الثورة المغدورة: انحطاط اليمين وبؤس البديل

عبد المجيد السخيري
skhairiabdelmajid@gmail.com

2013 / 6 / 5

تنبيه: هذا النص نشر بمجلة "نوافذ"الفصيلة المغربية،العدد المزدوج 45-46،نونبر 2010(الصفحات من 133 إلى 146)،فيما كتب في الأصل قبل ذلك بأزيد من عام ونصف،كما أوضحت في "التقديم" الذي أدرجته مع النص المنشور،ويجده القارئ الكريم هنا كما هو دون تغيير.وإذ أستأذن المجلة،لإعادة نشر المقال هنا استجابة لدعوة إدارة "الحوار المتمدن" للمساهمة في ملف "القضية الفلسطينية،آفاقها السياسية وسبل حلها"،أنبه إلى ضرورة الإحالة على المرجع الأصلي وصفحاته.
تقديم لا بد منه
النص، الذي يلي هذه الملاحظات، هو في الواقع عبارة عن تأملات كتبت قبل العدوان الصهيوني الهمجي على قطاع غزة سنة 2009،وبالضبط أياما قبل حلول الذكرى الستين لاغتصاب فلسطين.لم تكن هذه الذكرى الأليمة هي الدافع إلى كتابتها وحسب،وإن كانت مناسبة سانحة لهذا النوع من التمرين العقلي والتأملي،بقدر ما حفزنا على ذلك ما كان يجري على الأرض من صراعات الإخوة الأعداء، وصلت إلى حد تغيير اتجاه السلاح المقاوم من العدو إلى أجساد المقاومين أنفسهم،في مشهد السباق المجنون إلى السلطة بين حركتي فتح وحماس،والإصرار على تثبيت المكاسب السياسية الخاصة بكل طرف،بعدما تأتى لكل منهما السيطرة على أجزاء صغيرة من وطن كبير ضائع،وهو المشهد الذي أثار،من الجهة الأخرى لرؤية الأحداث،مشاعر السخط والحزن لدى قطاعات عديدة ومتنوعة من الرأي العام العالمي وأنصار القضية الفلسطينية في أرجاء المعمور.طبعا لم تكن هذه المرة الأولى التي يتقاتل فيها الفلسطينيون فيما بينهم على مرأى ومسمع من الأعداء والأصدقاء والحلفاء( وهو أمر لا أعتقد أنه شاذ وقد يحدث في كل التجارب الثورية عندما تشتد وتتعمق التناقضات بين قوى الثورة وتطغى على التناقض الرئيس مع العدو)،لكني أعتقد أنها الأولى التي نشهد فيها مواجهة دموية بين قوتين أو خطيين سياسيين لا يقدمان، في نظري، للشعب الفلسطيني وثورته سوى خيارات بائسة لا تسمن ولا تغني من فعل التحرير.فليس من الثورة في شيء أن يسيل دم الفلسطيني هباء لأجل إرضاء متعطشين للسلطة ومتهافتين لتحصيل نصيبهم من فتات "أوسلو" مع الاستمرار في الكذب على الشعب بشعارات أخلاقية ودينية والحرص على تقديم أنفسهم كملائكة و مبعوثين من السماء،أو دفاعا عن فاسدين ذاع صيتهم في التقارير السوداء وما عاد يصدق أكاذيبهم سوى قطيع الأغبياء،وكأني بشعب لم ينجب سوى تجار الدين أوثوار العلب الليلية لكي يعيدوا له الحلم المغدور والوطن المنكوب؟
إن هذا النص أيضا، باعتبار زمن كتابته و طابعه التأملي المركز،لا يدعي،من جهة أولى،الإحاطة بمشكلات الثورة الفلسطينية ولا إعطاء الدروس لأحد في هذا المضمار،بقدر ما يسجل موقفا صريحا من مصير هذه الثورة والمعادلة البائسة التي ترتسم في حقلها الراهن في شكل تجاذب مانوي للقوى لا يترك سوى إمكانية الاختيار بين الأسوء من البدائل،وهو،من جهة ثانية،ليس معنيا بأخذ حسابات الظرف الزمني على محمل البحث،ولا بمراعاة مشاعر المقاومين في لحظة المواجهة والصمود،والتي تفرض،من باب الاحتياط،تعليق النقد الجذري لقوى المقاومة لكي لا يؤخذ في مثل هذه الأحوال بجريرة تثبيط العزائم والتقاطع بالتالي مع خطابات "الغدر والطعن من الخلف" التي تزخر بها منشورات المتواطئين مع العدو.. ولو أنه في الوضع السليم لا يكلف النقد المقاومةَ سوى اكتساب الدروس والحس السليم والرؤية السديدة للأوضاع،ومن ثم إمكانية تصحيح المسار ورتق الثقوب والثغرات والقدرة على التجدٌّد والتصلب( لا الانغلاق والتزمت). وهو في حالة الظروف الحرجة التي تمر منها الثورة الفلسطينية أكثر من مطلب عقلاني وعاجل.فلم يعد من المقبول لا سياسيا و لا أخلاقيا التذرع بالمصالح الوطنية العليا ووحدة الصف وتمتين الجبهة الداخلية،لأجل الالتفاف على الأخطاء والانحرافات كما اعتاد فعل ذلك حفارو قبورالثورات من البيروقراطيين المتنفذين وثوار المقاعد الوثيرة..
لم أقرأ باهتمام كبير ما دبجه أثناء العدوان محترفو النواح والمتباكين ولا الشامتين الذين تعج بهم هذه الأيام الصحف والشاشات الفضائية.فأنا أمقت صراخ وشكوى المتذللين الذين يصرون على تصديق غبائهم وأوهامهم،من الذين راهنوا صادقين أو منافقين على مجد الأمة الغابر لعله يعود فينوب عن تقاعسهم وهزيمتهم،بذات القدر الذي أشفق على حال المهزومين من النوع الآخر،وهم يتضرعون إلى أسيادهم لكي يسارعوا إلى خلاصهم من "المجاهدين"،والذين كثيرا ما أثنوا على بطولاتهم و نصبوهم بين أحرار العالم بالأمس،لما كانت بنادقهم موجهة صوب الجيش الأحمر في القفار الأفغاني ؟
لكني قرأت ما تيّسر من نصوص من أقاسمهم التسلُّح بالحس النقدي في تناول الأحداث في لحظتها الساخنة،وأشاطرهم الثبات على الموقف العقلاني في لحظات الجموح العاطفي،والتشبث بالقناعة السياسية إذا ما انتصرت الجموع والحشود لتحيُّزاتها ولأجواء العصر.على أني وجدت أن بعضا من تلك النصوص لم تسلم في بعض الأحيان من شوائب التورط اللاعقلاني في اندفاع الجماهير الغاضبة إلى حضن التيارات الشعبوية المكتسحة للشارع،فاستعارت الكثير من تعابيرها وشعاراتها الرائجة وأفكارها الانفعالية واسقاطاتها العاطفية(1)،لتتقلص فيها بذلك المسافة النقدية بين عقل المثقف المتيقظ،والمخزون العاطفي المشروع للجمهور غير المنظم،والمعرَض اليوم لتأثير الأجهزة الإعلامية الأكثر خضوعا للمعايير التجارية، وبالتالي الأكثر هرولة نحو تجييش الجموع لأجل اشتثمار أقصى لعائدات هتافاتها وصرخاتها وشتائمها للأنظمة على الشاشات في استقطاب المزيد من الوصلات الإشهارية.والحال أني لم أجد فيما قرأت ما يدعوني لمراجعة أي مما دونت من أفكار بخصوص بؤس الخيارات التي تشتق من التركيب العقلي والسياسي المهيمن على مصير الثورة الفلسطينية،بل وجدت في بعض ما نشرته مجلة الآداب مثلا،في أعقاب العدوان على غزة 2009 ،ما يصُب في المنحى النقدي نفسه،على الأقل من جهة التشخيص الموضوعي لأحوال المقاومة الفلسطينية ومكامن الضعف في استراتيجتها على ضوء معطيات"عصرها" والتركيب الدولي للقوى المؤثر،( عمر البرغوثي:التحرر في زمن الفوسفور...الآداب - العدد 1-2-3 السنة 57)،بالإضافة إلى ما سجلته افتتاحيات سماح إدريس من مواقف نقدية في الكثير من المناسبات إزاء قوى التحرر والمقاومة في المحيط القريب للثورة الفلسطينية،ومقالته التأملية في العدد المشار إليه أعلاه (الحرب على غزة: شظايا تأملات.)،حيث مسلك النقد المزدوج للمقاومة ومنطقها،والمهزومين وادعاءاتهم وزعيقهم المثير للشفقة، يتيح اكتشاف رؤى بديلة في الأفق،غير خيارات الأمر الواقع.فيما لم تخل مقالة يسري الأمير في العدد نفسه( أرض محروقة) من ملاحظات ذكية مركزة ووجيهة،بالخصوص فيما يتعلق بمفهوم النصر ومعنى الانتصار على عدو يحتكر القوة المتجردة من كل أخلاق،هذا إن كان للقوة الغاصبة أخلاقُُ أصلا، والأسئلة المشروعة عن الهوية المستقبلية للمقاومة،أي برنامجها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي بعد التحرير،في ضوء نوع المجتمع الذي تريده القوى القائدة للمقاومة والنظام السياسي الذي تبشّر به،والذي قد يبدو غريبا عن الروح الأسطوري للمقاومة وبطولات المقاومين وبسالتهم وتضحياتهم.لذا وحب التنبيه.
النــــص:
مارست الثورة الفلسطينية منذ انطلاقها ذات زمن بعيد (أواسط ستينيات القرن الماضي بالنسبة لشكلها الحديث)، استقطابا سياسيا وثقافيا قويا داخل رقعة ما صار يعرف بالعالم العربي،بذات القدر الذي تفاعلت فيه هذه الثورة نفسها مع حركة الاستقطاب الإيديولوجي والسياسي على الصعيد العالمي.وليس من قبيل الاختراع، القول أن الاتجاه العام لهذا الاستقطاب كان يصب في الدائرة الواسعة لليسار بمختلف تياراته الفكرية وتكييفاته المحلية والقومية،وهو ما تجلى واضحا في شتى أنواع الإبداع الفني والأدبي،والفعاليات الثقافية والسياسية لحركة التضامن التي رعتها في الغالب المنظمات السياسية والثقافية والطلابية ذات الخلفية اليسارية.فعلى المستوى الفني والإبداعي أثمر الحضور الرمزي للثورة الفلسطينية والإنهمام الكبير بقضاياها واستراتيجيتها وإمكانات نجاحها واستمراريتها ودروس إخفاقاتها وأشكال الصراع والكفاح التي طورتها منظماتها السياسية والعسكرية، إضافة إلى جاذبية وسحر إبداعات مثقفيها وفنانيها وأدبائها في شتى الميادين والحقول،كل ذلك أثمر "أدبا فلسطينيا" خارج دوائر الفعل المباشر للثورة،من توقيع مبدعين من جنسيات مختلفة ،فلسطينيي الروح،وأحيانا كثيرة أكثر فلسطينية من الفلسطينيين أنفسهم،أدب مشبع بالآمال والأحلام والتفاؤل بغد أفضل، حيث الرموز والذاكرة والتراث الفلسطيني بأبعاده المادية والرمزية،والأسماء بحمولتها المجازية وإحالاتها الحقيقية حاضرة بكثافة في القصيدة والرواية واللوحة والأغنية،حتى أن الكثير من هؤلاء المبدعين سيجدون صعوبة في استعادة رموز ثقافتهم المحلية وإعادة بناء علاقتهم من جديد مع ذاكرة وتراث بلادهم عندما حلّ المساء وحان وقت العودة إلى البيت،وممارسة طقوس اكتشاف الذات كما يحلو لبعضهم أن يقول اليوم، فيما يشبه التكفير عن ذنب ارتكبوه.وكيف لا يفعلون وعصر الثورات ولّى؟ فالثورة لم تعد مُلهمةً للخيال ولا أفقاً للحلم ولا شكلا للوجود كما كانت.ورغم أنها لا تزال قائمة في فلسطين بالمعنى المادي،فإنها كمخيال شارفت على الأفول،أو هي بالأحرى انتهت إلى سلطة بيروقراطية فاسدة.وهكذا وجب أن تتحول "خيبة الثورة" إلى مادة للسخرية في أشكال من الإبداع لم يعد يتسع سوى لأحلام صغيرة تخطُّها ذات منهكة ومحبطة، أضحى كل همها التخلص من أشباح الماضي ومطاردة كوابيسه وممارسة التطهُّر العلني في نوع من الكتابة هي أقرب لطلب الغفران وسلخ الذات منها إلى النقد الذاتي.
1- من المثال إلى التاريخ: مصير ثورة.
بلغت فاعلية الثورة الفلسطينية في الوجدان العام للجماهير في البلدان العربية على الخصوص،ولأسباب ثقافية ودينية، مستوى مذهلا،ليس فقط بما كانت تثيره أخبارها القادمة من لبنان والأردن وباقي مناطق الشتات من اهتمام وردود فعل عاطفية،وتوريط وجداني ونفسي للمتعاطفين من خلال انغماسهم في أدق تفاصيل صراعات أجنحتها والتخندق الفكري في مواقع فصائلها، وتبني مواقف منظماتها في سجالات داخلية،وتتبع يوميات عملياتها العسكرية وسير قياداتها البارزة والمغمورة، بل وفي صيرورتها شخصية وطنية يتلبَّسها المغربي والتونسي والمصري وغيره في كل المناسبات إلى درجة التماهي أحيانا بالشخصية الفلسطينية،( لنتذكر الحضور الرمزي للعلم الفلسطيني في الفعاليات الجماهيرية للقوى السياسية والمنظمات الاجتماعية والثقافية في كثير من البلدان العربية).فقد احتلت الثورة الفلسطينية مساحات واسعة من انشغال المناضلين والمواطنين البسطاء وصارت بؤرة الأحاديث والتحليلات والتنظيرات المنعقدة في حقل ما كان يشار إليه بحركة التحرر الوطني. وبالنسبة لليسار الثوري الصاعد بعد هزيمة حزيران 1967 ستكون الثورة الفلسطينية طليعة ثورة عربية مأمولة تمتد من المحيط إلى الخليج،حسب الخطاطة القومية المتسللة إلى صفوف تيار سياسي نظري يفترض فيه التحرر من أسر طرح قومي برجوازي يتعامى عن التنوع الإثني والثقافي الذي يخترق كيان الأمة كما تصورها مثاليا موحدة متماسكة لا يأتيها الباطل من الاختلاف؟
فالتهيليل والتقديس أحيانا التي حظيت به الثورة الفلسطينية كرس لها ليس صورة مثالية عن أدوارها وإمكانياتها التاريخية وطبيعة القوى الفاعلة فيها وتركيبها الاجتماعي شديد الخصوصية فحسب،بل أسهم في تغييب كل أنواع التعاطي النقدي مع تجربتها التاريخية- مع استثناءات قليلة -سواء من قبل رجالها ونساءها أو من طرف حلفاءها والمتعاطفين مع قضيتها المشروعة.ولعل ذلك ما شجع على اندفاعها أحيانا إلى المغامرة بلعب أدوار داخلية بدلا من القوى الوطنية في بلدان الشتات،مما جرّ على الشعب الفلسطيني ويلات ومعاناة إضافية كما حدث في الأردن(أيلول الأسود) وفي لبنان قبل الاجتياح الإسرائيلي وخروج المقاومة. فقد تحول العطف المتضخم والمديح المبالغ لإبداعية الثورة إلى مصدر غرور لبعض قواها إلى درجة إدعاء الفرادة والتميز والترفع عن المحاسبة عند ارتكاب الأخطاء وسوء التقدير،مستغلة الغلبة العاطفية في أجواء الشارع العربي، ودون الحذر من الأضرار التي تترتب عن الانسياق وراء الشعارات النابعة من الحس القومي والديني لشعوب مقموعة ومكبوتة بل وعاجزة عن مواجهة الاستبداد الداخلي ببلدانها.ذلك أن إغفال قوانين التاريخ والصراع والأساليب الملائمة للكفاح وعدم استحضار عقلانية الأحداث التاريخية الكبرى، مثل الثورات،غالبا ما يأسر أصحاب القضية في الانتظارية والمراهنات الخارجية أو المزايدة بالشعارات العاطفية.وقد خسر الفلسطينيون كثيرا بمراهنتهم على المعارك البلاغية التافهة للعرب ولا يزالون،حتى أنهم لم يأخذوا العبرة من الصرخة المجازية الجميلة لشاعرهم الكبير محمود درويش"أنقذونا من هذا الحب"،ولا الدرس من تقييمات مثقفيهم الكبار أمثال إدوارد سعيد الذي سبق له أن نبّه من خطورة الارتكان إلى مزايدات الشارع اللاعقلانية أحيانا والاطمئنان لمناصرة شعوب مدججة بالعواطف الجياشة إلى حد التخمة، والتي سرعان ما تنقلب إلى حالة من الخمول النفسي والكسل العقلي،بل إن هذا المفكر اللامع ذهب إلى حد القول أنه ليس هناك من عدو أسوء للعرب بقدر بلاغتهم المشؤومة.أوليس ما نتابعه اليوم على شاشات بعض الفضائيات العربية، التي تقتات على آلام الضحايا وتعتاش من ويلات الحروب،من مواجهات تتسلح بالبلاغة لصنف جديد من ثوار الأثير، يمارس البطولة بالصراخ التلفزي وسبك المفردات الشعبوية المشحونة بالعواطف القومية والدينية،دليل صارخ على التمادي في المنطق نفسه وعدم مبارحة النزعة الخطابية البطولية المتعالية على حقائق الواقع (دون أن يعني ذلك بالضرورة التسليم بالأمر الواقع وإعلان الهزيمة)،التي أُبتلي بها العرب كأنها الشكل الملائم لوجودهم، والنطاق الوحيد الذي يمارسون فيهم شهامتهم المزعومة،أو كأنما أقسموا أن يرابطوا هنا ولا يبرحون.ففي كل القضايا العادلة لمحيطهم "القومي" تغزو البلاغة العاطفية مساحات التعبير الشعبي كما خطابات النخب،إلى حد أن الطغيان الفظيع للعاطفة الذي عشناه صيف 2006 أثناء العدوان الإسرائيلي على لبنان،من خلال ما تناقلته وسائل الإعلام من فعاليات شعبية ومسيرات تضامنية،إضافة إلى التصريحات والمقالات النارية لكتاب ومثقفي المآسي،سمح بنوع من التواطؤ بين الاستغلال التجاري للمخزون الثقافي والرمزي للشعوب والجماعات المتضامنة من جهة، وعودة المكبوت الديني والقومي بعد سنوات من الانكفاء والانطواء من جهة ثانية، للدفع بنزعة شعبوية محافظة إلى الواجهة على حساب تطوير حركة مقاومة بأفق عقلاني تحرري وتقدمي،وهو ما سيعمق في الداخل "القطري" تدهور الممارسات السياسية واستسلام الأفراد والجماعات لإغراءات الشعبوية المتحالفة مع الأصوليات الرجعية.وها هنا أيضا يتوجب عدم الخلط بين الحق في التعبير العاطفي عن الأحاسيس الإنسانية كالنجاح والانتصار على العدو المعتدي،الذي لا يتعارض في شيء مع العقلانية في مجالاتها الخاصة، وبين الصياغة الشعبوية التي تجعل من العواطف بمعناها الواسع حقل استثمار دائم ومفتوح على كل أنواع الدغدغة ، وفي خدمة أهداف متعددة إن لم تكن متعارضة.وهو الفرق أيضا بين الإعجاب،في المثال السابق،بالتصدي الباسل للمقاومة اللبنانية بالقيادة السياسية والعسكرية والإعلامية لحزب الله للعدوان الإسرائيلي المدمر،وبين الصور والخطابات التي راهنت على بثّها الشعبوية وسط الحشود من الزاوية الضيقة لرؤيتها للعالم البالغة التبسيط والتسطيح (فقد بلغ الإعجاب أحيانا بقائد حزب الله مستويات من الهذيان غير مسبوقة،جعلت امرأة تكبّر: لا إله إلا الله... حسن نصر الله؟وهو افتتان صنعته الخطابات العاطفية التي من النوع الذي اعتاد اختزال القوة الكفاحية للقواعد الشعبية في المزايا الخارقة للقائد الهمام؛ أي ببساطة عبادة الشخصية ).لا ننفي أن حركة التضامن الواسعة التي اكتسحت الشارعين العربي والإسلامي،إلى جانب احتجاجات قطاعات واسعة من الرأي العام الدولي،أوجدت مناخا تعبويا كشفت أهم شعاراته عن وجود تداخلات سياسية وثقافية مع السياقات المحلية والدولية للنضالات الشعبية المناهضة لنهج التدخل العدواني الامبريالي المتعدد الأشكال،وفي طليعته الشكل الخاص الموكول لإسرائيل تنفيذه في منطقة الشرق الأوسط،غير أن ما يستوقفنا في هذا المقام ليس هو شكل التدخل الامبريالي ولا خلفيات توقيته والأسباب العرضية التي تذرّع بها والأهداف المعلنة له،ولا ما يبقى واردا من احتمالات تجدُّده وتوسُّعه بعد النكسة التي مني بها الجيش الأسطورة المزعوم، في ظل الوقائع والرهانات المرتبطة بالمشروع الأمريكي لما يسمى بالشرق الأوسط الجديد؛ فهي أمور لم تعد من ألغاز وأسرار العلبة السوداء التي طالما أختص بوُلوجها محترفو التنجيم السياسي.ما يهمنا هنا قد يبدو أقل شأنا في ظاهره، لكنه ليس كذلك من وجهة نظر تقرأ في الهوامش ولحظات الحماس العابرة ما يمكن أن يصير مع مرور الزمن وتوالي الأحداث من عظيم الأمور وأخطرها على مستقبل الأجيال القادمة،وعلى وعيها بما سيصير ماضيا من تاريخها وحاضرا أمامها،هو حصيلة ما تشكّل من ممارسات وآثار أسلافهم ممن أخذهم الحماس العاطفي بعيدا عن واجبات العقل،وأسرتهم اللحظة في نشوة انتصارات رفعوها إلى مطلق البطولة ومثال فوق التاريخ . فكل الخطر يكمن في استقالة العقل أمام جموح العواطف وانفعالات اللحظة العابرة.والعرب- وهذا ليس قدرهم- اعتادوا مع كل نصر صغير أو نصر مزعوم أن يرفعوا عقيرتهم القومية ملوحين بأمجادهم الغابرة على نحو يذكر بعصبية الصحراء ومزايدات شعراء القبائل.وعندما يحل ليل الهزيمة الطويل تراهم ينزوون في "خصوصيتهم" العزيزة،ولا يجرؤ أحد منهم على تقديم وكشف الحساب كما يفعل العقلاء. فتنقلب فجأة الحماسة القومية كفرا بالتاريخ والنصر هزيمة نكراء وردَّة وضيعة، والمثالات تصير بين عشية وضحاها أوهاما، والمقاومة تطرفا وإرهابا،وهو المصير المنطقي للحالة السيكولوجية و العقلية للذين لا يقرئون التاريخ إلا من زاوية الانفعالات النفسية.وهذا في جزء أساسي منه يسري على حالة الثورة الفلسطينية التي أشبعت ولا تزال فائضا من الحب القومي إلى درجة التخمة.
2- بين مطرقة فتح وسندان حماس في سلطة المسخ: معادلة بائسة.
لم يكن بوسع العواطف ولا البلاغة العربيين توقع مآل الثورة الفلسطينية،كما ليس بمقدورهما تحسُّب مجرى الأحداث التاريخية الكبرى.وحتى إذا كان "العقل" لا يفي دائما بتخميناته،فإنه على الأقل يستطيع،بفضل تشاؤميته،أن ينتزع، بحسب الحكمة الغرامشية،من مساحة الإرادة المتفائلة حيزا يسمح له برؤية الأحداث وتوقُّع مجراها بغير قليل من البصيرة،بعيدا عن الصراخ والثرثرة،خصوصا في شكلهما التليفزيوني، الذي يبلي فيهما الشعبويون اليوم أيما بلاء غير آبهين بدروس التاريخ ولا بأحوال شعوب غارقة في اليأس والإحباط والعجز.فالمأزق التي وصلت إليه الثورة الفلسطينية اليوم ، وهي واحدة من أكثر الثورات المعاصرة استمرارية في الزمن،ليساءل صيرورتها التاريخية ليس على مستوى ما تحقَّق من أهدافها وبرنامجها فحسب،بل وأيضا ما طال هويتها السياسية من تعديلات،فضلا عن طبيعة تركيبها الاجتماعي وأزمة قيادتها الطبقية والنهج السياسي الذي رهَن مصير هذه الثورة لأزيد من أربعين سنة في دوائر الانتظارية والمساومات.إن الحصيلة الرمزية لثورة لا تزال شروطها الموضوعية قائمة لجديرة بالتأمل: السقوط المتتالي للمثالات الكبرى وانتكاس الشعارات التاريخية،تعمُّق أزمة قيادة تقليدية فاقدة للشرعية الديمقراطية، وشديدة الارتهان لشروط الخارج ومباركة الأنظمة الإقليمية الرجعية،إضافة إلى الوقائع المستجدة المتمثلة في التناحر الداخلي بين قيادة يمينية فاسدة ومستقوية بتحالفات غريبة من دائرة العدو،وقوة ميدانية تخلط الشرعية الديمقراطية بالحق المطلق في استخدام المصادر الثقافية والعامل الروحي دونما اعتبار للتنوع الديني والتعدد الثقافي،مع ما يعنيه ذلك من تضحية بمكونات أساسية في التركيب الاجتماعي للثورة ودورها التاريخي في المقاومة بالداخل والخارج.لقد استفاد التيار الديني من عوامل تاريخية وثقافية وظرفية زادت في شعبيته وأكسبته تعاطفا كبيرا في الشارعين الفلسطيني والعربي،بقدر ما عزلت الثورة على المستوي الدولي.ومن هذه العوامل:
- تراجع الدور التقليدي لليمين البرجوازي ممثلا أساسا في حركة فتح، كبرى فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، بل وإفلاسه الموضوعي؛
- تقهقر اليسار بفعل فقدان المبادرة الميدانية، وتراخي قدراته على التأثير في النشاط اليومي للجماهير واستلام زمام القيادة من اليمين المفلس؛
- استثمار العامل الديني وتنشيط المخزون الروحي للأغلبية الشعبية، بالتزامن مع عودة قوية لخطاب الأسلمة في المحيط الإقليمي وصعود تيار عالمي أخذ بخطاب التجذر؛
- الدعم السخي الذي ستحظى به بعض اتجاهات هذا التيار من قبل الأنظمة المحافظة لتمكينه من أسباب القوة العسكرية لفرض وجوده في الساحة ومنافسة الاتجاهات العلمانية.
هكذا غدت الخيارات التي تتجاذب الحقل السياسي للثورة الفلسطينية تتجه تدريجيا إلى أن تنحسر بين توجه استفرد طويلا بالساحة، من خلال سيطرته على الأجهزة الحساسة لمنظمة التحرير سابقا،واليوم من خلال أجهزة سلطة فاقدة للاستقلالية وموغلة في الفساد،ولا يتورع في استغلال ورقة "الشرعية" التاريخية في مواجهة الانتقادات ومطالب المحاسبة(2)، وتوجه عقائدي يأخذ بخطاب التجذر في الكفاح ضد الصهيونية،ويبني مجده على حساب تراجع ممارسات الكفاح المسلح لدى الفصائل التاريخية لم.ت.ف،جاعلا من أسلمة الثورة همّه الأساس،من خلال تكريس الاحتكار الرمزي لعقيدة الأغلبية،مما يلقي بظلال من الشك والمخاوف على مستقبل الثورة لدى الكثير من أنصار وأصدقاء الشعب الفلسطيني في العالم.وإن هكذا استقطابا والخيارات البائسة المتولدة عنه،ليضع مستقبل الثورة في كف عفريت،بعدما وضعتها اتفاقات أوسلو في غرفة الإنعاش.ألا إن شعبا أنجب مبدعين من عيار محمود درويش وغسان كنفاني وناجي العلي وغيرهم، وطور حساسيات ثقافية وأبدع تقاليد جديدة في الكفاح، ليس جديرا بهذا المصير البائس، ولا يستحق أن تختزل أحلامه بين خيارين بائسين: إما سلطة أثمرت فسادا واستسلاما، أو مقاومة، بالرغم مما تتمتع به من صدقية في مكافحة العدو،تصر على مصادرة تاريخه الغني والتعددي لفائدة نزعة تماثل التحرر بالشعارات العقائدية،وتخلط بين المعركة على الأرض المحكومة بقوانين التاريخ وموازين القوى،والتطلع إلى السماء الذي يجيز لأصحابه التنصل من الحساب الدنيوي والاستفراد بالأوضاع كما اتفق.
إن ما يحدق بالثورة الفلسطينية من أخطار الانحراف لا يذكر فقط بفعل قوانين التاريخ في صيرورة الثورات عندما يدركها الفساد، ويتمكّن منها الانحراف،وتفتك بها الخيانات من الداخل،كما يشهد على ذلك التاريخ بالنسبة للثورات العظمى، بل إن هذه الأخطار ليست في الواقع سوى مؤشرات مرحلة انحطاط دخلتها الثورة المذكورة منذ سنوات،وهو انحطاط، بخلاف التجارب الثورية الأخرى،يأتي سابقا لأوانه إن صح التعبير،أي قبل أن تستكمل وتستنفذ الثورة مهامها التاريخية. ولعل عوامل ذاتية متداخلة تفسر هذا الوضع،تنضاف إلى شروط موضوعية وتاريخية معلومة،تتمثل على التوالي في الإفلاس المزدوج للقيادة التقليدية لمنظمة التحرير،خصوصا الجناح المتنفذ منها في أجهزة سلطة معزولة غارقة في الفساد،بعدما نجحت سياسة الإغراق المالي لأنظمة البترودولار الرجعية في احتوائه بالكامل،وتأرجح الاتجاه النقدي على يسارها بين المقاربة الرومانسية المتماسة مع الشعبوية الإسلاموية والولاء للرمزية الشخصية لبعض القيادات المتورطة في الفساد، ويوازي ذلك كله عجز قيادة منظمات اليسار في الخروج من مأزق فشلها السياسي الذاتي ورسم معالم بديل قيادي ميداني يعيد الاعتبار لقيم النشاط الثوري لسنوات المجد اليساري.
لنتذكر أن الجناح اليميني المهيمن على أجهزة منظمة التحرير بقيادة الراحل ياسر عرفات بذل، قبل توقيع اتفاقية أوسلو،كل ما في وسعه للفوز ب" دولة فلسطينية"مهما كانت ناقصة السيادة والجغرافيا،بعد " نكث" الوعد التاريخي للثورة ( تحرير كامل فلسطين وإقامة الدولة الديمقراطية العلمانية بصيغتيها: ثنائية القومية أو حامية حقوق الأقلية اليهودية من أصل فلسطيني )،بحيث لم يكن يهمه في شيء نيل دولة المسخ
كما أطلق عليها البعض فيما بعد،أو حتى إقامة كيان صغير ومقزم تحت الوصاية Rump State
الإسرائيلية،ولو على ظهر حمار كما سبق أن صرح بذلك الراحل ياسر عرفات نفسه ذات مرة.وبالنسبة لإسرائيل، كان ذلك أقصى ما يمكنها القبول به مع شريك مهزوم أشعرها بأنه يتوق لاستبدال "الأسماء الثورية" لأعضائه بألقاب وزارية براقة. ولا يعني شيئا بعد ذلك، كما علق مسؤول إعلامي صهيوني ساخرا،أن يسمي هؤلاء هذا المخلوق المسخ بدولة أو حتى دجاجة مقلية ؟(3).
والحال أن قيادة م.ت.ف. لم تقبل بإدارة "سلطة" ناقصة(فضلا أنها غارقة في الفساد) فحسب،بل إنها استجابت لرغبة إسرائيل في قيام سلطة "حكم ذاتي" تتولى قمع كل معارضة جذرية أو أية قوة ملتزمة بخيارات كفاحية أيا كان لونها السياسي أو مرجعها الإيديولوجي.ولعلها أفلحت في السنوات الأولى التي أعقبت اتفاقية أوسلو في الحد من الاندفاع الشعبي للانتفاضة وعزل قيادتها الداخلية بالأراضي المحتلة، أحيانا بالقمع المباشر،وأحيانا أخرى بواسطة المناورات والإرشاء. وقد قطعت شوطا هاما على درب "سلام الشجعان" المزعوم،الذي لم يكن في الواقع سوى إعمالا للمفهوم الصهيوني للسلام: سلطة مستبدة تقمع دون خوف من التعرض للمحاسبة أو لاستدعاء من قبل المحكمة العليا كما قال المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي،مقابل الإشراف على بضع كيلومترات من الأرض داخل إطار السيادة الإسرائيلية حيث لا يسمح بأي نوع من الانفلات أو التهاون.
وفي هكذا وضع كان من الطبيعي أن يبرز في الساحة الفلسطينية،وفي قلب الانتفاضة،فاعل سياسي جديد،ممثلا في الحركة الإسلامية،استغل بذكاء التغيير المتنامي في المزاج الشعبي،الذي كشف عن مقاومته الخاصة في مواجهة محاولات تدجينه والسيطرة على اندفاعه،ليطرح نفسه بديلا بلا منازع،بعدما كان قد استفاد من دعم خفي للجناح المحافظ لقيادة م.ت.ف،قبل أن ينقلب السحر على الساحر كما حدث مع معظم الحركات الأصولية بعد انتهاء مدة الخدمة التي أوكلت لها لسحق اليسار.ولعل مناخ التراجع العام لقوى هذا الأخير وتدهور معنويات مناضليه،كان له الفضل الأكبر في ترجيح كفة التيار الديني في الساحة، تُوج بنجاح مبهر على مستوى صناديق الاقتراع، لترتسم بذلك المعادلة الجديدة لمصير الثورة : فمن جهة يكشف واقع الحال عن ترهُّل واضح للقوى التقليدية للثورة، المفلس منها والمنغمس بلذة في نشاط سلطة فاسدة خاضعة لإملاءات العدو وعرابيه، وممعنة في الانحراف الاستبدادي،ومن جهة أخرى صعود قوى جديدة دخلت الثورة برصيد شعبي لا شك فيه،لكن أيضا- وهذا هو الأهم- بمعالم مشروع سياسي ينسف مثالها التقدمي، ويستبدله بهوية عقائدية تنقل الثورة من حقل التحرر الوطني،العلماني بطبيعته التاريخانية،إلى حقل شبه ثيولوجي تتحدد فيه قوى الصراع بمفردات دينية إن لم تكن ميثولوجية،مع كل التشوهات الناجمة عنها، والتي ستسمح بكل التجاوزات والإنزلاقات المفتوحة نحو الاستبداد.ولا حاجة للتذكير هنا بما كشفت عنه ممارسات "حماس" منذ الأيام الأولى لتسلمها مقاليد"الحكم" من اندفاع مفرط لاستعمال القوة للرد على خصومها ومنتقديها،بل ونزوع مبكر لفرض نمط حياة على الأرض يطابق مثالها العقائدي،على حساب تنمية الموارد المتنوعة للمقاومة الشعبية غير القابلة للاختزال في جهاد ديني يعزل الثورة عن محيطها الكوني ، ويضيق دائرة حلفائها في العالم(4).فثمة مأزقان يحجبان شمس الثورة من أفق المستقبل: مأزق انحطاط الثورة إلى سلطة بلا سيادة، والذي يفتح الشهية للقتال والتطاحن الشرس لنيل حظوتها بأي ثمن،ومأزق تعريف الثورة على أسس دينية يشيح بشمولية لا غبار عليها،ويخيب الآمال في قيام نموذج ديمقراطي متحصل من تجربة تحرر وطني من شأنه أن يكسر قاعدة الاستبداد في خريطة هذا المسمى عالما عربيا.

- هوامش:
1- ما جاء في مقال حسين العودات( بعد العدوان على غزة: خروج عربي ودخول تركي. مجلة الآداب.العدد1-2-3 السنة 57 ،2009.) مثال ربما لأقل ما يمكن أن يكونه الانسياق وراء انفعالات الجمهور بالمعنى الدراج للكلمة، وانغماس المثقف في الشعور العام دون تمحيص للموقف ومباعدة للوقائع، مما يفسركل هذا الحماس في تشييع "النظام العربي" والتوق لرؤية النظام التركي يستعيد مكانته بين عرب أضاعوا "روحهم" ولم يعد لهم من بطل يذوذ عن كرامتهم المهدورة ،بل ولم يتردد السيد حسين، الذي يظهر أن" شجاعة" رجب أردوغان وهو يصرخ: "نحن ورثة العثمانيين" قد أخذت بتلاليب عقله إلى الحد الذي يمني نفسه برؤية النظام التركي يراجع استراتيجيته " ليهتم بمجاله الحيوي الاقليمي الذي تخلت عنه الجمهورية منذ أكثر من ثمانين عاما"،ولعله الحنين إلى زمن السلطنة العثمانية قد فعل فعله بعقل مثقف يفترض فيه أن يقف بعيدا عن الحدث قريبا من التاريخ، بدل التباكي على أحوال الأتراك والأسف لخطأ ارتكبوه في حق أنفسهم عندما تجاهلوا" مجالهم الحيوي الاقليمي وعمقهم الثقافي (كذا) والجغرافي الذي أهملته الجمهورية...". أما أن يتحسر بدل الأتراك على أيام نظام السلطنة العثمانية،فهو أجلى تعبير على العقل المفلس لمثقف خانته مشاعره وانزلق بلا تردد إلى مواقع "الوعي اليومي" للجمهور الذي اعتاد، في العالم العربي على الخصوص، على التحفز والتهيج للانتصارات البلاغية والتلفزيونية، في كل مرة ينسى بسهولة دروس التاريخ. وكأني بالسيد حسين يقول مخاطبا الأتراك :" تعالوا يا ورثة العثمانيين الأمجاد، نحن مجالكم الحيوي، أعيدوا اكتشافنا وتعميرنا وحكمنا باسم السلطنة المعظمة؟ ومن الأفضل لكم أن تعثمنونا بدل من الانشغال بتتريك الأكراد وقوميات أخرى لا تملك من القوة والثقافة والجغرافيا ما نملك. ربما يحمل هذا التمني على استحضار، وبنوع من السخرية، حالة الاكتساح التركي اليوم لمجال حيوي لا يقل أهمية عن المجال الجيو- سياسي،وهو المتخيل الجمعي المتعب لشعوب عربية أنهكها الخواء وتبلدت مشاعرها وعواطفها فلم تجد لبؤسها الرومانسي بديلا سوى في ملاحقة نجوم المسلسلات التركية المدبلجة من الدرجة العاشرة؟
2- حقيقة يعد اليمين الفلسطيني ممثلا في القيادة الهرمة لمنظمة التحرير وحركة فتح وتوابعها،مسؤولا بشكل كامل عن الاغتيال الرمزي للثورة الفلسطينية المعاصرة وتضييع أهم مكتسباتها والعبث بتراثها الكفاحي بالغ التنوع، ومسخها قبل الأوان(طبعا لم يكن ضروريا انتظار تقريرغولدسون للوقوف عند حقيقة السقوط السياسي والأخلاقي لهذا التوجه لمن يملك ذرة عقل؟) . ويأتي في المقام الثاني دور التيار الديني، ممثلا على الخصوص في حركة حماس، في تثبيت هذا الاغتيال على نحو مختلف بالتواطئ من خلال نفي الهوية التاريخية للثورة وإرادة فرض نموذج مثالي لمجتمع بديل بعد التحرير يصادر على المطلوب دون اعتبار للتعدد الديني والثقافي للوطن المحتل. أنظر لمزيد من التدقيق:
- جلبير الأشقر: الشرق الملتهب : الشرق الأوسط في المنظور الماركسي. ترجمة سعيد العظم، دار الساقي. ط.1. 2004. ص-ص:114-252.
3- أنظر نعوم تشومسكي وجلبير الأشقر: السلطان الخطير: السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط. تحرير وتقديم:ستيفن شالوم. ترجمة ربيع وهبه. دار الساقي. ط.1. 2007. ص-ص: 215- 283.
4- منذ صعود حركتي "جماس" و"الجهاد الاسلامي" إلى واجهة الثورة الفلسطينية عانت قضية الشعب الفلسطيني مزيدا من العزلة وسط الرأي العام ببلدان الغرب الأوروبي والأمريكي على الخصوص،وتراجعت فعاليات التضامن والتأييد لحقوقه في الحرية والاستقلال، بعدما سقطت الكثير من المكاسب على عهد الحرب الباردة،وفي مقدمتها، وربما أهمها وأخطرها، إدانة الصهيونية كإيديولوجية عنصرية من طرف هيئة الأمم المتحدة، التي صارت اليوم عاجزة حتى عن مجرد إصدار قرار إدانة صريح لأعمال الحرب الإجرامية المرتكبة بسبق إصرار وقصد معلن، فبالأحرى منازعة شرعية الكيان الصهيوني. وقد نجحت الآلة الاعلامية الصهيونية، المتغلعلة في أوساط الصحافة المكتوبة ووسائل الاعلام السمعي والمرئي، من اختراق شرس للرأي العام في العالم الغربي،وفرضت حصارا خانقا على الحقائق في الأرض ،بأن جندت أقلام مؤثرة لكتاب وصحافيين متوزعين على منابر ومواقع إعلامية واسعة الانتشار، وهم في الغالب من النوع الذي اعتاد حياكة صورة مشوهة للنضال الفلسطيني من خلال تعمُّد الربط بين كفاح شعب يضم بين صفوفه تنوعا هائلا من الاتجاهات الفكرية والسياسية والدينية،وبين حركة سياسية-دينية مثل "حماس" ، تقترن في مخيال غالبية مواطني الغرب بجماعة ظلامية وإرهابية وصاحبة مشروع ديني مفرط في المحافطة يستعبد المرأة ويشرعن قهرها وتهميشها في الحياة العامة؛ لأجل ضخ المزيذ من الصور المشوهة والمشوشة في الآلة الاعلامية والدعائية الصهيونية. وقد أضحت الصورة المختلقةل "حماس" ،كحركة إرهابية مجندة من قبل إيران وسوريا ، في قلب الرهان الإعلامي داخل بلدان الغرب ،حيث كانت تنشط حركات متضامنة ومناصرة للشعب الفلسطيني بحماس شديد مند السبعينات من القرن الماضي، قبل أن تبدأ في الانكماش بفعل التأثير السلبي لصور أسلمة الثورة الفلسطينية المقترتة في المخيال الغربي العام بالإرهاب "الاسلاموي الدولي". ورغم التراجعات النسبية التي سجلتها الآلة الإعلامية الداعمة لإسرائيل بالغرب بعد عدوان غزة، في استمرار تسويق صورة إسرائيل الضحية المطوقة بكل أنواع الأعداء في محيط معاد لليهود والسامية المكذوب عليها، فإن ثم جهد كبير ينتظر الفلسطينيين وأصدقائهم في العالم لتصحيح الصورة التي رسختها آلة التشويه الإعلامي الصهيونية وحليفاتها عن نضال وثورة الشعب الفلسطيني في مخيال المواطنين الغربيين، مع استمرار تدفُّق صور الانقضاض والصراع على السلطة بين جركات يُنظر إليها بتخفظ في الأوساط الغربية لسجلها السيئ في مجال حقوق الانسان واحترام التعددية السياسية والثقافية وقضايا الفساد المالي..الخ. أنظر حول بعض من تلك الجهود مثلا:
Denis Sieffert , La nouvelle guerre médiatique israélienne,La Découverte,Paris 2000 .



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن