القضاء العراقي موضع السؤال عن العدالة ..

جاسم المطير
jassimalmutair@GMAIL.COM

2013 / 1 / 27


(ملاحظة: كتبتُ هذا المقال بعد مشاهدتي برنامج " قضية رأي عام " على قناة الفضائية البغدادية يوم 10 – 1 - 2013 قدّمه عماد العبادي بمشاركة القاضي عبد الأمير الشمري رئيس الإشراف القضائي في الجنوب، والقانوني علي الشمري رئيس اتحاد الحقوقيين العراقيين، والمحامي بديع عارف عزت. تحدثوا في هذا البرنامج، بحرية عن واقع القضاء العراقي وعن بعض سلبياته في منزلته الحالية وعن محاولات تدويره عن الحق والعدل وقد تضاربت آراء السادة المشاركين نتج عنها وجود معضلة أخلاقية – قانونية تتعلق بالعدالة العراقية الراهنة وما يحيط بها من غلاف الفوضى وتراكم الملوثات الضارة ..)

هناك من يقول أن أمور القضاء العراقي والمحاكم وعمليات التحقيق الأولي لا تسير بصورة حسنة. هناك إرهاب وهناك عدم استقرار سياسي. يتزايد الإدعاء أن سبب وجودهما الرئيسي هو البيئة القضائية غير الطبيعية. هناك من يدّعي أن القضاء العراقي ما زال يخضع للسياسة ، بمعنى انه يخضع للسلطة التنفيذية وتابع لها، بينما هناك من يدّعي العكس بالقول أن السلطة القضائية ليست مصبوغة بعد عام 2003 بأية صبغة سياسية وما زالت أحكامها وقراراتها تصدر عن قناعاتها القانونية وأن الفساد الإداري والمالي لم يخترقها. من هنا نجد أن هناك معسكرين متقابلين يشغلهما (خلاف) حول العقل القضائي العراقي عن مدى تدخل القوى السياسية في شئون المحاكم وفى قراراتها.
في سياق هذا الواقع لا بد من البحث في قواعد الاستقلال القضائي القادرة على حماية العدالة القانونية وفقا للصفات الجذرية والمعايير التي ينبغي توفرها في القاضي وفي رجال المؤسسات القضائية في إطار القدرة على اتخاذ (القرار الحر) وفقا للقانون المفعـّل بطريقة تلبي ، أولا وأخيرا، مبادئ حقوق الإنسان وبناء مؤسسات الدولة التي تتخطى جميع التجاوزات على هذه المبادئ وعلى القوانين التي تصونها .
بعض الفلاسفة القدماء والمحدثين قدموا ويقدمون تعريفات خاصة وعامة للإنسان بثلاثة أشكال:
1 – إن الإنسان هو حيوان يستشعر السرور والألم مثلما يستشعر بالحاجة إلى الأمان والعدالة. بسبب هذا قامت جميع الثورات الاجتماعية والسياسية، منها ما سمي بثورات الربيع العربي أخيراً.
2– الإنسان كائن اجتماعي يحتاج إلى نظام تحكمه القواعد والقوانين التي تشبع إحساسه بالعدالة. . من أجل هذا ناضل من أجل صنع الدولة الديمقراطية.
3 – الإنسان حر وعقلاني قادر على تحديد حقوقه وتحمل واجباته ومسئولية أفعاله على وفق القوانين الوضعية لوقف التعسف الذي يهدر الطاقة الإنسانية .
هذا النمط من التوصيف يعني أول ما يعني أن خلافات الإنسان مع أخيه الإنسان إنما تتعلق بالواجبات القيمية والأخلاقية التي يمارسها الإنسان الفرد أو تمارسها مجموعات إنسانية: عشيرة، أو حزب سياسي، أو شعب أو دولة، مما يتطلب وجود (مجموعة قانونية) تحدد علاقات الناس بعضهم مع بعض بصورة تحدد الحقوق والواجبات وطرق تنفيذها بعدالة ، والجهات التي تقوم بالتنفيذ ، والواجب على المواطنين في إطاعة القوانين وضرورة تفادي الإضرار من تنفيذها بالابتعاد عن التعسف في احتمالات تطبيقها.
قديماً نشأ في بلادنا، بلاد منطقة ما بين النهرين، منذ أواخر الألف الثالثة قبل الميلاد (قانون مشترك) بين سكانها، على درجة كبيرة من الرقي والتقدم حسب وصف المؤرخين. اتضح من تتبعها ظهور حضارات شيدتها عدة شعوب في أزمنة مختلفة وفي أماكن مختلفة ، أسهم كل منها بنصيب وافٍ في سبيل بناء صرحها، وما تولـّد عنها من قوانين، منها ما أطلق عليها (شريعة بابل) ضمها (قانون حمورابي) 1728ق.م ـ1686ق.م موجداً أول شكل من أشكال النظم القانونية المتطورة التي سادت كل بلاد ما بين النهرين بعد أن وحدّها حمورابي، كما ظل هذا القانون ذاته مطبقاً ليس في بابل وحدها بل في كل بلاد ما بين النهرين في العهود التالية لحكم حمورابي لزمن أكثر من ألف عام. ( كما هو معروف تاريخيا ومدوّن بالرقم الفخارية فأن قانون حمورابي عبارة عن مدونة مؤلفة من 282 مادة مسبوقة بديباجة وتليها خاتمة. تدل نصوص هذه المدونة على اهتمام حمورابي بالإصلاح الاجتماعي، فهو يحمي الضعيف من القوي، ويضمن حريات الأفراد، وإن تميزت في نفس الوقت بقسوة أحكامها الجنائية. من ناحية الصياغة تميز قانون حمورابي بأسلوبه الموجز، وصياغة أحكامه في صورة حالات فردية حقيقية أو مفترضة، وعدم احتوائه على مبادئ وقواعد عامة إلا فيما ندر، وقد سارت المدونة على خطة منطقية تقوم على أساس الجمع بين الحالات التي ترتبط فيما بينها بوحدة الفكرة التي تدور حولها.).
في الفترة اللاحقة لسقوط الدكتاتورية في نيسان عام 2003 وهو النظام الذي كان قد أفسد جميع جوانب الحياة العراقية، السياسية والاجتماعية، والاقتصادية، طيلة 35 عاما، شملتْ الحياة المتعلقة بحقوق الإنسان وكرامته حين ألحق النظام القانوني والقضائي بمجمله بسلطة ما يسمى بمجلس قيادة الثورة، وقيادة الحزب الحاكم، حزب البعث العربي الاشتراكي، وهو الحزب الذي أوجد حالة شاذة من تكييف السلطة بكاملها تكييفاً شمولياً – دكتاتورياً مارس أكثر وسائل الضغط قهراً وفاشية وقد بتر بذلك أيدي واذرع القضاة عن نصرة الحق والعدالة ، أطمر معها تحت التراب حتى مبادئ قانون حمورابي.
في الفترة التي أعقبت صياغة الدستور عام 2005 وهو الدستور الذي نص على استقلال السلطات الثلاث عن بعضها أي استقلالية السلطة التشريعية عن السلطة التنفيذية وعن السلطة القضائية، فهل كانت النتائج المختبرة خلال سبع من السنين قد غذت مبدأ استقلال القضاء ..؟
هل تحقق المبدأ الذي نص عليه الدستور في استقلال القضاء..؟ الجواب على هذا السؤال يستلزم معرفة علاقة القضاء بالواقع السياسي من جهة وبمدى تأثير السلطة التنفيذية عليه من جهة أخرى .
من المعروف للجميع أن القاضي - أي قاض - هو إنسان اعتيادي، حاله حال أي إنسان آخر درس في المدرسة الابتدائية والمدرسة الثانوية والجامعية مع جميع زملائه الآخرين الذين صاروا أطباء ومهندسين وموسيقيين وسينمائيين ومدرسين أو غير ذلك من الاختصاصات. بمعنى أن (القاضي) ليس إنساناً اصطفاه الله أو اصطفته الدولة أو الحياة ليكون من حماة العدل بين الناس ، غير أن مقامه الذي اختاره بنفسه أو اختارته مصادفة أو مقاربة الواجب الوظيفي منتمياً إلى سلك القضاء ليكون أكثر عطاءً في خدمة العدالة وحقوق المواطنين . ربما المفروض على القاضي أكثر من غيره أن يلتزم بأخلاقية معينة تمتلك القدرة على خدمة مبادئ العدالة . كما عليه أن يلتزم بأخلاقية بارعة في اكتشاف الحق الإنساني . كذلك عليه أن يلتزم بأخلاقية ملتزمة بالنزاهة والمنطق رغم أن المفروض على كل إنسان أو موظف بالدولة أن يكون أخلاقيا أيضا ، غير أن دور أخلاقية القاضي تستلزم إعدادا خاصا واستعدادا خاصا وثقافة خاصة لعلاقة ذلك بحقوق الإنسان وبحقوق المجتمع والمصالح العامة وتأمين العدالة في المجتمع، العدالة الموزونة بصورة متساوية بين جميع المواطنين، أغناهم وأفقرهم. من هنا فأن الأولويات الأخلاقية هي القاعدة الذهبية التي يستند عليها جميع القضاة في المجتمع.
كان القضاء العراقي خلال وجوده عبر مراحله منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 وحتى يوم التاسع من نيسان 2003 غير متسم ، بمجموعه ، لا بالاستقلالية ولا بالنزاهة إلا ما ندر. فقد كان من الناحية السياسية عوناً للنظام القائم ومساعداً للقوى البوليسية و أداة للقمع وكبت الحريات وكبت حرية التعبير عن الرأي. لقد خضعت السلطة القضائية خضوعا تاما للسلطة التنفيذية، خاصة في مراحل الحكم الملكي والصدامي وجميع مراحل السلطات الانتقالية الطارئة الاستثنائية . لكن لا بد من القول أيضا وجود أعضاء معدودين في الهيئات القضائية وفي المحاكم المختلفة تربطهم علاقة أخلاقية، فردية ، مع الضمير والنزاهة والعدالة رغم أن البيئة التي كانت تحيط بهم لم تكن ديمقراطية ولم تكن مساعدة على تنفيذ القوانين بشكل طبيعي عادل أو بعيدا عن التربية الانتمائية .
مع الوضع الدستوري الجديد بعد 2003 تناغمت الأبحاث والدراسات وارتفعت أصوات المطالبات بتطبيق النظريات الأخلاقية على ميادين السلطة القضائية وعلى واجبات وقيم ووظائف القاضي العراقي، الذي ينبغي أن يمارسها بمساواة وعدالة وباستقلالية تامة عن النظريات الفكرية والأحزاب السياسية وعن مختلف الاتجاهات الحكومية .. ترى هل يعني هذا أن القاضي كانسان يمكن أن يكون بعيدا عن الرأسمالية والاشتراكية والليبرالية والإسلامية والمسيحية وعن اليمينية واليسارية ..؟
من الصعب جدا على أي إنسان عراقي في هذا الزمان وربما كذلك في كل مكان أن يكون بلا رأي شخصي ، بلا معتقد خاص ، بلا ميل لانتماء معين.
لا أتجاوز الواقع إذا قلت أن (الإنسان القاضي) لا يمكنه إلا أن يتشابك مع البيئة التي يعيش فيها ومع المحيط ومع النوع الثقافي المصاغ حوله أو أمامه في النظام الاجتماعي الذي يؤدي فيه واجباته الوظيفية تجاه أناسها المتنوعين بانتماءاتهم .
سواء كان القاضي محسوبا إنسانا تقليديا أو ميـّالاً ، بشكل أو بآخر، نحو اتجاهات سياسية أو فكرية أو دينية أو غيرها ، فأن الأصل في ممارسة وظيفته أن يكون مستقلا تماما عن أي إلهام يتعلق بميوله الشخصية ، أن يكون ناشطا مسئولاً، أولاً وأخيراً، عن تطبيق القانون في ضوء نصوصه عند النظر في نزاع بين شخصين أو بين مجموعة أشخاص أو بين طرف تكون الدولة خصماً له سواء كان النزاع متعلقا بقوانين العقوبات أو القوانين التجارية أو السياسية أو الإرهابية أو غيرها ، سواء في مراحل التحقيق الأولي أو مرحلة المحاكمة أو التمييز أو الاستئناف على وفق نصوص القوانين الإجرائية أو قوانين المرافعات .
القاضي المستقل ، حقاً وفعلا ً ، هو الذي لا يمثل نفسه ، بل ينطلق في كل نزاع من كونه ممثلا للسلطة القانونية على جميع مستوياتها كشرط أساسي لحماية جميع الحقوق الإنسانية في الدولة العراقية. هذا يستلزم من القاضي ما يلي:
1 – أن يكون صادقا في جميع قراراته التي هي جزء من المشروع الأخلاقي الإنساني الذي تدعو له كل القيم الإنسانية والعقائد الاجتماعية والأديان السماوية .
2 – أن يكون مواطناً بمستوى عال ٍ من الوعي على المستويين القضائي والاجتماعي وأن تكون جميع نشاطاته وقراراته قائمة على العلم بالقضية المتنازع حولها وأن يسترق السمع بعناية ودقة لكل قول . وقد قال القاضي العربي ابن المواز: ينبغي أن يُستقضى رجل ذكى، فطن، فهم، فقيه، متأن، غير عجول.
خلال ممارسة القاضي لعمله أن يكون متصفا بصورة دائمة بدرجة عالية من الذكاء واستيعاب قدرات القوانين والدستور على إحقاق العدالة بين جميع المواطنين في حال وقوفهم أمام أي مستوى من مستويات الإدارة القضائية في مركز شرطة ريفي أو أمام محاكم الجنايات الكبرى في العاصمة والمدن الكبرى، وأن يكون قادراً على تجنب أي شكل من أشكال وظيفته كامتياز لانحيازه أو استمتاعه بإصدار قراره لمنفعة قريب عائلي أو عشائري أو ديني أو مذهبي أو طبقي، بل أن يكون قراره ممثلا للمنفعة الكبرى لصالح العدالة وحدها . بعكس ذلك فأن قراره سيكون ظالماً، مدمرا للقيم الإنسانية وللقيم السماوية، التي يدين بها. القرار القضائي – القانوني – الحضاري هو القرار الوحيد الذي يوصل الحق إلى أصحابه، سواء كان القرار صادرا عن قاض منفرد أو عن محكمة قضائية جماعية، تضم عدداً من القضاة . إن ما يزود القضاء باستراحةٍ عامة وبعدل ٍ عام ينبغي توفير الحقوق التامة لكل متهم ، مهما كان انتمائه العقائدي أو وضعه الطبقي مختلفاً عن عقيدة وطبقة القاضي، بالدفاع عن نفسه بفرضية توفير محامي الدفاع عن الاتهام بما يؤمن عدالة تطبيق القانون وما يستوجبه القرار القضائي العادل في كل مراحله وعلى الأسس القيمية التالية :
- الأصل في كل تحقيق قضائي أو في كل محاكمة ينبغي على القاضي الحر، المستقل، في حال نظره بموضوع النزاع – أي نزاع – أن يركز بنظره على مجموعة من القواعد القانونية الموضوعية ، أي على القواعد المنصوص عليها في قوانين العقوبات وقوانين الإجراءات الجنائية وقوانين المرافعات والقوانين الأخرى ، المدنية والتجارية والزراعية والقوانين المتعلقة بحماية المواطن من كل نوع من أنواع الإرهاب بما في ذلك إرهاب الدولة الذي يمارسه أفراد الشرطة والجيش وغيرهم.
- الأصل في قرار القاضي – أي قاض حر مستقل - أن يستخلص قراره من مطالعة واسعة وافية لجميع ما أحاط بالواقعة أو القضية المتنازع عليها عبر تجرده التام عن انتمائه السياسي والعقائدي.
- الأصل في عدالة القاضي – أي قاض – أن يكون متحرراً تمام الحرية من تأثير ضغوط الرأي العام سواء كان عائليا أو عشائريا أو مذهبيا أو سياسيا أو صحافياً.
- الأصل في قرار القاضي – أي قاض – هو التعبير عن إرادة القانون ونصوصه وليس عن رأيه الشخصي الناتج عن عقيدته الشخصية أو انتمائه الشخصي.
- الأصل في عدالة القاضي أن يصدر قراره على ضوء ما يخوله له القانون سواء كان بالحد الأقصى أو الأدنى من العقاب وفق تسلسل الجريمة وعناصرها.
- الأصل في عدالة قرار القاضي أن تكون جوانب القضية التي ينظر في نزاعاتها متكاملة أمام نظره و أن لا يكون متاحا لأي طرف من أطرافها أن يخلق حولها ، منفعة مالية أو وساطة أو ارتزاقا أو أي شكل من أشكال التهديد إذ ذاك يضطرب موضوع العدالة اضطرابا كليا و يتحول الحق إلى باطل والباطل إلى حق وهذا اكبر تشوش لمبادئ العدالة والمساواة .
صحيح أن القاضي هو من عناصر النخبة القانونية في المجتمع لكنه من نوع النخبة الذي يجادل نفسه وقراراته على ضوء مهنته الإنسانية المبنية على قواعد التشريعات المقررة لـ(كل الناس) في المجتمع لكي تبقى العدالة سامية بعيدة عن التحول إلى (سلعة) يمكن بيعها أو شراءها في المجتمعات غير الديمقراطية أو أنها أداة ضاربة بيد النخب الدكتاتورية الحاكمة .
يظل الفعل الوقائي ضد الإضرار بالعدالة قائما على الثقافة الديمقراطية وفي أولها ثقافة حقوق الإنسان، وثانيها مساواة جميع المواطنين أمام القانون، وثالثها حماية حرية القاضي من أي عدوان وضغوط وتشكيك. في كل ذلك واجبات مفروضة على كل عنصر من عناصر السلطة القضائية لكي لا يتيه القضاء في متاهة الفوضى والنقائض والحساسية المذهبية كما أشار المتحاورون في برنامج (قضية رأي عام).
إن مسئولية القاضي والسلطة القضائية ، كلها ، هي في الجوهر إطاعة القانون وتطبيقه بنظام مكافئ للإبداع العقلي الإنساني لتفادي الأذى على الناس..
من القاضي وسلطته ينبع الواجب الأول للمواطنة الذي فضيلته الأولى تحقيق العدالة.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن