الإباحية، لا شيعية ولا شيوعية

محمد باليزيد

2013 / 4 / 4

من تخلف لتخلف، هذه حالنا. لقد كان مفكرونا يشتكون من سيطرة فكر المؤامرة علينا، مؤامرة غربية أو صهيونية. وبدل أن نتجاوز تلك العقدة ونبني حاضرنا والمستقبل، بدل ذلك حولنا مصدر المؤامرة غير بعيد عنا، إنهم الشيعة. وليس مستغربا أن تكون "المؤامرة" المنسوجة للشيعة، في نظرهم، مؤامرة سنية.
هناك فتوى [جهاد المناكحة]، ولنقل أن الفتوى مصدرها الفقيه الجليل، "قناة العالم"، النتيجة أن شابات من تونس [حسب الإعلام الإلكتروني خصوصا] هاجرن إلى سوريا ل"الجهاد". إذن، بالإضافة إلى الفقيه المفتي هناك شبكة إقناع وتجميع وشبكة تهريب وشبكة استقبال وفي آخر الشبكات شبكة توزيع ومستهلكين. هل كل هؤلاء شيعة؟ من السهل أن نحمل غيرنا أخطاءنا.
حين كان الفكر اليساري ما يزال في أوجه، والفكر السلفي في بداياته، لم يكن ممكنا أن ينَفر الفكر الأخير الناس من الفكر الأول بحجة أن الفكر اليساري يدعو إلى مساواة الفقراء بالأغنياء، فجاء مكر الفقهاء، وليس علمهم، لينقذ الموقف ف"أفتي" أن الفكر اليساري "لا خلاق له"، ولا أحد يعلم أكثر من الفقهاء أنفسهم بأن الحجة واهية 100% لأن أخلاق بعض الفقهاء أسوأ من أخلاق من لا خلاق لهم من اليسار. لقد وصلت الوقاحة، بمنطق الغاية تبرر الوسيلة، درجة أن الإباحية الجنسية ألصقت بالفكر اليساري قصد تشويه سمعته لدى العامة(1). وها هو الآن الفكر السلفي/الرجعي يلصق نفس التهمة بالفكر الشيعي، أخوه فيالإسلام.
لقد كانت هناك مناضلات، بهذا القدر أو ذاك، في كل الحركات التحررية، والنضال الفلسطيني إلى حدود التسعينات خير مثال على ذلك، دون أن يعطى لهن دور "الفراش فقط". كن مناضلات لا زوجات ولا عشيقات ولا عاهرات، كن إنسانات يناضلن إلى جانب إخوانهن الرجال من أجل قضية تهم الجميع. لكن الفكر الرجعي يعجز أن يرى في المرأة إنسانا ولا يستطيع أن يتخيل جهادها/نضالها سوى من خلال فرجها/عقدته. وإعطاء هذا الدور للمرأة، ليس في الثورة السورية، ولكن من قبل إديولوجيا موجهة لبعض الثورة السورية، إعطاء المرأة هذا الدور ["الفراش فقط"] دليل على ظلامية المستقبل إن استطاع هذا التوجه أن يطغى على الثورة السورية. فإذا كانت الثورة سورية، فالسووريون مكتفون بذاتهم، حتى جنسيا لا حياء في دين. أما إذا دخلت الثورة مرتزقة أو طغت عليها فالحاجة أشد إلى باغيات مرتزقات ، وليس مناضلات ولا مجاهدات، وعلى الشعب السوري أن يحسب الحساب للنتائج، لأن الثورة/الفوضى ليست "ثورته" و"الثمار المرة" ما سيتبقى له. يمكن أن تكون الظاهرة مجرد حالات قليلة أرادت هذه الجهة أو تلك تضخيمها خدمة لمصالح معينة كالحط من مصداقية الثورة، هذا وارد تماما، لكن وجود الظاهرة في حده يظهر مدايين:
_ مدى وقاحة أعداء الثورة وخساستهم.
_ مدى تخلف المجتمع ككل لأن مجتمعا يسمح بظهور مثل هذه الظاهرة، ولو على مستوى الشائعة، هو مجتمع متخلف.
يقال، للتقليل من شأن الحادثة، إن هذا ليس مقتصرا على الثورة السورية .... ففي الحرب العالمية الثانية مثلا .... أما هو محظور أخلاقيا في فترة السلم يصير غير ذلك في فترة الحرب؟ هل هناك أخلاق حرب وأخلاق سلم؟ من المعروف أن "اقتصاد الحرب" ليس هو اقتصاد السلم، ففي فترة الحرب يوجه الجزء الكبير من الإنتاج لتلبية الحرب كما أن توزيع الدخل يمكن أن يطرأ عليه بعض التغيير الناتج عن ضرورة تخلي الطبقة السائدة عن الكثير من "الاستهلاك الرفاهي" مما يقلص من اللامساواة، أو لنقل يدفع باتجاه المساواة وإن مؤقتا. هذا مفهوم ماديا، لكن أخلاقيا هناك بعض الغموض: إن قبول الدعارة في فترة الحرب ليس اتجاها "نحو المساواة": إنه بصريح العبارة كشف للحقيقة الوقحة، التي تغطى وقت السلم بالعديد من الزخارف والمؤسسات، حقيقة أن تلك الإديولوجيات، الفلسفات، لا ترى في المرأة سوى ملكا من الممتلكات للرجل يلبي به رغبات أهمها الجنس. ففي وقت السلم تغطي مؤسسة الزواج [الأحادي والمتعدد] على هذه النظرة وتزركشها، وحين الحرب، حين لا تستطيع مؤسسة الزواج ذلك، حين تغلب شهوانية الرجل على عفته [المصطنعة إبان السلم]، حين يحلل لنفسه ما يحرمه على إخوانه الذين لم يلتحقوا بالخنادق بحجة أنه المجاهد[فوق كل الاعتبارات والقيم]، حينها تُظهِر الفتوى "الوجه/القيمة الحقيقية" للمرأة من طرف تلك الفلسفة: "أداة جنس ممتلكة=عاهرة".
ومع افتراض أن الفتوى ذات مصدر إيراني، فليس كل الإيرانيين على هذا الرأي. إن الفتوى هي تجاوز لأخلاق كل المجتمعات. كما أن كل السنيين ليسوا ببعيدين على هذا المستوى المنحط. فإن من أفتى بزواج بنت 9 سنوات ليس شيعيا، ومن أفتى بنكاح الزوجة الميتة ليس شيعيا.... يجب أن نعلم أن هناك قيما إنسانية مثل العرض والكرامة و.... رفض السرقة...إنها قيم يمتلكها اليهود و المسلمين والمجوس وغيرهم. وأن ادعاء بعض الفلسفات احتكارها للقيم الإنسانية ليس سوى من باب الدعاية. الإيرانيون، قبل أن يكونوا شيعة [ونحن لا نقيم هنا المذهب الشيعي] قبل ذلك هم بشر يشتركون معنا في كل القيم الإنسانية التي يرفض الحس الإنساني السليم التحلي بدونها. إن الاستنجاد بالفتاوى قصد التخلي عن هذه القيم لدليل على أن المحرض إنما يخدم أجندة سياسية لا علاقة لها بالدين سوى سذاجة من يسهل تغريرهم باسم الدين.



1) هل نستطيع فعلا أن نقول مع منا رشدي أن " الجنس محرك التاريخ "؟ إليكم تعليقها على الموضوع:
[...الجنس محرك التاريخ ! كم قبيلة تحولت إلى إمبراطورية لكون زعماءها خاطبوا الغرائز واستباحوا نساء العدو فرخصوا للاغتصاب والسبي لتنطلق قطعان الشباب المقاتلين لفتح الثغور الٱمنة لإشباع الغرائز ولنا دروس في ما ارتكبه فرسان الجن في السودان ضد الدارفوريين !
فتوى السلفي هي قراءة ذكية للتاريخ وجلب التونسيات إلى سوريا دعوة لجهاديي العالم للالتحاق بأرض الجهاد وما فوقها من حور عين دنيوية في طريق الحور العين الأخروية !!!!...]
لكننا نستطيع أن نضيف على تعليق منى ملاحظة نعتقد أنها أعم: كل موضوع حرمان هو محرك تاريخ المحرومين. وأغلب الديانات حاولت أن تضع الجنس موضوع حرمانها وبالتالي لا عجب أن يكون محرك تاريخها أو على الأقل أحد أهم المحركات. فالجنة يحث على طريقها بما هو محرم في الدنيا: الخمر وحور العين.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن