عن المرأة : (2): حق العمل

رياض خليل

2013 / 3 / 9


المرأة فضاء الرجل كما الرجل فضاء المرأة ، وكلاهما كون مشترك ، كون يجب أن يقوم على المودة والتفاعل والتعاون والتكامل والانسجام والتوافق ، وتجاوز التناقضات بالوعي واليسر والتفاهم . واحترام الاختلاف الذي هو أمر غير إرادي ، بل هو معطى أجباري بحكم اختلاف المورثات والطبائع والخصائص الفيزيولوجية والسيكولوجية لكل من المرأة والرجل . ويجب أن يدركا أنها لايمكن أن يكونا نسختين متطابقتين ، بل أن اختلافها هو سر وسحر ومبرر حياتهما المشتركة كزوجين
إن عمل المرأة هو حرية وحق ومسؤولية فردية وأسروية واجتماعية ، أقرته الشرائع الدينية كما الدنيوية . وكل يتعامل مع هذا الفهم بالطريقة التي تلائمه وتناسبه من دون مغالاة ولاتعسف
ولمن يعترضون على حق المرأة في العمل أقول : تاريخيا .. متى كانت المرأة لاتعمل ؟ في الريف والمدن .. في الحقول والقرى والحرف والصناعة والزراعة والتجارة والخدمات والتربية والتعليم والطب والتمريض ..الخ ..كان للمرأة النصيب الأكبر في العمل والإنتاج وتحريك عجلة الاقتصاد في أيما قطاع .
ناهيك عن أن المرأة كانت الأكثر تضررا وعرضة للاستغلال والاستعباد ، والعمل القسري والاضطهاد ، داخل وخارج بيتها ..إن كان لها بيت وعائلة . ولطالما ظلت المرأة تعاني من الرق وتجارة الرق عبر التاريخ ، وحتى في أيامنا هذه ، ماتزال المرأة تحت وطأة الرق بالمعنى الكامل والحرفي للكلمة في كثير من البلدان ، في آسيا وأفريقييا .. وتعاني كذلك من الرق المعصرن والمغلف بالأزياء الحديثة ، في ظل نظم اجتماعية واقتصادية " ليبيرالية " . حيث فيها يتحايل تجار الرقيق الأبيض وتجار الجنس ، يتحايلون على القوانين ، ويعملون وفقها أحيانا ، تحت مسميات حرية الفكر والعمل والتصرف والسلوك ، من أجل تمرير وتسويق تجارتهم في الجنس والمرأة ، والتي لاتقل استغلالا وفظاعة عن العبودية والرق التقليدي . ولاتزال المرأة تتعرض للاستغلال المزدوج : في قوة عملها وفي إكراهها على الجنس ، وعوملت كمادة للربح والاستغلال والاستثمار ، وسلعة لها سوقها الخاصة المحلية والدولية .
من هنا يمكن التأكيد أن المرأة " العاملة " كان لها حضورها الإيجابي والسلبي دائما ، وعبر العصور التاريخية كافة ، وفي بقاع العالم كله . ولايشذ العالم الإسلامي عن تلك القاعدة . حيث لعبت المرأة تاريخيا دورا أكثر من رئيسي في العملية الإنتاجية في الأرياف والمدن ، ووقفت إلى جانب الرجل ، وشاركته معاناته في تحمل نتائج العلاقات الاستغلالية السائدة . كانت المرأة تعمل رغما عنها ، وتعاني من الإجحاف ، وسرقة عرقها وجهدها خارج بيتها ، وأحيانا من قبل زوجها أو ولي أمرها .
لايوجد مجتمع في أي مكان وزمان ، لم نشهد فيه انخراط المرأة في العمل والإنتاج والاقتصاد ، ولم تلعب فيه المرأة دورا هائلا في الحياة الاقتصادية والاجتماعية في البيت وخارجه . بل إن معاناتها وبذلها مزدوج ومضاعف ، لأنها كانت تزاوج وتزامن وتجمع بين عملين اثنين : عملها في المنزل لعائلتها ، وعملها خارج المنزل لتأمين عائلتها أيضا . ومع هذا لاتتقاضى المرأة مايكافئ الجهد الذي تبذله في الحالتين معا ، بل غالبا ماكانت تستغل أبشع استغلال ، ويستنزف جهدها بلا مقابل ، وتتعرض للنصب والاحتيال والخداع والظلم .. وانتقاص حقوقها في الدفاع عن نفسها وعائلتها . وهي دائما محل أطماع ، وهدفا لكل تاجر و صياد خبيث .
إذن هو الأمر الواقع ، الذي لاسبيل إلى إلغائه .. وهو أن المرأة شئنا أم أبينا ، نصف المجتمع في كل شيء ، ومن ذلك انخراطها في العمل ، والعمل يحتاج للمرأة كما يحتاج للرجل تماما . المجتمع ليس بوسعه الاستغناء عن عمل المرأة في التربية والصحة والتعليم ، والإنتاج والأمن والشرطة ، والقضاء والقانون ، وسائر ميادين الإنتاج والخدمات والقطاعات الاقتصادية والخدمية . ومادام هذا هو الأمر الواقع المفروض والضروري والحيوي ، فلابد لنا من أن نحدد المشكلة والحل .
المشكلة ليس في الواقع .. بقدر ماهي فينا نحن البشر . رجالا ونساء . نحن المجتمع علينا تقع مسؤولية ترشيد وتنظيم وتحسين وتطوير حياتنا الاجتماعية بالشكل الذي يمكننا من حل تلك المشكلات والمعضلات ، ومنها تأمين وحماية وصون حقوق المرأة في العمل والحياة العادلة داخل وخارج منزلها ، وسواء أكانت عازبة أم متزوجة أم مطلقة أو أرملة . نحن المجتمع ، ممثلا بالسلطات والحكومات علينا تقع مسؤولية الحرص على المرأة : نصف المجتمع الأكثر أهمية وفاعلية في تطورنا الشامل . ويكون هذا بوسائل وأساليب عديدة ، من ضمنها تشجيع المرأة في تنظيم نفسها مدنيا وسياسيا ، وإتاحة الفرص لها كاملة للمشاركة في مؤسسات السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية والنقابية ، وسن القوانين الناظمة لوضعها وتحديد حقوقها وواجباتها العامة والخاصة . وتمكينا من ممارسة دورها الريادي في المجتمع العصري ، في المجالات كافة .. وحماية ورعاية دورها الخاص " كربة منزل " ماديا ومعنويا .
إن تقوية وضع المرأة القانوني والاقتصادي والاجتماعي ، يؤمن لها المناعة والحصانة والقدرة على تفادي الانحرافات والوقوع فريسة الإغراءات الخادعة ، والمرأة القوية لاتضعف ولا تكون فريسة سهلة لوحشية السوق والعلاقات الاستغلالية التي تعشعش كالمرض في الجسم الاجتماعي ، والذي لايخلو منه أي جسم اجتماعي ، مهما كان متطورا ومستقرا . ولكن النسب تتفاوت بين المجتمعات وفقا لمستويات تطورها الحضاري . المرأة في المجتمعات الغنية القوية المتطورة ، تملك المرأة حقوقا متساوية مع الرجل ، وهي أقدر على مواجهة الحياة وأفخاخها وكمائنها . وأقدر على احترام ذاتها وكرامتها وحرياتها ، وعلى ممارسة مسؤولياتها بعقلانية وإنسانية وأخلاقية ، ولاتكون مضطرة لتقديم أية تنازلات مهينة ومذلة لأي نصاب وتاجر ومحتال .
إذن لايمكن حماية وتحصين المرأة إلا بتأمين حقوقها المتكافئة مع الرجل من جهة ، وتمكينها من حقوقها في حياة حرة كريمة ، تحقق من خلالها الكفاية المادية والمعنوية لها ولأسرتها ...
وهذا يرتبط أيضا بطبيعة النظام السياسي المعمول به في أي بلد . حيث لابد من سيطرة النظم الديمقراطية ، التي تعتبر الإطار والبيئة الحيوية الأساسية للعمل من أجل تقوية مواقع المرأة في الحياة الاجتماعية من النواحي كافة . في نفس سياق تحسين وتقوية دور الرجل وتمكينه مع المرأة من ممارسة حرياته وحقوقه العامة والخاصة . والمجتمع المتوازن لاانفصال فيه بين حقوق المرأة وحقوق الرجل ، بل كلاهما مترابطان متكاملان . حيث الحرية إما أن تكون للمراة والرجل معا ، أو لاتكون .
النظام الديمقراطي شرط أساسي لمجتمع متوازن وفعال يتمتع في الإنسان : امرأة ورجل ، بالحريات والحقوق المدنية الأساسية التي تمكنه من حياة حرة كريمة ومنتجة . وفي الحقيقة : ينعكس النظام الاجتماعي السيياسي على نظام الأسرة وعلاقاتها الداخلية الذاتية . حيث كلما كان المجتمع ديمقراطيا ، كان نظام الأسرة وعلاقاتها الداخلية تتسم بالمشاركة والروح الديمقراطية ، وإن نظام الأسرة كخلية اجتماعية أساسية يعكس مباشرة وبشكل غير مباشر النظام الاجتماعي المسيطر والسائد . والسياق التاريخي للبشر يؤكد أنه في النظم العبودية كانت العلاقات لأسروية تتسم بالعبودية بين الرجل والمرأة والأبناء .
الأسرة الديمقراطية انعكاس للنظام الديمقراطي ، في أهم مكون له . وكلاهما يلعبان التأثير المتبادل ، وهو تأثير الخاص والعام ببعضهما . أن المرأة تحتاج للعمل .. سواء في بيتها ، أم خارجه . ولوضع المرأة حالات لأ تحصى من التنوع والاختلاف . حيث توجد نساء لامعيل لها ، وتوجد نساء تلعب دور المعيل لأسرتها . والمجتمع يحتاج لعمل المرأة ، كما المرأة تحتاج إلى العمل لسبب أو لآخر . فمثلا : كثير من النساء يفضلن العلاج والتطبب عند طبيبة لاعند طبيب ، ويفضلن ممرضة بدلا من ممرض .. وفي ميدان التعليم ، البعض يفضل الفصل بين الجنسين في المدارس ، وبالتالي لايمكن الاستغناء عن عمل المرأة كمدرسة ومعلمة ومربية . وهذا ينسحب على مجالات لاحصر لها . نخلص إلى القول :
إن عمل المرأة هو حرية وحق ومسؤولية فردية وأسروية واجتماعية ، أقرته الشرائع الدينية كما الدنيوية . وكل يتعامل مع هذا الفهم بالطريقة التي تلائمه وتناسبه من دون مغالاة ولاتعسف .
المرأة فضاء الرجل كما الرجل فضاء المرأة ، وكلاهما كون مشترك ، كون يجب أن يقوم على المودة والتفاعل والتعاون والتكامل والانسجام والتوافق ، وتجاوز التناقضات بالوعي واليسر والتفاهم . واحترام الاختلاف الذي هو أمر غير إرادي ، بل هو معطى أجباري بحكم اختلاف المورثات والطبائع والخصائص الفيزيولوجية والسيكولوجية لكل من المرأة والرجل . ويجب أن يدركا أنها لايمكن أن يكونا نسختين متطابقتين ، بل أن اختلافها هو سر وسحر ومبرر حياتهما المشتركة كزوجين .

السبت 9/3/2013 - تركيا – انطاكية



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن