منزلنا الريفي (( 9 ))

عبد الله عنتار
antar1990@hotmail.fr

2013 / 8 / 22


من ينشد الحياة فوق هذه الأرض الموحشة ؟ من يغرد تراتيل المواطنة ؟ هل تخرج الأموات من قبورها ؟ هل تتكلم تلك الأحجار المتراصة ؟ و ماذا عن ذلك القزم الذي يبيع أسرار أرضه دون مقابل ؟
يجلس الطفل فوق الصخرة متكئا على كتبه، و هو ينظر إلى القمر الذي هده التعب، وصاح مناشدا إياه :

- أيها القمر المفعم بالأمل، هلا أخبرتني بأسرار قريتي ؟

سكت لحظة، ثم أتمم :

- أريد أن أعرف من هم الجبناء، ومن هم الشجعان الأفذاذ ؟

و على الفور أجاب القمر :

- ماذا تريد أن تعرف بالضبط ؟

- أريد أن أعرف كنه الماضي، وكنه الحاضر .

سكت القمر، وغاب في شجون السماء، أما الطفل، فقد غرق في ذاكرته، و ها هو الآن يهيم في الأجواء، و يحلق مع العقبان .

***************

يجلس التلميذ- الطفل في القسم، يسأله الأستاذ :

- من أين أنت ؟

- أنا من أرض كرزاز .

يقهقه التلاميذ، فينفجرون حد الثمالة، ويغمز أحد الآخر، فيقول له :

- إنه من ثلاث الكرت !

يرد عليه الآخر :

- أين توجد ؟

- لا أعتقد أنها توجد .

بينما يهيم التلميذ الثالث في الضحك :

- لا يهمنا وجودها من عدمه، اللهم أن سكانها أنذال، ومتخلفون، و لا ينتمون إلى الحضارة ( يطلق هذا الحكم دون أن يعاشر أي أحد منهم )، و لا تعاشر أحدا، إنهم متسخون ولصوص .

يبدأ الأستاذ الدرس، فيحث التلاميذ على قراءة نص يتعلق بتاريخ المقاومة، فيبادر التلميذ القروي بالقراءة، و لما وصل إلى قولة مؤثرة رددها بملء فم الغضب : " إن المقاومة المسلحة التي تصدت للاحتلال الفرنسي ؛ قادها مقاومون قرويون أفذاذ، هذا في المرحلة الأولى، بينما في المرحلة الثانية ؛ قادها أحفادهم ممن سكنوا دور الصفيح بعد أن جردوا من أرضهم "، و في الوقت الذي انتهى فيه، رفع يده، ثم أمره الأستاذ بالكلام :

- يا أستاذ ! إن هذا النص مبتور، فالذي باع القرويين هو المخزن ؛ ألم يتحالف مع الاستعمار ؟ ألم يجرد القرية المغربية من التنمية بعد الاستقلال ؟ إننا نحن من صنعنا التاريخ، فكنا ضحية للتاريخ، إن التاريخ يصنعه الشجعان و يستفيد منه الجبناء ؛ انظر إلى وجوههم ! إنهم يتجاهلون التاريخ ؛ انظر إلى بشرتهم، إنها تفيض حمرة من دماء أبطالنا، أما نحن القرويون، فنتكدس في قسم داخلي أقل ما يقال عنه أنه حولنا إلى إطارات فارغة مثل سجناء الكهوف .

سكت لحظة، ثم واصل :

- لا أعتقد أنك أيها الأستاذ تحمل في صدرك هموم المنسيين ؛ إن الذي يحمل أفكارهم، يرى و هو مغمض العينين .

***************

حط فوق صخرة " مومن "، و بينما هي غارقة في صمتها ؛ راح هو يبتهل :

- أيتها الصخرة العظيمة ! أرجوك أخبريني بما يدور في عمق هذه الأرض .

ردت عليه متهكمة :

- من أنت ؟ هل أنت مستقر أم عبير سبيل ؟ هل أنت ذلك القزم الذي يسرب الأخبار أم أنت ذلك المناضل العملاق ؟

و بعد أن انتهت ؛ أطلق تقطيبة مبتسمة :

- أنت تعرفينني من أنا .

خرجت الصخرة من صمتها، و استيقظت من نومها، وفتحت صدرها، فدخل في عمقها، و هنالك و جد ذلك القزم، ووجد أحد المدينيين العنصريين، كما وجد الإنسان الكرزازي الأبي .

**************

تكلم القزم :

- أنا أكثر الناس ذكاءا، فرغم أني أعيش وسط هذه الجروف، فإنني أبيع الناس دون مقابل؛ إن الناس حشرات، إذا لم تبعهم، حتما سيبعونك، إنهم مجرد " عطايا ؛ كيعطيو غير البراني ؛ علاش منعطهمش أنا، أو نفطر بيهم قبل ما يتعشاو بية "، فأستفيد من أنعام " الجامعي"،و " البيضاوة " ؛ إن دوري هو أكون حثالة ماكرة، أو لنقل ذبابة تتطفل على الأزبال، لا تهمني كرامتي، فجسدي حينما يجوع لا يرحمني أحد غير تملقي .

رد عليه المديني :

- و الله إنك على حق، تاريخكم تاريخ نذالة، كنتم تتضرعون إلى القواد، والأسياد، تبيعون كرامتكم دون مقابل، و ها أنتم تستولون على المدينة، فتبيعون فيها البرتقال، و ترعون فيها الأغنام، و يتكدس فيها الكلاب، تبا لتخلفكم أيها القرويون المنحطون !

و بينما سكت المديني، حتى فصح الكرزازي الأبي عن مكنوناته :

- اسكت أيها المديني الجبان، تاريخك تاريخ خوف، و حياتك يعمها الجبن، ومستقبلك يفتقد للحلم ؛ أ تخبريه أيتها الصخرة الشاهدة أم أخبره ؟ أخبريه عن معركة " الفخاخة " ؛ من يتذكر هذه المعركة البطولية ؟ ومن يتذكر أبطالها ؟ إنها معلمة شيدت أركانها أجساد قروية، وكتبت إسمها دماء قروية ؛ إن هؤلاء الأبطال تصدوا لاحتلال غاشم أراد أن يستولي على الأرض و الزرع، لكن هؤلاء أبوا، فما كان منهم إلا أن قتلوا " بولو " قائد جندهم، فخلدوا ملحمة بطولية لن ينساها أحد سوى الجبناء والعملاء والأنذال ...
أخبريه أيتها الصخرة العظيمة عن هؤلاء الأبطال القرويين الذين دافعوا عن أرضهم ببسالة ضد الاستعمار و العملاء، و ها كم " الشتوكي " نموذجا ؛ أ لم يرد أن يستولي على الأرض بالقوة ؟ فما كان من الكرزازيين الأحرار إلا أن رشقوه بوسائلهم الخاصة دفاعا عن وجودهم....هذا هو بني كرزاز الحقيقي .

سكت لحظة، ثم أتمم :

- يا بني كرزاز الجاثم تحت الصخرة ؛ استيقظ من غفوتك، و اسكن عقول أهلك، وناضل من أجل التنمية المنشودة ؛ لم المستوصفات في قريتك مفقودة ؛ لم المدارس غائبة و الطرقات غير مرصوفة ؟ لم الأزبال مبثوثة ؟ و لم الأحلام المقصوصة ؛ حان أن يعود المجد إلى أهلك، و حان أن يخرجوا من جبنهم، و ما أحوجنا إلى التنوير، و بث العلم و التفكير .

***************
اختفت أفكار القزم، و اختفى الفكر المديني، وتكلمت الصخور، وعاد الكرزازي إلى مجده مرتلا المواطنة و الإنسانية، أما الطفل فقد سار في درب طويل مستقصيا العمق الكرزازي، و ها هو الآن يرقص فوق منزلهم الريفي، و من حين لآخر يتغور عميقا في باطنه لعله يستنهض الأحرار دفاعا عن التنمية المنشودة .

يتبع

عبد الله عنتار - الإنسان -/ 16 غشت 2013 / بني كرزاز - بنسليمان - المغرب .



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن