صانعةُ السَّجَّاد / شعر / ستيفن بلوستون

حيدر الكعبي
kabial@memphis.edu

2012 / 11 / 27

صانعةُ السَّجَّاد


شعر ستيفن بلوستون


ترجمة حيدر الكعبي






كالوَشْمِ تتناسل الزخارف المعقودة على يديْ ورسغيْ ،
حين أربط خيوط السَّداة العليا الى الفاصل الوسطيّ.
أحياناً أجلس قرب النول الأفقيّ،
والمِنْصَبُ الثلاثيُّ فوق رأسي، فأرفع السَّداةَ السفلى،
وأُمرِّرُ اللُحْمةَ من الأسفل، من وشيعةٍ في يدي.
وأحياناً أجلس قرب النول العموديّ، بين عوارضَ متقاطعة
وأعمدةٍ واقفة، فأَنْشُرُ الرسومَ وأواصل العمل.
ففي الرسوم تصاميمُ أهتدي بها لعَقْدِ الخيوط.
في الماضي، كنت أجلس في مشغلٍ بين صفوفٍ من العاملات،
والحائكةُ الأقدم تُشْرف على تغيير الألوان.
واليوم أصبح النسيج عملاً آلياً،
اليوم حتى الرجال والصبيان، حتى العمال العاديون،
ينسجون في الورشات على أنوالٍ لم يصنعوها،
ويحوكون أنسجةً لم يغزلوا خيوطها.
أما أنا فأعمل في الظلام، في غرفة داخل بيتي،
لا حاجةَ بي الى الضوء، إلا ما يكفي لرؤية الخيوط
والخطاطيفِ والأمشاطِ المعدنيةِ والجزازاتِ عند قدميّ.
أشعر هنا كأنني داخل خِباءٍ مغوليّ،
أتذكَّر الأغاني التي تعلمتُها من أمي وجدتي،
أيامَ كانت سجاجيدنا تمتد وتتسع كالإيقاعات المتناغمة،
وكمهور العرائس الجميلات في حقولٍ لا حدَّ لنورها.
وحين يكثر عددُ العُقَد، رغم أنه يبقى هو هو،
تفيض الزخارف وتتقدم صفوفاً نحو الحافات.
ومع حرصي على اتّباع المخطَّط، فحين أغرق في العمل
تتضاءل قيمة التفاصيل، فتتماسك طبقات النسيج
وتزداد غِلظةً فكأنها الهواء المجدول،
فترتفع من النول نحو شعاعٍ غامرٍ
يخترق صِبْغاتِ الفُوَّة، ويتخطى نقاوةَ الحرير،
ويتجاوز طَفَحَ الذهب على السطح، ويسبق خيوطَ الفضة.
وحين يحدث هذا، يُفْلت قلبي مني
مثل قلب عروسٍ شابة، ويحلِّق فوقي،
في الفضاء الذي يَفْصِل رأس زوجي عن النجوم.
وهذا أيضاً تعلمتُه حين كنت فتاة،
أتدرب على الطرق المختلفة لعَقْدِ الحواشي.

ولأنني سمعت قصصاً كثيرة عن سجاجيد القصور القديمة
فقد تعلمت أيضاً أن العُقَدَ عيون
وأن العين، إذ تبعد نفس البعد عن كل عقدة،
لابد لها أن تهيمَ كعريشة العنب، وأن تنعكسَ وتتضاعفَ
وتتوغلَ في حقولٍ أكثرَ ثراءً من أحواض الزهور في الحدائق الحقيقية،
فأروحُ أجْمَعُ وأفرّق، وأربط وأَقْسم،
حتى لا تعودَ ثمة نهايةٌ لهذا التيه،
ومع كل نقشةٍ من النقوش
تتفتح طيات من زنابقِ الماء والجوري والطواويس والسرو،
حتى ينتهي التطواف بتطهيري، مثلما يتطهر المصلي بالرمل بدَلَ الماء.

ومع ذلك فها هو الخواء يتسلل الى قلبي.
كانت بناتُ بناتي قد أبقينني حية.
ولكنهن الآن يعشن في المدن بين الغرباء
وقد أمسى نسيجُهن بضاعةً كاسدة،
أما بناتُهن فشَرَعْنَ بتعلمِ مهنٍ أخرى.

وهناك، في مسجد أردبيل،
مازالتِ النقشةُ الذهبيةُ الكبرى لوردةِ الشمس،
تحتل قلب السجادة العظيمة،
وحولها يتحلق ستةَ عشرَ قرطاً في هيئة اللوز،
تصدر عن أربعة ينابيعَ للوتس،
هي عيون المياه المقدسة المغمورة بالضوء،
ثم تنتشر فوق حقولٍ رماديَّة الزرقة.
فيما تمتد عروق الأرض اللامحدودة ذاهبة الى كل مكان،
ويظل العالم حياً كالأصابع التي تَعْقِدُه
وكصوت الحائكة وهي تثرثر وتغني
وكالتحديق في عيني فتاةٍ مصغية.








ستيفن بلوستون: شاعر أمريكي. ولد في نيويورك. رُشِّح ديوانه الأول (قِرَدَة الجاذبيةِ الضاحكةُ) لجائزة الكتاب القومية للشعر. فاز بجائزة گرينبورو رفيو للشعر وبجائزة توماس ميرتون وبجائزتَيْ هوبوود وبالجائزة الثانية لمسابقة روبرت بن وارن. درَّس الإنكليزية والسينما في كلية الفنون الحرة بجامعة مرسر في ولاية جورجيا. قصيدته "صانعة السجاد" مأخوذة من ديوانه (الموتى السافرون) الذي رُشِّح هو الآخر لجائزة الكتاب القومية للشعر. يقيم في نيويورك.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن