في الذل.. سوابق عربية

علي شايع
alishaye@hotmail.com

2013 / 5 / 6

أقرّت العرب، فذلّت.
قيل إن رجلاً من أفاضل العرب اسمه الربيع بن زياد الحارثي، صرخ بهذا القول، في السنة الثالثة بعد الخمسين من التاريخ الهجري، وهو يعلن استشرافه لتاريخ طويل من الذل سينال العرب، يوم سمع بقتل حجر بن عدي صبراً (أي وهو أسير)، فقال: "لا تزال العرب تقتل صبراً بعده، ولو نفرت عند قتله لم يقتل رجل منهم صبراً، ولكنها أقرّت فذلّت". وقيل إن الربيع مات كمداً، بعد هذه الحادثة بأسبوع واحد.

قبل أيام، وبسابقة خطيرة، هدم مرقد الشهيد حجر بن عدي ونبش قبره، في أبشع صورة، تكاد تكون بوجع موازِ لضرب مرقد الإمامين العسكريين بمدينة سامراء سنة 2006، الذي كانت أعداد المحتجين على فظاعته من مثقفين ومعنيين ومنظمات عالمية مختصة بالآثار، أكثر عدداً من مثقفي ومهتمي العرب، لأن رزايا تفجير الآثار والأماكن المقدسة خرجت عن كونها سوابق، فهي تحصل في الكثير من البلدان العربية، ولكن قضية نبش القبور بتلك الصورة، في زمن الربيع العربي!، هي ما يستوجب تكرار صرخة الربيع بن زياد. وهذه ليست دعوة للكمد الجماعي الآن، على ما وصل إليه الحال، ولكنها إشارة عابرة، لقول رجل عاقل، كان يرى في الاستنفار ضرورة عند بعض السوابق، فمعاوية وهو يسنّ قانون قتل الأسير بتلك الطريقة، جعلها فاتحة لما نراه ونشهده اليوم وصلاً إلى القتل على الهوية، وعجائب تكفير موحش، تجاوزت كلّ معقول، وها هي تجتاز الحاضر؛ تدميراً للمستقبل، ونبشاً للماضي.

الوقوف وإعلان النفير بوجه هذه الظواهر، ليست مسألة دفاع عن عرق أو طائفة، أو دين أو كتاب أو مكان مقدس، ولكنها الروح الإنسانية المنصفة، المحبّة للحق وأهله، من تستكثر بالمظلوم ساعة تقف معه. وان كان الربيع أحب حجرا لإنسانيته، واستشرف الوحشة في قتله والتمثيل به، فهي دعوة أزلية على العرب استذكارها، وترديدها كمقولة جديدة مفادها أن قُتلنا يوم قُتل حجر!، ولتذهب مثلاً، فهي أدق من مثل الثور الأبيض!. ومن يمرّ بهذه الحادثة وهو يتصفح التاريخ، دون أن يتعفّر كمداً، فهو من الراضين المرضيين برعب التكفير، وسيرضى بالضرورة عن كلّ مشاهد القتل والعبث اليومي.
كانت محبة الربيع الإنسانية خالصة لوجه الحقيقة، مثالاً للبحث عن الإنسان، أينما كان، وفي إي زمان. وهي أوسع من البحث عن فضائل حجر، وأكثر من كونه من أصحاب علي، أو ممن لم يطاوعوا معاوية. فمن يبحث عن تاريخ الرجل لا يجد مثلبة عليه، لكن من يقلب تاريخ الطبري، مثلاً، في زمن معاوية ومن أعقبه من خلفاء وأتباع، سيرى أهوالاً وعجباً لغرائب عار وضعها أمراء العرب كسوابق!. ولكنه حين يقرأ عن حجر بن عدي، وكيف كانت سيرته بين الناس وفي أهله، سيذوب ولها بإنسان كان يحمل أمّه على ظهره، حتى تركت ركبتها أثراً على جسده، وكان لا ينام قبل أن يمضي إليها ليعتني بفراشها. ولعلّ حجر بن عدي لم يأت بجديد أو خارق في هذا الأمر، لكن من يمضي بمطالعة صفحات بعد هذا التدوين التاريخي، سيرى إن الهادي (الأخ الأكبر للرشيد) قد أرسل سماً في الطعام لأمه، فتكتشف ذلك، وتأمر بقتله.

حديث الدم يطول مع سيول السوابق العربية الباذخة، وليس المقام لها هنا، إذ يكفينا ما نبصره مكرهين، عبر وسائل الإعلام والتواصل، فإن كنا إنسانيين فلبحث عن الإنسان، وإن كان قبراً من الأولين. وإن كنا ثوريين وأهل حق، فلعلّ في حكاية حجر بن عدي وثوريته ما يدفعنا سبباً في نصرته لاستحقاقه، فهل أحق من رجل (معارض سلمي) يأتي السياف لقتله مع أصحابه، فيسأله: وهل أنت مأمور بقتل أصحابي وولدي همام؟. فيجبه: أنا مأمور بقتلكم جميعاً. فيقول له: أقتل ولدي قبلي. وبعد أن يرتكب السياف جريمته، يسأل القوم حجرا عن السبب، فيقول ربيته على نصرة الحق، وخشيت أن يرى رأسي مقطوعاً فيضعف عن الحق!.
لا أدري أي الأسباب في سيرة بن عدي جعلت الربيع بن زياد مكلوماً حدّ الموت. وكذا أسباب أخرى كثيرة ستجعلني مكلوماً بالربيعين، فربيعنا العربي ينذر بالذل حقاً.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن