محنة السؤال بين الفهم و الجنون

محمد هالي
mohahall@yahoo.fr

2013 / 4 / 5

- 1 -
ليس الجنون صورة من صور الرفض لهذا الواقع المقيت، بل هو حالة دائمة و مستمرة، ينتابنا في لحظات كثيرة، نسبح في فضاءاته، نستنشق هواءه، لأن لا جنون هو الجنون نفسه، معنى أن تعيش عاقلا، فأنت مجنون، و أن تعيش في حالة الجنون، فأنت عاقل، داخل هذه المفارقات تستمر في الوجود، تتقبل ما لا يقبل، تجاري الأحداث كما هي، تتعايش مع ما لا يعاش، تنظر، تبصر، و تسقط بصيرتك في التافه، و المعقول، و يزعجك التافه لأن أضخم بكثير من الجاد، و لكي تدوم عليك أن تتساءل عن الخطأ و الصواب، و في هذه الثنائية تنتحر الأفكار، و تسقط، و تنحدر إلى التافه، ولكي تتغلب على أسئلتك، تأكد من جنونك، لأنه هو الوحيد الذي يسمح لك بأن تستمر في الحياة.

- 2 -
لا ترفع السؤال إلى أقصى مداه، ففلسفة السؤال تجرك إلى متاهات لا تحمد عقباها، أنت تدفع السؤال بأن يستنطق خفياك، و ما هو خفي أعظم، و نحن نبحث فيك، في خفياك قد تصبح أسطورة زمانك بعد مماتك، أما في سؤالك الحي فعش مفقودا حائرا، تتوخى أن تنط، أن تخرج من فورانك، تبحث عن الشعب، عن الجمهور، عن القراء، و الصحافة، و النقاد، بل حتى من يشتمك، فلم تجد فلسفة أخرى، فقط سؤالك يعد نفسه للخروج، و يعيد طرحك كسؤال فقدت المتسولين و الباعة، و فقدت الكتابة و هي تكتبك حمارا يحمل أثقال زمانه لكنه يمشي لعله يجد في زمن الصمت من يصرخ كفى من هذا الذل و الهوان، في زمن اختلطت فيه الثورات التي تماثلت مع الفوران. سؤالك سيجرك لا محالة إلى الصبر و التياهان في عوالمك المشتتة، ستجد في سؤالك صبرك الذي يعني لا بد من أن تستمر.

- 3 -
إذا أراد أن يسألك السؤال، قل له: لا تسألني لأن في غمرة السؤال ستذوب في الأجوبة التي لا تشفي غليل السؤال، لأنه سيستمر في السؤال، مادام أنه لم يفهم مسألة التوليد السقراطي، و لا طلاسم الشك الديكارتي، و لا حيرة الشكاك العربي، فالمسألة كلها هي أن السؤال أحمق، لا يتوقف على إثارة الفتن و الصراعات من خلال زعزعة هوية الدماغ، و دفعه إلى قول أشياء لا يرغب الفم في قولها، لكنه يدفع كل مورفولوجيا الذات على البوح للسؤال، لكي يبقى السؤال دائما ذلك المشاغب و المريض بالإنصات إلى الجواب، و كأنه في صراع دائم معه، هو يفتح الاحتمالات، و الجواب يوسع هذا الانفتاح، لكن السؤال هو القوي في البوح، و الجواب حذر، و محطات دائما، لأن الخطأ يتحمله الجواب، لا السؤال.

- 4 -
تتحاشى الكلام لأنه مخيف يجب أن تزن حروفك أن تتمتع بدقة اللباقة لا لشيء سوى أن الكلام سيف حاد يصيب في الظن قبل الحقيقة، و عندما تدخل في عالم الاعتقاد يجرفك الكلام في فطرية الذات لتتسرب المعاني في المكتسب الاجتماعي، و أنت تعتقد أن الكلام فيه المحظور و فيه المباح تحاول أن تنجر للمحظور، يجرفك الظلم لقول بالكلام ما هو ممنوع من الكلام، تتدفق شعرا، أو نثرا، تصرح، و تصرخ بالحروف، تريد أن تقول بالكلام صورا رأيتها، و أشخاصا و مناظرا، قد تتفوق بالكلام، تحرض ذاتك، و تحرض غيرك، و يحاكمك الطغاة على الكلام، و قد تقتل أو تتشرد إن اقتضى الحال عن ذلك الكلام ، لكن أحدثكم بصراحة، هل يمكن أن يقع كل هذا للكلام، و ما يملك الإنسان سوى الكلام، تفتقر لكل شيء، لكن عبر بالكلام عن الكلام، فهو أجمل صور يملكك، و تتملكك، و اعتقد بان بالكلام يستطيع المظلوم بالكلام أن يرفع شيئا من الظلم، و القهر، فأكثر اضطهاد يمارسه المرء على ذاته هو الصمت، و عدم الصراخ بالكلام على ما يراه، و يشاهده بأروع الكلمات، و الجمل، و الحروف.

- 5 -
تتزاحم الوجوه الجديدة في القسم، ترغب فيما هو غير مرغوب فيه، تتفتح ذاكرتها على الآتي وهو متوقف، تشتعل حرارة التلقي، و لكن حين تسأل نفسك عن حاضر متوقف، و مستقبل مجهول، تئن في غمرة السؤال الفلسفي، و تحاول أن تجيب عن المفترض، و الممكن، و تنغرس في الميتافيزيقا الواقعية، و تذوب في معرفة المؤسسة المنمقة، و المدجنة لعقول تزكي القبول، و تغيب أسئلتهم، لأن ما تعلموه منذ زمان يغيب النقد، و السؤال، يتحنطون في قوالب جاهزة للإنحناء، و الجهل بالآتي، لأن سائد المؤسسة ارتبط بسائد الصورة، فتكتم السر، و أصبح يبتسم، و هو لا يدري مصدر الابتسام، ربما لأنه يتناسى الآتي ليداعب الحاضر،كي يعيش و يستمر، و لا ينشغل بالتفكير في المجهول.

- 6 -
تحتاج الحكمة إلى حكيم، يجمع في طياته الصبر المصحوب بالأنين، و يقطع مع ألم الأعصاب، أنت لست أنت، يقتلك السؤال، أو تقتله، وجوه جميلة و مظلومة، ترغب، تتعطش ، و حين تجد نفسها غبر متحكمة في الحكمة، التي تتفجر في غمرة التعقيدات المتخيلة، تتغاضى عن الاهتمام، و تتابع البارصة في غمرة الفرجة المعلمة، و تنحني لقصة المسلسلات المطولة، تتقاضى اجر النسيان و الإهمال، لا تفكر، بل لا ترغب في التفكير، تتعطش لعناق في الأزقة لطمس المكبوت، و المقموع ،و تحول المحظور إلى حقيقة، تشتم الساهرين على المعرفة التي لا تشيد سوى العطالة، أو تقذفها في مزبلة النسيان، تألم في جحرك المغمور بالبكاء و التحسر، و عش أنينك و آهاتك الطويلة، لا تسأل، و لا تستفسر، فأنت محظوظ لأنك تنظر لنفسك في غمرة البراءة تتألم، و محظوظ لأنك تذوب في كل دقيقة و لا ترغب في أن يبقى السؤال الفلسفي في حيرته يبحث عن معرفته في ذاتك، ترغب في براءتك أن تلتحم ببراءتهم، و تحمل الدولة ما تشعر به الحكمة من معاناة هؤلاء الأبرياء.

- 7 -
تطول البهرجة في القنوات، و الصحف، و تتزين الصور بألوان تثير الإعجاب لمن يحب الإلهاء، و تثير النفور لمن يرفض الحياة المنمقة، و يتخشن الواقع، و ينقلب صورا تمتصها الأعين، بدل خلايا الأعصاب العقلية، تذوب الأحرف في المبسط، و تتمايل للتقبل، أما المعقد فهو مؤجل لحين، لأن المراد هو ينتهي السؤال، و تغيب الحجة، و الدليل، و تصبح لغة نعم، بدل لا، و تنمحي اللغة، و تتقلص تصويراتها، و تتقزم، و يحترم السائد إلى الأبد، لأنه الجديد و الجميل، إنها حبكة العصر الجديد، و غلطة من يخرج عن طاعة ما هو موجود، في كومة الطلاسم المبهورة في كل بيت، و ملهى، تحتار من أمر الأعين المتابعة بدون أسئلة، و تحتار من التكرار، و من الملل من استبدال الصور الثابتة، و من جمود الأذهان المتقبلة لنفس الطلاسم، و تستمر في روتينية التكرار: مسلسلات مطولة، و مباريات تقلب الإصابة إلى هدف المثال، تتزاحم المقاهي، و أرائك البيوت بمؤخرات لا تقوى على النهوض بأعين جاحظة، تمتص الأشعة المتراقصة من الشاشة التي لا ينقطع ضوءها، تبتسم الشفاه، لحركة أو رقص مشين، لكن الجمل و الحروف في الكتب تظل معلقة إلى حين، ألم تكن الأمية تحولت إلى التافه و منه بدأت، و أخاف بأن تستمر، و تتفشى، و تصبح الكارثة العظمى للناقد، و الأديب، و المثقف،إذ يصبح عليه أن يرقص، و يغني مع كتبه ليصبح هو المقروء بدل ما ابتدعه من إبداع؟...



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن