاحوا. أما عني، فأومن بأنني أمثّل قضية عادلة، تستوجب بالضرورة ألاّ أغيب عن أية فعالية محترمة سواء حضرت إسرائيل أم غابت. فالمهم هو ما تقوله أنت، بغضّ النظر عن ملابسات المكان والأسماء.
إن تهمة التطبيع لم تخفني ولن تخيفني. إنها تهمة العاجز الفاشل. العاجز الذي يغيب فيعطي عدوه الفرصة ليقول هذا روايته، بدون حضور الرواية الأخرى. أي غباء! ثم إنني عشت نصف عمري داخل إسرائيل، لذا فمحاورة إسرائيلي ليست بالجديدة عليّ. وأستطيع التمييز في دقائق بين لابس القناع ومن يقول قناعات.
دخلنا القاعة، وكانت المحاضرة مشتركة بيني وبين بلوما بحضور تيريزا على المنصة وشاعر فرنسي.
قرأت ما كتبته في برشلونة بالعربية. وكان قاسياً لأنه من فم شاهد المحرقة القادم من غزة قُبيل شهرين فحسب.
تكلمت بلوما (وهي بالمناسبة "يهودية متدينة" من أصل روماني، ذكّرتني، ب "ليبوفيتش") وكنا نحن الاثنين نسير في نفس الاتجاه.
بعدها، ترافقنا طوال المؤتمر، رأساً لرأس، بل [رأساً في رأس] إذ كانت تترجم لي بعبريتها أهم ما يقال ويحدث.
حدثتني عن فرحتها بتسمية ميدان في حيفا، قبل شهر، باسم إميل حبيبي. عن حياتها هناك. عن حيفا كأقل مدينة سوءاً للتعايش اليهودي العربي. عن تخّصصها وكتبها التي تنشرها في فرنسا. عن أمور كثيرة.
ولأنني لا أفهم الفرنسية والبرتغالية (لغتا المؤتمر)، أدّت بلوما لي هذا المعروف المرهق على مدار خمسة أيام: الترجمة الفورية.

لقد كنا ثنائياً طوال الوقت. الأمر الذي أسعد الجميع. والذي جعل تيريزا تكتب: "نحن الأدباء .. نفعلها"!
فهل قدّمتُ تنازلاً؟ هل جاملت؟ كلمتي مكتوبة، ومن شاء أن يقرأها فليقرأ.
أما هذا الموقف الدوغمائي من رفض مقابلة مثقفين إسرائيليين بالمطلق، فلا أفهمه. وأظن أنّ الزمن تجاوزه. يقولون مجرد التقائك بإسرائيلي هو مكسب له. وأقول: دعكم من مجرد المظهرية هذه. المهم والأهم ماذا تقول أنت، بغض النظر عما يقوله هو. فإذا كان هو مع حقوقنا فأهلاً وسهلاً باكتساب مناصر جديد. وإذا كان ضدها، فهذه فرصتك لتفضحه. على أني والحق يقال ألتقي إسرائيليين تقريباً كل أسبوع، ولم أجد بين مثقفيهم من هو ضد السلام وإقامة دولة فلسطينية في حدود الرابع من حزيران، بل بعضهم مع حلّ الدولة الواحدة للشعبين فكيف يمكن مقاطعة أمثال هؤلاء؟ تقولون هم قلّة؟ أقلية معدومة التأثير؟ هذا أدعى لاحترامهم، لا العكس.
قبل الدخول لقاعة المحاضرات بمسرحها الصغير، ألاحظ كبر حجم الوفد الفرنسي: أكثر من عشرة شعراء. بينما من الدول الأخرى جاء ممثل أو اثنان عن كل دولة.
سلوفيينيا مثلتها كاتبة قصة قصيرة في الأربعينات. طويلة كنخلة، وأليفة مثل أخت.
البوسنة كذلك، مثلها شاعر ربعة يحب النبيذ والمرح والدول المتقدّمة.
وأمريكا مثلتها إليزابث من جامعة جورج واشنطن. تتقن ثماني لغات بينها اللاتينية. وهي شاعرة وأم حنون، متواضعة ذلك التواضع الفطريّ. وقد استغربتُ طريقة إلقائها الشعري، وأظنها كانت تتكلم لغة أخرى غير ما أعرف!
أما بلوما، فعرفت منها جانباً من سيرة يشعياهو ليبوفيتش (الضمير الناصع لليهود المحدثين، وقد رأيته ماشياً في الشارع ذات صيف). بعد الرابع من حزيران حذرَ مواطنيه (وهم في أعلى مراحل السُّكْر) من تبعات الاحتلال: "من يحتل شعباً آخر لن يكون حرّاً أبداً، وسيتشوّه من الداخل، حتى يجد نفسه خارج الصفة الإنسانية". (لماركس قول بنفس المعنى)
وأيضاً: "العَلَم مجرد ممسحة للموت" يقولها للشعب. و"أنتم يهود نازيون" يقولها للساسة والجنرالات.
وغيرها وغيرها من أقوال هذا الرجل الذي لم يكن محض حاخام دين أو سادنَ أكاديميا، بل فيلسوف تأملات وحكمة، ومحطمَ أصنام ورموز، في المحل الأول.
كنا نتكلم في يومنا الأخير للزيارة، ونحن نمضي في أزقة وزواريب البلدة العتيقة: "الفنديغا" حيث حيُّ "الفاما" الأعرق. هذا الحي الذي بُني قبل خمسة آلاف سنة، وكان الرومان يطحنون فيه السمك، وبعدهم بزمن طويل جاء العرب والبربر واليهود، هاربين من عسف الإسبان واضطهادهم، بعد حروب الاسترداد، فلاقوا هنا المصير نفسه. وثمة العديد من آثارهم ماتزال باقية رغم تعاقب أحداث التاريخ. وكما يُلاحظ، اسمُ الحَيّ: "الفاما"، هو تصحيف لكلمة "الحمّة" العربية.
نهبط ونصعد في الدروب والزواريب، التي لا يتّسع بعضها سوى لمرور شخص واحد. أنتبه لكثافة الفسيفساء في واجهات المنازل، للزهور في الشرفات. ثم نرى على مُرتَفع، السجنَ الذي كان سالازار يضع فيه الكتّاب المعارضين. ونرى بقايا مظاهر احتفال الأهالي ب "اليوم الوطني للسردين"، المنتهي قبل وقت قصير. احتفال سنوي بهيج بهذه الأكلة الشعبية يمتد عدة أيام، يتخللها الرقصُ الجماعي والغناء والشرب، وتعبق في الجو رائحة الشواء. أسأل عن ثمن الكيلو منه فأفاجأ أنه غالٍ: 16 يورو. وسردينهم – سردين الأطلسي - طيب المذاق، لكنه أصغر حجماً وأقسى لحماً من سردين غزة الطري اللألاء.
أتعرّف على متطوعيْن في المؤتمر، رافقونا وخدمونا، وأتصادق مع شاب منهم لا يجد عملاً ويفكّر بالهجرة، وامرأة ودود اسمها ماريّا. تأخذ عنواني في برشلونة، كي تزورني ابنتُها في عطلة الصيف (شهر آب القادم)، لتشتغل على أُطروحة دكتوراه في الصراع العربي _ الإسرائيلي.
ثم نزور آخر النهار "قلعة ساو جورجي" الرومانية التي تطل على جسر 25 إبريل، ثاني أكبر جسر في البرتغال بعد جسر فاسكو دا غاما الأطول في قارة أوروبا.
منظر بديع ومؤثر ولا يُنسى هو منظر دلتا نهر التيجو العظيم. التيجو وهو يصبّ في الأطلسي تحت الجسر، فيمتزج الماءان: الحلو والمالح.
أقف على المطلّ الذي امتدحه بيسّوا (مع رفيقي الأناركي البرشلوني "سِنَنْ فاييس") ويسحرني المشهد للوهلة الأولى. أُدقق النظر وأستعلم، فأستغرب جداً من شساعة حوض النهر. سفن عملاقة تمخره. وتحتي بيوت بيضاء بقرميد أحمر، وكنيسة قوطية، وسواحٌ وأهالي وأجواءُ احتفالات، فيا له من حلم!
نتعب من تجوالنا طوال النهار فننتهي إلى مطعم ومشرب تملكه سيدة عظيمة، من أصل نرويجي، جمعت متشردي الشوارع، وجعلتهم عاملين هنا، ففتحت بيوتاً لأكثر من مئة رجل وامرأة.
إنها السهرة الأخيرة وغداً يعود كلٌ إلى بلده.
نتعشى سمك المورة (الباكالا) الأحبّ عند البرتغاليين، ونشرب الفينيو الأحمر والأبيض. ثم نهبط لنستمع لمغنية "الفادو" متهيئين فيرجف القلبُ وتدمع العينان.
في تلك الليلة، ينطلق لساني مع بلوما، كأنني لم أنقطع لحظة عن الحديث بالعبرية.
حقاً: اللغة لا تموت. تترسب في لاوعيك، هناك في طبقات الأغوار القاصية، وتظنّها ماتت أو ترمّدت، حتى تأتي الفرصة فتنطلق وتندلع.
تلك الليلة استعدت طلاقتي ولياقتي الكاملتيْن.
كانت سهرة ناعمة فريدة، لن أنساها مدى العمر.
شكراً لشبونة السخية، رغم الحال الصعب.
[لقد شعرت أنّ البرتغاليين والإسبان هم أقرب شعوب أوروبا إلينا.
هم الأدفأ على الإطلاق]
شكراً مدينة الفسيفساء.. التاريخ، والناس الخجولين الدمثين.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن