سوريا إلى متى .. وإلى أين ؟ ..

بدر الدين شنن
abohamid@hetnet.nl

2013 / 10 / 7

لقد قدمت الأزمة السورية ، تجربة سياسية وعسكرية ، تستحق أن تدرج في سياق العلوم السياسية والعسكرية . فهذه التجربة أعطت حتى الآن ، لمفهوم الصراع الداخلي ، المتزامن مع ارتفاع المنسوب الوطني ، نتيجة لغزو خارجي تتعرض له البلاد ، و ساعة الصفر لغزو آخر باتت تحسب بالساعات والدقائق ، أعطت مضموناً ثلاثي الأبعاد . وعرت الألاعيب القذرة في السياسة ووضعتها تحت العناوين التي تناسبها .
وأمام أضرار ، وعبث ، وانحراف ، عدد لايستهان به من السياسيين المنشغلين بالأزمة السورية ، لاسيما الذين يعلنون التزامهم بالمعارضة المرتبطة بالخارج ومخططاته ، بات من الضروري بمكان ، مقاربة ، ولو ابتدائية ، لمفهوم الصراع عامة في الداخل وفي مواجهة الخارج المعادي . لن نقارب هنا الجانب العسكري في التجربة السورية ، فهذا من شأن الخبراء والعسكريين . لكن لابد هنا من بضع كلمات تقال وهي ، أن الجيش السوري قد صنع تجربة قتالية فريدة من خلال تعامله مع أخطر الحروب وأسوأها نوعية ، إن من ناحية الأسلوب ، أو من ناحية طابعها القتالي ، أوأبعادها الدولية . وسنتجه لمقاربة الجانب السياسي في مسألة الصراع .

في المجتمعات التي تتسم بالتعددية ، الطبقية ، والدينية ، والمذهبية ، والقومية ، تتوالد موضوعيا ً أثناء الحياة المشتركة ، تمايزات ، وخصوصيات ، وطموحات ، تتحول أحياناً إلى تناقضات تنافسية ، قد تتحول في حالة انعدام الديمقراطية والمساواة الدستورية والعدالة الاجتماعية ، إلى تناقضات وصراعات تصادمية . لكن التناقض الأساس ، الذي تتأثر به بقية التمايزات المثيرة للحساسية والتناقض ، هو الصراع الطبقي .

الصراع بين الأقليات الدينية والقومية ، يأخذ شكلاً عامودياً ، يهدد الوطن الواحد بالانقسام والتمزق ، وهو بجوهره ومآلاته ، إن خرجت الأمورعن السيطرة ، معاد للقيم والوحدة الوطنية ، ويتلاقى في أغلب الظروف ، مع القوى الخارجية لإضعاف وتفكيك الدولة الوطنية الجامعة ، ليتسنى إقامة المشروع الأقلوي . ما يفتح المجال للخارج ليحقق مطامعه الاحتلالية ونهب الثروات الوطنية . وهذا الصراع قلما ينجح في استدامة تجسده ، إذ سرعان ما تنشب الصراعات بين الكيانات الأقلوية الناشئة ، ويتضح حجم الكارثة ، التي وقعت فيها ، وتشرع في البحث عن صيغ جديدة للعلاقة التكاملية بين بعضها البعض . لكن في كثير من هذه العمليات العبثية يكون الوقت قد فات ، لأن أوجاع وجراح الصدامات الدموية تقف حجرة عثرة دون ذلك .

الصراع الطبقي ، يأخذ بطبيعته وحيثياته مسار البحث عن الديمقراطية الاجتماعية ، التي تلبي الاحتياجات الأساسية الكريمة للأكثرية الساحقة من المجتمع ، وصولاً إلى الخلاص من الاستغلال الطبقي لكل القوى الاجتماعية في مختلف مكونات المجتمع ، القومية ، والدينية ، والمذهبية ، في الريف والمدينة ، ضمن الإطار الوطني العام . فقط الأقلية المستغلة الجشعة ، التي ترفض الديمقراطية الاجتماعية ، تحاول أن تتلاقى ، وتتبادل المصالح مع القوى الخارجية لاستعادة نفوذها السياسي والاقتصادي . لكن الحامل الاجتماعي الواسع الحامل لمضامين هذا الصراع المعبرة عن حركة التاريخ التقدمية ، يعوق ويفشل هذا التلاقي .. وتبقى أسوار الوطن عزيزة شامخة .

غير أن الصراعات لاتكون دائماً بسبب ما تثيره الحساسيات الأقلوية والتناقضات الطبقية ، وخاصة في البلدان الضعيفة المفوتة ، التي لديها مخزون كبير مثير للمطامع الخارجية من الثروات الطبيعية ، أو تتمتع بموقع جغرافي سياسي ، يشكل محوراً استراتيجياً هاماً في حسابات الدول العظمى ، كمرتكز لقواعدها ، ولاستخدام حدودها وبحارها معابر لحركتها التجارية الدولية وجيوشها العسكرية . ما يحول هذه البلدان إلى موضوع للصراع الدولي ، ويجعلها في مختلف العهود عرضة للعدوان الخارجي . وبذا يدخل البعد الوطني كأولوية في تعددية الصراعات فيها وعليها .

ومن المهم ذكره في هذا السياق هو ، أن لكل الصراعات تعبيرات سياسية ( أحزاب .. جمعيات .. اتحادات ) وأطر أخرى قد تكون دينية أو مذهبية ، أو قومية . ولها تعبيرات ( أيديولوجية ) ونظرية ، وطروحات دعوية ، ومشاريع وبرامج خاصة بها ، لتبرر حضورها ومشروعيتها . وحين يحتدم هذا الصراع أو ذاك ، تتقدم الأيديولوجيا على السياسة و’تقولب حسب نوع وشكل الصراع . أما في الصراع الوطني مع الخارج الطامع المعتدي ، أو المتحفز للعدوان ، فإنه لكي يكون هذا الصراع لصالح الوطن ، لابد من أن تنصهر الأحزاب الوطنية المبدأ ، والأيديولوجيات التي يهمها الصالح العام ، في مسار واحد هو مصلحة الحفاظ على الوطن وانتصاره .

بالمقابل ، لكي يحقق المعتدون أهدافهم ، يجهدون لاستثمار الصعوبات الاجتماعية والخلافات أو الصراعات الدينية والقومية في البلد المستهدف ، ويقدمون أنفسهم على أنهم مستعدون لإنقاذ الفئات والأقليات المهضومة حقوقها . وينصبون الأفخاخ السياسية والإعلامية للمهمشين والمضطهدين ، ليصدقوا أن الاحتلال إن أتى إلى بلادهم ، ولو عبر دمار الوطن ونهب ثرواته ، هو حامل حريتهم وسبل الوصول إلى حقوقهم . ولتحقيق مثل هذا التشويش والفوضى في الوعي الوطني والإنساني ، يعملون على أن يكسبوا إلى جانب مشروعهم جزءاً من الطبقة السياسية ، التي تمارس أنشطة معارضة مغامرة من أجل الوصول إلى السلطة ، وأن يكسبوا قطاعاً واسعاً من المثقفين والإعلاميين الانتهازيين ، ليسوغوا ويشرعنوا اندماج المطالب الداخلية مع الغايات الأجنبية .

من سوء حظ سوريا أن أزمتها الراهنة الكبرى تتضمن صراعاً ثلاثي الأبعاد في وقت واحد .. صراع من أجل الديمقراطية السياسية والاقتصادية والاجتماعية .. وصراع قديم جديد من أجل المساواة في الحقوق والواجبات على المستوى الديني والمذهبي والقومي والحزبي . والأخطر منهما معاً .. صراع مع الخارج الطامع في استغلال واقعها الجغرافي السياسي ومخزونها من الثروات الطبيعية ، الذي يتقن لعبة توظيف البعدين الآخرين ـ لينقض على الوجود الوطني والثروات الوطنية ، وليستكمل خرائطه الإقليمية والدولية السياسية والاقتصادية والعسكرية .

في مثل هذه الصراعات الثلاثية الأبعاد ، خاصة في زمن الهيمنة الامبريالية على العالم ، وطغيان الإعلام الدولي ، وسيطرة الاتصالات الفضائية ، تتعقد وتشوه المعادلات السياسية ، وتتساقط قيمها المألوفة كأداة متمدنة ناظمة للعلاقة بين الفرد والمجتمع ، وبين قوى المجتمع الواحد ، وفي العلاقات بين الدول ، وتحل محلها معادلات ومفاهيم جديدة تتناسب ، وحاجة الخبراء في لعبة الأمم .. وطلبات عتاة تجار الحرب والسياسة والإعلام ، وخدمة فن شراء وتداول زعماء أحزاب وعقول وقادة دول .

وقد استخدمت في الأزمة السورية كل هذه التعقيدات والتشوهات في المعادلات السياسية .. حيث تم طرح مطالب الديمقراطية والتعددية السياسية وتداول السلطة وإسقاط النظام في وقت واحد .. أي ممارسة نفي مضمون الديمقراطية وقيمها ، بتكرار سياسة الإقصاء وعدم الاحتكام إلى الشعب .
وتم خلط الحرية والكرامة والاعتبار الشخصي والمجتمعي بالتعاون مع الأجنبي الطامع بالسيطرة علناً بالبلاد ، الذي سيسحق حرية وكرامة وسيادة الوطن كله .
وتم ربط التخلص من عسف السلطة باستدعاء التدخل الأجنبي العسكري المدمر الذي سينشر العسف الأشمل والأسوا .
وتم تجاوز إجراءات إصلاح دستورية وقانونية وبقي الإصرار على اعتبار البلاد باقية كما قبل الأزمة .
وبنيت مفاهيم جديدة معاكسة للحرية ، وللمعارضة الوطنية الديمقراطية والمطالب الشعبية والعلاقات الدولية القائمة على الاحترام المتبادل وحق الشعوب في تقرير مصيرها .
والذين يجري تدريبهم وتسليحهم ودعمهم بكل أشكال الدعم وقيادتهم من قبل قوى حلف الأطلسي والرجعية العربية يسمون " الجيش الحر " والذين لايقبلون باللعب بالمعارضة الوطنية وبمصير الوطن يوصفون بالخونة .
و "فتات حروب الإرهاب الدولي في كافة أنحاء العالم ، المرتزقة " من باب الله " ومن الدول الأجنبية والرجعية العربية ، حملة لواء الأمارات الإسلامية المعادية للديمقراطية يسمون عماد قوى " الثورة " من أجل الديمقراطية ..
ومن يوجه أي نقد لسلوكياتهم الاجرامية بحق المواطنين ، يحلل دمه بفتوى من مجاهد شيشاني أو تونسي .
كما أدت هذه الممارسات المشوهة لأولويات الصراع ، أي الفصل الغبي بين الوطنية والديمقراطية ، ولمفهوم السياسة بمعناها الحضاري ، إلى قلب الصراع مع الأجنبي إلى تحالف مريب ، بذريعة الحصول على مساعدته لحل صراعات الداخل ، ولاستلام السلطة ، وأدى إلى تدويل الأزمة السورية ، وتفاقمها ، وارتهانها لموازين القوى الدولية ، وأدى إلى ضياع كل ما عول عليه الشعب والمناضلون الوطنيون الديمقراطيون من حراك الشارع ، في بداية الأحداث ، وإلى ضياع المعارضة ذاتها ، التي داست على المفهوم السياسي الحضاري الشعبي ، وراهنت على مضاداته . ما دفع الكثيرين من الغيارى على الوطن إلى التشاؤم ، وتوصيف السياسة بالعاهرة والقذرة .

السؤال الذي يؤكد على ما ذهبنا إليه أعلاه هو : لو أن خيار الحوار والوحدة الوطنية ، الذي دعت إليه المعارضة قبل 2011 بسنوات ،لم يرفض بعد 2011 ، وجرى البناء على تعديل الدستور والقوانين الأخرى ، وجرى الاحتكام لآليات الاقتراع الديمقراطي الشفاف بإشراف حقوقي عربي ودولي ، والحفاظ على سلامة الوطن ومؤسساته وحياة أبنائه ، ألم يكن ذلك اقل كلفة كثيراً جداً بالخسائر المادية والبشرية ، وأكثر مصداقية للمطالب المشروعة ، وأكثر رقياً في حل الصراعات الداخلية ، وأكثروطنية ومصداقية بما لايقاس من الارتهان إلى الخارج والاعتماد على السلاح وعلى الإرهاب ؟ .. وهل هي مصادفة أن يكون عدد المسلحين ومعظمهم من الأجانب مساوياً لعدد القتلى والضحايا البريئة في حرب الاقتتال الإقصائية الثأرية المدمرة ؟ ..

وهذا السؤال يستدعي سؤالاً آخر : سوريا إلى أين .. وإلى متى ؟ .. إلى أين ستؤدي هذه الحرب القذرة ، التي تلحق بسوريا والشعب السوري المزيد والمزيد من الدمار ومن الدم ؟ .. ألايكفي سقوط أكثر من مئة ألف شهيد وشهيد وقتيل .. ألا تكفي خسارة مئات المليارات من الدولارات ليرتوي ويثري دعاة وأمراء التغيير المسلح وتجار الحروب والسياسة ؟ .. إلى متى يستمر الغباء السياسي الذي يعمل على إسقاط الوطن ليكسب إسقاط النظام .. وإلى متى يفهم بالمقلوب ، أن من يعمل للحفاظ على الوطن يعمل للحفاظ على النظام .. ألا ’يخشى أن يفسر ، أن هذا الفهم المقلوب ، يعني بقصد أو بدون قصد ، الشهادة بوطنية النظام ؟

لقد آن الأوان ، بالنسبة لكل الأطراف المعنية والوطنية الفاعلة بالأزمة السورية ، لاسيما بعد المستجدات الدولية الخاصة بسوريا ، لإعادة النظر في الكثير من المواقف والآراء التي مورست إبان احتدام الأزمة وحتى الآن سياسياً وعسكرياً ، وللعودة إلى المسارات الحوارية الشفافة التي توقف التدمير والقتل وتعيد اللحمة الوطنية ، ولبناء سوريا من جديد ، بآليات ديمقراطية .. سوريا الحبيبة .. الموحدة .. الديمقراطية .. المتآخية المتسامحة .. القوية .. العادلة .



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن