انظمة الفوضى الدينية

مالوم ابو رغيف
aburaghief@t-online.de

2013 / 10 / 4

لقد اصبحت مفردات الطائفة والمذهب بصياغاتها المختلفة من ابرز مفردات السياسة والصحافة في الدول العربية، ولم تعد مقالات الرأي والتحليل تخلو من ذكر للسنة والشيعة والوهابية والصراعات فيما بينها. والامر الاخر الذي يمكن ملاحظته هو انحسار الانتماء الى الدولة وبروز الانتمائات الطائفية والدينية والمذهبية الى النظام- الحكومة.
لقد حل النظام محل الدولة وانهى دورها كتعريف قانوني اعلى يرتفع فوق اعتبارات السياسة والدين والقومية والطائفة والجنس ويستند على اعتبارات القانون والحقوق الانسانية، ويبدو ان المخططين للربيع العربي كانوا يهدفون الى تأسيس انظمة حكم وينهون دور الدولة. لقد ادى تحطيم الدولة الى فوضى الانتمائات الطائفية والمذهبية دون الاستناد على اسس معرفية.
فكرة نظام بلا دولة ليست بالجديدة، فالخلافات الاسلامية، الراشدة او الاموية او العباسية والعثمانية لم تؤسس لدول، اذ لم يكن الانتماء للارض او للجمهور( الشعب) العامل المقرر في الانتساب، العامل الحاسم في الانتماء كان اعتناق الدين الاسلامي، فاصحاب البلاد الاصليين من سكان البلاد المغدورة الذين فضلوا الاحتفاظ بدياناتهم ورفضوا الانصياع لحكم السيف الاسلامي، أُجبروا على دفع الجزية ثمنا للبقاء على دياناتهم والاحتفاظ بهوية الارض التي هم عليها منذ القدم.
ولان التراث الاسلامي قائم على فكرة الولاء للدين وليس للارض او للدولة، فالغزاة الاسلاميون حطموا جميع الدول التي احتلوها واقاموا على انقاضها سلطات تابعة وموالية لخليفة لن تراه اعينهم ولا يحسون بقربه منهم يوما ما، خليفة يفرض من يمثله سلطانه عليهم بحد السيف، فان الاحزاب الاسلامية، التي تستمد افكارها ومعتقداتها السياسية من كتب التاريخ والتشريع الاسلامي، هي الاخرى لا تؤمن ولا تهتم كثيرا بالدولة، ان غايتها هي الحكم.
فمرشد اخوان المسملين السابق مهدي عاكف لم يجد حرجا عندما قال طز في مصر. كذلك لا يشعر الاسلامي السوري بما يعيب وما ينتقص من كرامته الوطنية حين يعمل تحت امرة اردوغان، التركي المنفوخ طورانية وصلفا عثمانيا، للاطاحة بدوله سوريا والقضاء على كل انتماءات الشعب- الوطن واستبدالها بانتماءات الدين- الطائفة. ان كل هذا الجهد المبذول والمدعوم بالمال والسلاح هو للقضاء على دولة سوريا.
الاسلاميون لا تعنيهم الدولة كثيرا، اذ انها تمثل الفخر او الانجاز الوطني لمجموع الشعب، انهم يهتمون بالحكم الذي يقررون نوع وشكل نظامه وفق تصوراتهم المذهبية للشريعة وللعدل الاسلامي، وهما، الشريعة والعدل، تصوران لا يستندان على اسس حقوقية انسانية، انما يستندان على سلسلة من الاحداث والاحاديث والقرئانيات والروايات والفتاوى والاراء للسلف الديني التي وفقها تشكل ما يعرف بالمنطق الاسلامي.
في ليبيا مثلا، تحطمت الدولة وحل بدلها فوضى حكم العصابات والمليشيات التي تبسط سيطرتها بقوة السلاح على الارض التي تقع تحت هيمنتها، لقد انتهى مفهوم الدولة في ذهن المواطنين واستبدل بانتماء متخلف للقبيلة وللعشيرة وللمنطقة او للعرق.
في ما يسمى السعودية لم تنشأ الدولة بعد، انه مجرد نظام حكم عائلي يستند في شرعية وجوده على بناء فوقي من الفتاوى والتشريعات والاراء الدينية التي تقول بضرورة اطاعة ولي الامر. كما ان الشعب في ما يعرف بالسعودية، لا يختلف كثيرا عن العبيد الذين ينسبون الى سيدهم دون ان يحق لهم الاعتراض على هذا النسب غير المشرف. رفض هذا التنسيب الاجباري، يعني منطقيا التخلي عن الجنسية بحكم الواقع. ان هذا الانتساب اصبح مثل اللعنة التي حلت بهم والتي لم يعد لهم تصور كينونتهم بدونها، فان لم يكونوا سعوديين فماذا سيكونوا؟ حتى المطرب محمد عبده وفي احدى احاديثه التلفازية قال لقد كان النبي سعوديا.
فالارض والناس حسب مفاهيم الدين الاسلامي هما ملك صرف للحاكم، يحملون اسمه ويدعون له بالبقاء وبطول العمر، وهو حر التصرف بملكه، بشر او حيوانات او ارض، له ان يقتل ويغتصب ويعذب الرعية- العبيد او ينفيهم ويسقط عنهم حقوقهم التي مَنّ بها عليهم، والعبيد- الرعية لا يملكون سوى الانصياع لفوضى رغباته المجنونة التي هي حسب الشرع الاسلامي امر ينبغي الامتثال له واطاعته حسب النص القرآني.
في الكويت اسقطت الجنسية عن الاحمق ياسر الحبيب لانه شتم عائشة بنت ابي بكر واساء لصحابة محمد. فهل اساءة الادب ومحاولة نقض الاراء الدينية المغايرة بطرق غير مؤدبة توجب اسقاط الجنسية عن المواطن؟
امارات الخليج والسعودية على وجه الخصوص، نسخة مقرفة لا تختلف عن المرحلة العبودية التي اسسها الامريكيون اصحاب البشرة البيضاء واستمرت الى منتصف ستينات القرن المنصرم ولا تزال باقية لحد الان في ذهنية المواطنين البيض، وان كانت قد الغيت قانونيا على عهد الرئيس ابراهام لنكولن، لكن الالغاء لم يكن اقرارا بالمساواة بين البيض وبين السود.
من الملفت ايضا ان القوى العلمانية واليسارية لم تبذل جهودا كافية في نقد فوضى الافكار الدينية انما ركزت كل جهودها الى الصراعات السياسية الموجهة ضد احزاب الاسلام السياسي. ان ذلك، وان كان قد اسهم في فضح نوايا وغايات الاحزاب الاسلامية، الا انه لم يخلق حالة من الوعي المعرفي والادراكي الشعبي لفرز الخبيث من الطيب كما يقول القرآن، ولم يخلق حسا ثقافيا يرفض الفكر الديني الارهابي او المبتذل، ذلك الذي يتدخل في الشئون الشخصية والحياتية للانسان، وكذلك لم يسهم في ارقاء الايجابي والجيد من ملامح الدين الذي يتكيف ومتطلبات العصر الثقافية والعلمية والفنية لتلبية الحاجات الروحية للمواطنين.
لقد استطاع المصريون بثورتهم 30 يونيو 2013 الرائعة، انقاذ الدولة المصرية من المصير المظلم الذي كان ينتظرها لو استمر حكم الاخوان المسلمين، لكانت قد انتهت الى مصير لا يختلف قتامة عن ما انتهى اليه العراق وليبيا وما ينتظر سوريا اذ ما انتصرت مليشيات الذبح والسلخ الطائفي الاسلامية.
انتصار الشعب المصري سياسيا على الاخوان المسلمين يجب ان يقترن بالانتصار الثقافي على فكرهم الرمادي وعلى ثقافتهم الظلامية وخلق حس شعبي يرفض اي ثقافة غير انسانية كما يرفض الجسد اي جسم غريبا لا ينسجم معه.
وفي تونس تقف قوى اليسار والتقدم حجر عثرة في طريق تحويل الدولة التونسية الى مجرد نظام حكم يخلو من القاعدة الحقوقية التي تنظر الى المواطن من منظار الحقوق الانسانية بغض النظر عن الانتماء الديني والقبلي والقومي واللغوي والجنسي.
القوى العلمانية باحزابها السياسية في العراق مطالبة بان لا تقتصر على النشاطات المطلبية او على التصدي الخجول لسياسة النظام الذي انهى الدولة واستولى على كل شيء فيها، يجب ان تكون اكثر جراة في نقد فوضى الصراعات الفكرية الطائفية والتصدي لثقافات التسخيف والتخريف الدينية.
ان القوى العلمانية مطالبة بان تكون هي من يقود الصراع الفكري، هي من يسّوق الافكار ويضعها على موائد النقاش وان لا تسمح للقوى الدينية باخذ زمام المبادرة في نشر ثقافات التخلف وازدراء الانسان.
عليها وحدها مهمة اعادة بناء الدولة التي انشب الظلاميون معاولهم في بنيانها وهدموا احترامها الاعتباري عند الناس وانشئوا على انقاضها اسوار الطوائف وملاذات الخوف.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن