خيانة

علي أحماد

2013 / 6 / 22


سارت في ذلك اليوم من ايام الربيع بخطى واثقة حثيثة تتبع مسارا رسمته لخطواتها كقطار لايحيد عن سكته ولايزيغ عنها وإذا مال عنها كانت الفاجعة! دأبت أن ترد على كلمات المارة الذين يعاكسونها ويتحرشون بها ويتغزلون بمفاتنها بلا مبالاة مفتعلة وبغفلة مصطنعة فتتورد خدودها ويتهلل وجهها نورا كالبدر ليلة تمامه، ورغم ما تحسه من حرج وماتعانيه من ارتباك وخجل إلا أن وقع الكلمات في أذنيها يدغدغ خيالها ويشعرها بأنوثتها فتتعثر في السير وعينيها في الأرض كأنها تبحث عن شيء ضاع منها. في جيب جلبابها بلون الفستق تضع هاتفها الخلوي كلما همت بالخروج وقد جعل لها الخياط جيبا على المقاس موضة العصر( العالم الجديد الذي يناديها) تتحسسه وتلامسه بحدب وحنان كأنها تمرر يدها على شيء ثمين شغفها حبا ، كم يسحرها بعيونه المتقدة كجمرات في مهب الريح ويفتنها بشاشته الملونة وهي تعرض أيقونات بديعة الشكل بشتى الوان الفصول الاربعة...!! لكن جهلها أبجدية القراءة والكتابة جعل سدا منيعا بينها وبين تعاملها مع هذا الجهاز العجيب تعامل العارف بأسراره، الذي فتح أبواب الإتصال بين الناس وقرب المسافات بين العشاق ونقل الأخبار وأطفا مشاعر اللوعة وحرقة الفراق وأجج العواطف ، لكنه يتحول بين يديها أغلب الأوقات الى حديدة باردة بدون روح لاتعدو أن تكو ن ديكورا يؤثث فضاء البيت أو يملأ راحد اليد . منذ مدة وهي تسعى- متلهفة- الى امتلاك هاتف كغيرها من بنات حواء ، وقد راودها في الحلم واليقظة لأنه صار عنوان رفعة وعلو شأن وبدونه هي وضيعة في زمان يقاس فيه قدر الناس بما يملكون من متاع الدنيا وزينة الحياة ، وامتلاكه سيخمد شرارة نار تشتعل وتتأجج بداخلها. الحت على زوجها وسعت الى إقناعه بشتى الوان الحيل والتذلل وأمام هذا الإصرار تنازل لها عن هاتفه دون أن يغير الرقم، وإن كان في قرارة نفسه يمانع وفعل مكرها لأنه مقتنع ان الجهاز وجهين لعملة واحدة وجه النعمة ووجه النقمة وسر البلاء ومصدر المفاسد. ولكنها شديدة الحرص على شرفها والخوف على سمعتها، فالأعين ترصد الحركات والسكنات والألسن تلوك سيرة الآخرين في السر والعلانية، تنبش المستور، تعري المطمور وتزيد على المكشوف. قد وهبها الله جمالا فتانا، قدا ممشوقا وأنوثة صارخة وجسدا مشتهى. أينما حلت تجذب النظرات التي تنهشها وتبث فيها سموم الشهوة. لاتبرح دارها إلا لضرورة ملحة أو لأمر عاجل..تلبي نداء أو تستجيب لدعوة، تعود مريضا و تزور قريبا أو تصل رحما. تخشى كلام الناس وتهاب ما يخدش كرامتها أوينال من شرفها والزوج كثير الغياب دائم السفر، والغيرة تنخر العقول وتتعب القلوب والظنون إذا عششت في الرأس تغذي الوساوس ...وثقته فيها لابد أن تبقى في محلها وتكون أهلا لها فهي في نظره زوجة وفية صالحة ومخلصة ولايجادل إثنان في استقامتها وتقواها.
بعد خطوات سمعت رنين الهاتف خافتا كصوت صوص يتضور جوعا ، بحركات عفوية ومضطربة أخرجت الهاتف من جيب جلبابها وهي تنصت الى دقات قلبها يكاد يخترق ضلوعها، تتسارع وتعلو كدقات منبه قديم.. تلفتت يمنة ويسرة لعله هاتف أحد المارة ينزعها من حيرة تتخبط فيها. توالى الرنين يعلو ويعلو، وتيقنت هذه المرة أنها رنة هاتفها ولن تنساها وستشم ذاكرتها الى الأبد فقد وخزت أذنيها وأرجفت قلبها وطبعت عقلها.عمدت الى الزر تضغط عليه بأصابع ترتجف ومشاعر تهفو الى سماع مخاطبها وكل جوارحها أمل أن يكون زوجها فقد هفت اليه نفسها واشتاقت اليه .
قبل أن تنبس ببنت شفة وتبدأ بكلمة "آلو"بصوت مبحوح جاءها صوت جهوري يتدفق كشلال هادر رمى بها في لجج الحيرة أخرسها وألجمها. توسل إليها المخاطب أن لاتغلق الخط فحديثه يستحق أن تسمعه وتعيه ففضلت ان تشبع فضولها وتتبع القصة الى منتهاها. أكد أنه لايعرفها ولايعرف زوجها ولا هو من أولئك الذين يختارون أرقاما بالصدفة وينسجون علاقات عبر الهاتف ، وعبر عن صدمته عندما وجد على الخط امرأة وهو متيقن أن صاحب الرقم رجل . .. إن زوجها وهو متيقن أنها أمية لم يعمد الى العبث بذاكرة الهاتف رغم أنه ولشدة حرصه إتخذ لأسماء الإناث رموزا... بدأ الشك يتسلل الى المخاطب في سلوك زوجته الى أن وجد هذا الرقم مدون في ورقة بحاجياتها مقرونا باسم رجل. لم تصدق ماسمعته أو لم تشأ أن تفعل وأحست مع ذلك بدوار وضبابية الرؤيا ووهن يعتري كل الأطراف وبجفاف في الحلق... استجمعت مابقي من قوة واعتذرت وأغلقت الخط. أربكتها المكالمة وظهر الشرخ عميقا والجرح غائرا والخيانة عنوانا ورمزا للرجولة ومطلبها الأبدي...والمرأة على كل معصية قادرة !!





http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن