المسارين الثوري والسياسي: بين التكيف والتمرد

حاتم الجوهرى
FREE3EVER@HOTMAIL.COM

2012 / 11 / 30


ارتبط المسار السياسي للبلاد -بعد تنحية المخلوع- بالموجات الثورية المتباعدة التى يقوم بها الثوار، وارتبطت تلك الموجات بـ"تكتيك المواجهات" بين الثوار والنظام القديم (ممثلا فى المجلس العسكري قديما)، وكانت المواجهات عملية "جس نبض" تختبر قدرة كل طرف على الانتصار والتمسك بأهدافه، وقدرته على اكتساب تأييد الشعب؛ حيث حاول المجلس العسكري دائما تفريغ الحشود والشحن الثوري بـ"تكتيك المسكنات السياسية"، التى كان يعلنها عادة يوم الخميس. وكانت الموجات الثورية عادة ما ترتبط بميدان التحرير، وحشود "الثلاثاء" و "الجمعة" والاعتصام بصينية الميدان، ووجود المناوشات على أطرافه على مدار 24 ساعة – كتكتيك تطور مؤخرا- لحماية المعتصمين داخل الميدان، من اقتحام قوات الأمن له والتنكيل بمن داخله.
كان من المفترض أن نصل للحظة ينتصر فيها الثوار أو ينتصر فيها النظام القديم، لكن النظام القديم نقل نفس المعادلة -التى تربط المسار السياسي بالمسار الثوري - لما هو مفترض أن يكون نظام جديد. منذ تولى الرئيس محمد مرسى السلطة، وبعد أن تخلص من المجلس العسكري شريكه فى الحكم قبل أن يتخلص المجلس منه، ونحن فى حالة تجميد للمسار السياسي خاصة على مستوى: الدستور، وعلى مستوى معرفة الوزن النسبي لكل قوة سياسية، فى علاقتها مع الأخرى! ظل الجميع يهرب من تحمل مسئولية مواجهة المسار السياسي، ومن تحمل بقايا تراث وقيم النظام القديم، وفساده القابع فى كل مؤسسات الدولة الأمنية والإدارية، شغل الرئيس نفسه بزيارات خارجية دعائية وترويجية يكسب بها الوقت، وعجزت القوى السياسية المنافسة عن العمل بآليات تستطيع أن تضغط بها عليه وتحرك المشهد السياسي.
وحاول الثوار التواجد فى المشهد فى ذكرى أحداث محمد محمود، حيث عدنا لنفس المعادلة القديمة، عندما تجددت المواجهات بينهم وبين قوات الأمن، لتستغل وتسرق دماء الثوار الطاهرة كوقود للمسار السياسي، التى تعجز أطرافه عن تحمل المسئولية ومواجهته. استغل النظام السياسي الجديد الفرصة، وحرك المسار السياسي لصالحه من خلال الإعلان الدستوري الجديد، حين وضع ديباجة ثورية لتمرير سلطة الاستبداد وتغييبه دولة المؤسسات، هنا انتفض الثوار وزادت وتيرة موجتهم الثورية، وقامت القوى السياسية المنافسة للنظام الجديد بدعم موقف الثوار، والمطالبة بمطالب سياسية تلتقي – نوعا – مع مطالب الثوار، وإن تطورت آليات عملهم بعض الشئ.
أعتقد أننا فى النهاية سوف نصل لحل لوسط؛ يرضى النظام الجديد ويرضى منافسيه السياسيين، لكن تظل المعضلة الأكبر التى يتجاهلها البعض، ماذا عن الثوار! التجاهل المستمر لأهدافهم المرتبطة بالتطهير الشامل والكامل، ووضع رؤية لنظام قيمي واجتماعي جديد. ذلك قد يؤدى لتطور نوعى فى أحد الموجات الثورية، خاصة ما إذا قرر الثوار تنفيذ أهدافهم بأيديهم، والتخلص من حيل وألاعيب المسار السياسي! حجة النظام الرسمي دائما، التى يحاول بها تأليب الشعب على الثوار هى: الاستقرار والعمل والإنتاج! ولكن مستوى الوعي الشعبي يتطور بسرعة لا يتخيلها أهل التنظيمات الحزبية المتجمدة – نفسيا وفكريا -، الشعب يختار ويجرب البدائل، ولكن ذلك يعنى أنه لا يعرف طبيعة وأسلوب كل بديل سياسي يختار أن يجربه لبعض الوقت.
سوف يستمر الصراع بين المسار السياسي والمسار الثوري، سيحاول السياسيون استخدام الحجج المختلفة لحصار الثوار وتكييفهم مع المشهد السياسي ، وإخضاعهم وسلب حريتهم فى التعبير والمطالبة بأهدافهم، وسيحاول الثوار التمرد على محاولات التشويه والسيطرة من قبل السياسيين.. لنكون أمام الصراع التاريخى لفكرة الثورات عبر التاريخ.. ما بين التمرد والتكيف، ما بين التفريغ والشحن، المنتصر سيكون الأكثر قدرة على تطوير أدائه؛ لحظة نجاح النظام القائم حين: ينجح فى تمرير قوانين شمولية يسكت عنها الشعب؛ تحد من حرية الثوار وتكيفهم مع الاستبداد، ولحظة نجاح الثوار حين: ينجحون فى القيام بـ"لحظة تمرد كبرى" يؤيدها الشعب، ويفرضون من خلالها منظومتهم القيمية والاجتماعية الجديدة.
ما بين التكيف والتمرد ، الشمولية والحرية ، يقبع مصير مصر والإنسانية، هل من طريق وسط! نعم إذا توحد المسار الثوري مع مسار سياسي ما، إذا نجح فصيل سياسي فى التخلي عن برنامجه التاريخى وتبنى الأجندة الثورية بطبيعتها وآليتها (تنظيميا وفكريا)، سوف نكون أمام حل وسط، ولكن دروس التاريخ تخبرنا أن ذلك من أبعد الاحتمالات! حيث سيحاول البعض أن يغير من جلده ومن شعاراته، بحثا عن لحظة يقتنص فيها السلطة، ليكشف لنا عن وجهه التاريخى! هل سيطور ثوار مصر آلية ما تؤكد لنا تخمر عصارة الحضارة داخل نسيج هذا الشعب، أم سينجح أهل السياسية فى السيطرة على المشهد! هذه الأسئلة هى بعض ما حاولت تناوله فى كتابى الصادر مؤخرا عن "الهيئة العامة لقصور الثقافة" بعنوان : المصريون بين التكيف والثورة، بحثا عن نظرية للثورة. أدعو جميع الأصدقاء والمثقفين وأهل المعرفة لقراءة كتابى وما يطرحه من أفكار، وتبادل النقاش الجاد حول مستقبل مصر بين التكيف مع الاستبداد أو الثورة عليه.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن