حرية الإبداع في -أين الله-

أماني فؤاد
d.amany-fouad@hotmail.com

2013 / 12 / 16


اتساقا مع مواد الدستور الخاصة بالحريات : حرية الاعتقاد ، وحرية التفكير والتعبير ، وحرية البحث العلمي ، وحرية الإبداع الفني والأدبي .
والتزاما بنص المادة في الوثيقة المبرمة مابين المواطن والسلطة القائمة علي الدولة ، فيما يختص بحرية الإبداع الوارد فيها : "وتلتزم الدولة بالنهوض بالفنون والأداب ، ولا يجوز رفع أو تحريك الدعاوي لوقف أو مصادرة الأعمال الفنية والأدبية والفكرية ، أو ضد مبدعيها إلا عن طريق النيابة العامة ، ولا توقع عقوبة سالبة للحرية في الجرائم التي ترتكب بسبب علانية المنتج الفني أو الأدبي أو الفكري " . وتفعيلا للدستور المصري ، ولدولة القانون ، لا ينبغي أن يتعرض المبدع لقضايا وأحكام علي هذا النحو الجائر علي حقوق الإنسان وإبداعاته ، واجتهاداته في رؤية هذا العالم فكرا و خيالا ، كما حدث مع الروائي "كرم صابر" بعد صدور مجموعته القصصية " أين الله" وتعرضه لمحنة حكم قضائي بالسجن لمدة خمس سنوات.
ــ في المجموعة القصصية " أين الله " الصادرة عن دار نفرو للنشر والتوزيع ، عام 2010 م ، يعالج القصاص مطلق معنى الله فنيا ، مطلق الإيمان بمفهومه المتسع السمح ، الذي يتجاوز الشكل السطحي للعادات والممارسات الشعائرية ، والتي تعد عند البعض من فئات المجتمع عوضا وبديلا عن الدين الحقيقي ، الذي هو في جوهره اتصال خاص ، وعلاقة حقيقية بين العبد وربه منزهه عن المنفعة ، أو مفهوم العبادة في مقابل العفو والغفران والعطاء .
فهو علي لسان شخوصه لا يرفض تلك الطقوس أو يقوضها ، لكن يشير إلي إعتيادها وآليتها ، وتفريغها من مضمونها وجوهر فعلها ، مثلما تحولت مع الباحثين عن مظاهر الدين لا الإيمان الخالص .
ينتقد القاص الأشكال الجامدة للعبادات ، ويعيد تفكيكها والنظر إليها ، خاصة فيما تروج له بعض التيارات الأن من دعوات تقصد المغالاة في جلد الذات ، والحديث عن العقاب في الآخرة ، و أهوال النار وعذاب القبر ، والحساب الذي لن ينجو منه أحد ؛ ينتقد القصاص كل هذه الدعوات الظلامية ؛ رغبة في القبض علي جوهر الدين الحقيقي .
ــ ومن خلال مجتمع ريفي بسيط ، يركز القصاص علي تجليات الدين الشعبي ، ويلتقط منها ما يدلل علي جوهر الإيمان لا قشوره السطحية ، وهو إذ يتخير هذا الوسط الثقافي الفطري يريد أن يدلل علي الطبيعة الخام للإنسان ، الأسئلة البديهية التي تدور بالعقول قبل أن تمارس أي أيديولوجيات ضغوطها الفكرية ، الموجهه لرفض توجه ما أو تسويغ آخر ، هذه العقول التي تشبه الأرض البكر التي تعيش فوقها وتزرعها ، لكنها تلاحظ الحياة وأقدارها فتتساءل بعفوية أسئلة الطفولة ، تنكر أشياء وتدعو إلي إعادة النظر في أخري بقصد تطويرها .
ــ ويرصد الكاتب لمفارقات الحياة وعبثية الأقدار ، ليس بغرض هدم فكرة الإله أو إنكار وجوده ، أو التجديف في قضايا الإيمان ، ووصف طغيان الظلم في الحياة ، ذلك حين يضيق بعض شخوص القصص بأقدارهم ، ويرون أن الإله لا يتسم بالعدل ، لكن لبيان أن العلاقة بين الإنسان والرب ليست علاقة نفعية قائمة علي تبادل المصالح ، إذا أعطى الله الإنسان فله العبادة والشكر ، وإذا منعه يكفر بالحياة وما فيها ، مابين الرب والإنسان علاقة تتعدي هذه الحدود الضيقة ، الله محبة وعطاءات لا حدود لها ، لا ينفصل عنه البشر، حينها يشعر الإنسان بوحدة هذا الخلق داخل ذاته ، وفي علاقته مع الموجودات من حوله.
أتذكر أني قرأت أن أبا حيان التوحيدي " فيلسوف الأدباء وأديب الفلسفة " حين كان في لحظات احتضاره الأخيرة كان أصدقاءه من حوله يقولون له استغفر الله ، أعلن التوبة ، ادعوه أن يغفر لك ذنوبك ، فإذا به يقول لهم: " أأنا مقبل علي شرطي ؟ إن الله غفور رحيم "
كيف تتحول كل طاقة الحب بهذا الوجود إلي هذه الأفكار الانتقامية التي يلحقها البعض بالإله ؟ وهو منزه عن كل هذا العوار والرغبة في إلحاق ضرر بالإنسان ، هذه التصورات التي أصابت الفكر الإنساني الذي تتحكم فيه انغلاق الأفق ومحدوديته .
فمن خلال وحدة الوجود في كافة موجودات الحياة البشرية ، تنطلق القصص لتؤكد علي هذا المفهوم ، في لغة مسترسلة تميل إلي التقريرية ، وفي مستوى رؤيوي لا يتغيا تقعرا ، بل يثير سؤال الفلسفة البسيط والأول ، ويتحقق ذلك من خلال عدة أسئلة يطرحها الكاتب علي ألسنة شخوص القصص .
ــ ربما شاب المجموعة اتجاه نحو المباشرة والخطابية في بعض المشاهد ، وتلك مسألة فنية لا تناقش في هذا المقام ، لكنني أتصور أننا تحت وطأة سياق مجتمعي يعاني من أمية أربعين في المائة من تعداده ، كما أن لدى بعض المتعلمين فيه الكثير من المفاهيم المغلوطة ، التي تتضمن كثير من التأويلات التي تجافي المنطق ، والخاصة ببعض متشددي الديانات ، التي لو أُعمل العقل فيها بقدر يسير لأعاد تقييمها مرة أخري لصالح سعادة البشر لا تعاستهم ، ولذا أتصور أنه لا مانع من أن تكون الرسائل الفنية والفكرية واضحة ، وقد تشبه الصدمات أحيانا ؛ لتخلخل عقول متلقيها التي ربما تكلست تجاه ما يطلقون عليه الثوابت .
نعم للفن مقاييس أكثر رهافة ورقي من الغلو تجاه المباشرة ، لكن في بعض السياقات والضرورات المجتمعية لا غضاضة من ذلك ، كما أن ذلك يخضع لتوجهات ومدارس في رؤية الفن والاتجاهات الأدبية .
ــ يقدم الكاتب من خلال القصص صور عدة من البؤس الإنساني ، من خلال شخصيات بشرية مختلفة التوجهات والأفكار ، وفيها يخلخل الثقافة الذكورية ، وبعض من الموروثات الدينية ، التي ينبغي إعادة النظر فيها وفقا لضرورة تجدد الخطاب الديني بما يتسق مع تطور العصر وتغير معطياته .
كيف يمكن أن ندين ما نكتبه بمقالاتنا ودراساتنا ونكرره مرارا حين يتبدى في شكل قصصي ، ومشاهد من الحياة اليومية للبسطاء؟ قد تتسم المعالجات الفنية للقضايا ببعض المغالاة ؛ لأنها غير خاضعة للمنهج البحثي الحيادي ، وذلك لطبيعة الفن الذاتية ، واسترساله الذي يجب أن يوهم بالتلقائية وبعده عن الجمود .
ــ أردت أيضا أن أوكد أنه وفقا لنظريات التلقي تختلف درجة فهم وطبيعة توجهات القراء لهذه النصوص التي تتضمنها المجموعة ، كل حسب ثقافته وطبيعتها ، ودرجة توجسه من إثارة تلك الموضوعات التي تمثل في ثقافتنا تابوه يحوُّطه اللامساس بل والتقديس من الكثيرين ، فلقد قرأت بعض العبارات والجمل التي وردت علي لسان شخوص القصص علي أنها دعوة لتذوق وفهم رحيق الحياة ، معني العبادة الحقيقية ونبذ لزيف وآلية النمطي والسطحي ، دعوة للحب والتسامح والتوحد مع الكون من خلال فهم روح الوجود ووحدته ، دعوة إلي تذوق الحياة والإعلاء من قيمة العمل ، وعده الرسالة الحقيقية المنوطة بالإنسان ، لا كما ذكر من أقام الدعوى على المبدع أن المجموعة تدعو إلي إنكار الألوهية ، أو الحض علي الرذائل .
ــ أين الله ؟ ليس تساؤلا يطرح لإنكار الله ووجوده ، بل يطرح من أجل أن نري الله في كل الوجود من حولنا ، وهي رسالة تحريضية من الكاتب للبحث عن السعادة في كل ما يحيط بنا ، بالأرض والسماء والزروع والأطيار والحيوان ، البحث عن السعادة بداخل ذواتنا ونفوس الآخرين ..
وحتي لو رأي البعض أن هناك بعض التجاوز في الحديث الموجه إلي الله ، فلقد رأيته خطابا موجها ليس للإله ، لكنه موجه للجانب الشرير المظلم بالإنسان ، الشيطان الذي يكمن داخل كل إنسان بقدر ما .
ــ تقدّم القصص مستعينة بتقنيات الفن السردي ، ومن خلال شخوصها دور الفن في كشف الأوهام ، دوره في تحريض العقل علي العمل والتفكير ، فلقد غادرنا زمن المعجزات وأوهام البشر عن الدين ، لا الدين ذاته .
فحين يستنطق الكاتب شخوص نصوصه فهو ينطق ألسنة وعقول مختلفة التوجهات والمشارب ، وهو مايهبه فرصة لعرض ما يُطرح في الحياة من تساؤلات وأفكار ، وتقاس جوده السرد حين يختفي الكاتب الفعلي ولا يظهر من خلال شخوص نصوصه ، الذين لا يحملون ذات توجهاته بالضرورة .
ــ كما أن للإبداع طبيعته وحساسيته الخاصة التي لا ينبغي فيها اقتطاع جمل أوفقرات من النصوص لنتخذها ذريعة لإدانة القصاص ، فذلك ينافي الفن وطبيعته الكلية ، المرتبطة بالسياق التي توجد فيه الجملة التي قد يتصيدها القمعي المنتمي لمحاكم التفتيش ، ليأخذها ذريعة لإدانة الفنان ، كما أن حكمنا علي النصوص ليس بقانون البتر والاقتطاع لجمل أو عبارات ، بل ننظر لجوهر العمل والرسالة المقدمة ضمنا فيه ككل ، ومفاهيمه الكلية .
هل من حق أي شخص أن يقيم دعوى على الكاتب يتهمه فيها بإزدراء الأديان لمجرد أنه يستخدم خياله وعقله ليستنطق أصوات موجودة بالفعل في الحياة من حولنا ، و هو لا يتعرض لإزدراء الأديان ، بل علي العكس يقدم رؤية لفلسفة الدين وحرصه علي تقدم البشر ، وعيش حيوات لا زيف فيها .
بعضنا يدعو لتعديل نظام المواريث في الإسلام اتساقا مع مستجدات العصر التي طرأت علي المرأة والمجتمع ، لماذا نقف دائما في طريق العقلانية ونخشي من إعمال المنطق ، ودور الفن في إثارة تلك القضايا مواكبة مع ما يشغل الإنسان وقضاياه الحقيقية التي ينبغي مواجهتها لا الهروب من إثارتها خوفا من هجمات برابرة المتسلحين بكل ما سلفي وقديم ومعلب ، ليس كل قديم صحيح أو مواكب لظروف حياة تتغير وتتطور علي الدوام .
ــ أخيرا قضايا الرأي تواجه بالرأي والمناقشة وعرض الاختلافات في حالة من الجدل الإيجابي ، ليس مكانها ساحات القضاء ، وأحكام متعسفة بالسجن دون الرجوع للمختصين بالشأن الإبداعي الأدبي ، لقد تجاوزت الإنسانية هذه البربرية التي لم نزل نري صورا منها في مجتمعاتنا ، حين نتصيد للآخرين تفسيراتنا الذاتية لنصوصهم التي ليست هي بالضرورة التفسيرات الأحادية والوحيدة .
كفانا إرهابا للفن والعقل والخيال البشري ، كفانا إرهابا لإنسانية الإنسان .



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن