هل من الحكمة المطالبة بإلغاء معاش البرلمانيين والوزراء السابقين؟

إدريس ولد القابلة
okdriss@gmail.com

2013 / 6 / 23

اعتبارا لواقع الأزمة العميقة التي تعيشها بلادنا أليس من الرشد ومن قبيل تكريس الحكامة الجيدة المناداة لحملة لإلغاء معاش البرلمانيين والوزراء السابقين؟
يوما بعد آخر تتصاعد مؤشرات العجز الفظيع في مختلف مجالات الخدمات الاجتماعية جراء ما عرفته المؤسسات العمومية وثروات الشعب من سطو ونهب، والأدهى والأمر أن هذه الجرائم الاجتماعية والاقتصادية أقترفت ، مع الأسف الشديد، بشكل قانوني من خلال تشريعات أصدرتها مجالس النواب على امتداد فترة طويلة ، وبخاصة تلك التي ضمنت استمرار النهب وضمان امتيازات أعضاء مجلس النواب الذين تركوا مهامهم الأساسية في إصدار تشريعات تخدم الطبقات الفقيرة من ناخبيهم فأصدروا تشريعات تضمن لأعضائها وللناهبين الكثير من المكاسب والامتيازات . وظل يحدث كل هذا في الوقت الذي يعاني فيه المجتمع أوضاعا اقتصادية واجتماعية سيئة وتردي كبير في الخدمات.
ففي الوقت الذي ظلت تتمتع فيه القلة القلية من المجتمع بثروات المغرب ، تعيش الأغلبية حالة الفقر والفاقة والفوارق الطبقية الكبيرة، إذ يعيش الكثيرون تحت خط الفقر ويعيش العديد بيوت الصفيح والسكن غير اللائق وهوامش في ظل انعدام الخدمات الضرورية ، فضلا عن عشرات آلاف من الشباب الذين يعيشون حالة البطالة والفقر "المستدامين". في هذا الوقت تقاعد النواب والوزراء السابقين تكلف خزينة الدولة الملايير ومع تتابع الدورات الانتخابية وتناسل الحكومات ستتضاعف الأرقام بشكل خيالي . وهذا سيظل من الأسباب الهيكلية للظلم الاجتماعي وعدم تكريس العدالة في تقسيم الثروة ، فليس معقولا ان يكون تقاعد البرلماني مقابل خدمة 4 سنوات ، أكبر وبكثير من وراتب موظف خدم 30 أو 40 ليحظى في آخر المطاف بمعاش لا يعني ولا يسمن من جوع في ظل غلاء أسعار فاحش ، وخدمات اجتماعية متردية ؟
حقيقة لا يمكن نكرانها... لازالت أموال الشعب تصرف بشكل موصوف بالتبذير في أمور لا تخدم مصالح أوسع فئاته، سيما ونحن في أزمة خانقة وضائقة مالية، ها هو كريم غلاب، رئيس مجلس النواب، يوزع الملايين على بعض معاونيه، وهي ملايين مغترفة من مال الشعب. وعندما طُلب منه الكشف عن المستفيدين من هذه الإكراميات امتنع ورفض، فهل ليس من حق الشعب معرفة كيف وعلى من تُصرف أمواله؟
كما أنه قد ظلت المنح التي يستفيد منها الوزراء السابقون، الذين تعاقبوا على السلك الحكومي المغربي، تعتبر كونها ليست مدرجة ضمن القوانين المنظمة للوظائف والمناصب العمومية بالمملكة، إنما تمت عن طريق العطف الملكي الذي خص به الملك الراحل الحسن الثاني هذه الفئة من خدام الأعتاب الشريفة، إلا أن الأسئلة سبق وأن كانت تحوم حول هذه المنحة المخصومة من المال العام، وكبرت دائرة السؤال مع توالي الأيام وكثر الجدل حولها، لدرجة اعتبرها البعض ثمنا لإخراس الألسنة داخل أفواهها، فيما أرجعها البعض الآخر إلى السياسة المتبعة من طرف النظام السياسي القائم في إدماج النخب بشكل مستمر في دائرة حكمه. لكن مهما يكن الأمر، إنها في العمق شكل من أشكال استنزاف أموال الشعب بطرق غير مقبولة ولا معقولة، في حين سبق وأن تدفع أصوات من بين الوزراء السابقين أنفسهم بالدعوة إلى تقنين طرق الاستفادة من هذه المنحة عن طريق المؤسسة التشريعية على اعتبار أن ما قاموا به من مهام وزارية يدخل في إطار تقديمهم خدمة للمجتمع، وأن من حقهم على هذا الأخير الاعتراف بهذه الخدمة عن طريق صرفه منحة لفائدتها. وكثيرة هي علامات الاستفهام المرفوعة أمام الرأي العام الوطني المغربي، بخصوص استمرار استفادة الوزراء السابقين من شهريات مالية تخصم لهم من مال الشعب، وغالبا ما تضاربت الآراء بين عدم أو أحقية هؤلاء المنتمين للسلك الحكومي المتعاقب على المغرب على امتداد مساحة استقلاله، في الاحتفاظ بالرواتب التي كانوا يتقاضونها عن المهام التي كانوا يقدمونها داخل الأجهزة الحكومية السابقة. هناك فعاليات من الطبقة السياسية الوطنية ترى أن من حق هؤلاء الوزراء الاستفادة باستمرار صرف رواتبهم بعد إنهاء مهامهم الوزارية على اعتبار أنهم قدموا خدمات للمجتمع من خلال مشاركتهم لفترة معينة في تدبير الشأن العام الوطني من خلال تواجدهم داخل المجلس الحكومي ومجلس الوزراء، شأنهم في ذلك شأن البرلمانيين المغاربة الذين يتقاضون معاشات عن خدماتهم داخل المجلس التشريعي، بعد انتهاء مدة انتدابهم ومغادرتهم قبة البرلمان، خاصة وان المهام الحكومية تبقى صعبة قياسا مع نظيراتها داخل مجلس الشعب، بحكم حجم المسؤولية وتبعات المهام الوزارية وجسامتها إلا أن فريقا آخر من نفس الطبقة السياسية بالبلاد، يرى في استمرار استفادة الوزراء السابقين شكلا من أشكال الاستفادة غير المشروعة كونهم يتقاضون أرقاما مالية تصل إلى 30 أو 40 ألف درهم شهريا عن مهام لا يقومون بها، بمعنى أنهم يأخذون رواتب شهرية عن خدمات قاموا بها منذ سنوات خلت، ولو لم تدم مدة استوزارهم شهورا قليلة خاصة وأن هذه المنحة كانت في البدء غير مبررة قانونيا، وتصرف في الظل وخارج الحسابات التي تعرضها الميزانية العامة للدولة أمام مجلس الشعب، أي أنها لا تصرف بشكل واضح وشفاف يجعل منها امتيازات مقرونا بتبرير علني، الشيء الذي جعل منها حصة مالية تصرف من المال العام في ظروف تلفها الضبابية والغموض ويطبعها الكتمان والسرية، خلافا لمعاشات البرلمانيين التي وإن كان فيها نظر حسب رأي الفعاليات السياسية نفسها، إلا أنها مشرعنة من قبل المجلس التشريعي رغم الانتقادات التي صاحبت عمليات تمريرها من طرف نواب الأمة، كما أن المنحة المخصصة للوزراء السابقين. ففي البداية لم تكن مرتبة في أي صندوق من الصناديق الحكومية، فقط تصرف تطبيقا للأمر الملكي الصادر في مطلع التسعينيات من طرف الملك الراحل الحسن الثاني، وأصبحت بموجب هذا الأمر تقليدا شهريا تستخلص بموجبه عشرات الوزراء حصصا مالية متفاوتة من خزائن وزارة المالية. هذا إلى أن تم إصدار ظهير بهذا الخصوص.
ولطالما اعتبر الكثيرون أن مبرر استمرار استخلاص هؤلاء الوزراء لمبالغ مالية بعد إعفائهم من مهامهم، لا يملك أي سند مقبول، ويبقى بعيدا إلى حد كبير عن منطق المعقول ، لأن الراتب أو المنحة تسلم بناء على مهام سارية المفعول، وليس على مهام انتهت منذ سنوات، الشيء الذي يجعل من هذه الاستفادة لغزا كبيرا، لما يلفها من تعقيد وضبابية. إضافة إلى أن المالية العمومية ظلت تعيش انتكاسات وأصبحت مقرونة بالتقشف في ظل التراجع الاقتصادي الذي عرفته البلاد في العقد الأخير، مما يجعلها في حاجة ماسة إلى ترشيد وعقلنة وتدبير مركز لكل درهم عمومي، ويبعث على التدقيق في كل النفقات التي تشكل عبئا عليها، وفي مقدمتها هذه الأقساط المالية الضخمة التي تحصدها فئات الوزراء السابقين، وبدون أي خدمة في المقابل، لا لشيء إلا للحفاظ على "البريستيج".
وبخصوص النواب يرى الكثير من المغاربة أن طبيعة الامتيازات المخولة للبرلماني، بالنظر إلى حجم العمل المقدم تبدو جد مرتفعة و غير مستحقة. و الذي حز في قلوب هؤلاء فعلا، في السنوات الأولى من القرن الواحد والعشرين إصرار نواب الأمة على المطالبة بالزيادة في رواتبهم وامتيازاتهم، وذلك في مرحلة ظلت فيها الحكومة تنادي و لازالت بإقرار سياسة ترشيد النفقات و التخفيف من عجز الميزانية و التقليص من المديونية الخارجية للتحكم في التوازنات المالية الكبرى، و كأن برلمانيي المغرب الذين مهمتهم صنع القانون، لا تهمهم وضعية البلاد و ضائقتها المالية، إذ آنذاك كانت المؤسسات المالية الدولية تلح على تقليص الأجور و التعويضات و تقريب الهوة بين فئات مسؤولي و موظفي الدولة في هذا المجال. علما أ، هذه المطالبة والقرار بتفعيلها جاءا في ظرفية لم يفهم فيها الرأي العام المغربي مدى مصداقية هذا القرار و معقوليته لا سيما و أن هناك فئات واسعة من الموظفين و الشغيلة مازالوا لم يتمكنوا حتى من ضمان أجور توفر لهم الحد الأدنى الفعلي لمواجهة الضروريات الحيوية للحياة. و ذلك علاوة على أن القرار أتى في ظرف ظلت ترتفع فيه الحركات الاحتجاجية للمعطلين حملة الشهادات. و بالتالي فكيف يمكن للرأي العام أن يفهم مثل هذه القرارات العبثية في نظر الكثيرين، ما دامت الحكومة غير قادرة على إيجاد مناصب شغل للمعطلين في القوانين المالية المتعاقبة، لكنها كان في قدرتها إضافة تعويضات لــ 325 نائب و نائبة و 270 مستشارا هم في غنى عنه لأن الوكالة النيابية و التمثيل السياسي بين الناخب و المنتخب يدخل في إطار علاقة دستورية تتأسس أولا وقبل كل شيء على المصلحة العامة و الشأن العام.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن