اشارات ليزيرية

رافد الطاهري
salam_74wtf@yahoo.com

2012 / 11 / 26

إشارات ليزيرية..؟؟
وفي لحظة من الصمت دعاني أصدقائي للسهر في إحدى كازينوهات بلد الجمال لبنان ، وما أحلاها من بلاد يعيش الكل مع الكل ولكن كلا على حدا يتصرف ، وهو لا يؤذي بتصرفه هذا أو ذاك ، كأنه مزيج من مواد غير قابلة للمزج ألا بظرف كالظرف اللبناني ، المهم بعد مسيرة الساعة ونيف الساعة باتجاه الشمال من وسط بيروت ( الحمراء) وهو شارع معروف بريادته للأزياء و" الاتكيت " الأوربي ، وعلى العلم ان أزياء أوربا تزور لبنان أولا ومن ثم بقية دول المنطقة ، وعند مرورنا بعاصمة فرنسا العرب نجد ما يحده البحر يسار والجبال ومرتفعاتها السلسة يمينا ، ونحن نسير بسرعة ثابتة ، نحاول اخذ مقتطفات لصورة متحركة من زمن لا يسمح بالتوقف ، روعة المناظر المتزينة بأشجار الميلاد المجيد والأضواء التي تستشعر ظمئ السياح / وهم يحدقون من كل صوب تجاه ساعة تفصلنا عن انقضاء سنة من عمر وله في التصادمات السياسية والانشقاقات الطائفية والمهزلة الاقتصادية التي تلف العالم وحكومات وعينا عليها وهي تحكم بقبضة حديدية تنهار تحت سلطة مواقع التواصل الاجتماعي وثورات كان مقدر لها الفوز بعد ان نضجت بين سطور المدونين وأصحاب الحرية ، و سراق كبار كحيتان البحر القديم تلقفوها لمصلحتهم ، وستضيع آمال الشباب من جديد في امتلاك حريتهم ، تارة تصادر باسم الوطن والقومية وتارة باسم الدين والمذهب ، وما بينهما تتخبط الجموع باحثا عطشا ولاهثة ،نحو الحرية التي لم ولن تتحقق بظل وجود هذه الحيتان الميتة .
وتدور بنا سيارة أبو ربيع بقرى ونواحي لبنان ، وهو لا يبت أن يتكلم طوال الرحلة عن الأماكن وعناوينها وأسماء الشوارع ومميزات كل ( حتة ) حسبما يسميها بلغته اللاذقية وقليل من الحلبية معززة بعبارات لبنانية ، كشعب واحد جزء من قبل ، وهو ألان يرضخ تحت المليشيات و أصحاب النفوذ يترنح فيما بينهم عسى ان لا يزعج احد الأطراف ، مرة بنزع السلاح وأخرى بأخذ الثائر والمقاومة ، هكذا يا صديقي سعد حال هذا البلد ، ولكن لنتعلم منهم شيء جديد لأنهم قاموا من مقبرة أربعة عشر سنة حرب أهلية ، كانت تغذيها كل دول الإقليم متمنية اتساع فجوة الدمار لكل الأنحاء منها ، لبنان مهد الثقافة والتعايش تنذر اليوم بمرحلة دماء جديدة يدفع ثمنها بالتأكيد شعب يتوق الى الحرية بكل جوارحه ، ولا تنفك الصحف والمجلات وما أكثرها / تذكر بلبنان وسلامتها . ناسين ومتناسين ان من يدير دفة حكمهم الان على الاقل سوريا بمخابراتها المخلصة للاسد كحاكم اوحد في منطقة متزعزعة ، وبامر من اسرائيل وامريكا اجتاحوها بعد كمال بيك ، ولم يعد بيد الروس حيلة لعمل شيء اخر غير مباركته بخجل..
المهم يا صديقي سعد ، لقد وصلنا مبتغانا بعد رحلة جميلة دامت الساعة أنها ليلة راس السنة والكل يتحضر لها ، أنما في بلدي فبالتأكيد الكهرباء هاجرت الناس وأعلام الحزن تغطي المنازل مثل كل عام ، وهي مصيبة اذا تكلمنا عنها ، حيث تعتبر خطوط عريضة مليئة باللون الأحمر القاتم كلون الدم الذي غطى أرضنا قبل ألف عام تقريبا ، المهم بعد ان أوصلت هاتفي الجوال بالأنترنت اتصلت وقبل ان اصل بقليل للمكان الذي سوف اقضي فيه احتفال راس السنة ، وأنا افتح نافذة التواصل ( الياهو ) حيث دارت محادثة بيني وبين؟...
- كيف حالك يا صديقي؟؟
- يجيبني ، أنا بخير يا صديقي !
- هو / كيف الأحوال عندكم وما هي الأجواء ؟؟
- انا / الأحوال على ما يرام ، والأجواء جنونية ، حيث المطر وهو متعتي بالحياة ، وكون المطر وسحبه غادرت بلدي من وقت طويل وزاغ المطر عن أرضنا ، فأننا نعشق أجواء المطر .
- هو / اه كم جميل يا صديقي هذه الأجواء ، أرجوك تمنى لي أمنية .
- انا / أتمنى ان تتحرر من عقلك وتخوض غمار السياحة في بلد اخر.
- انا / وما الأحوال لديكم ؟؟؟!
- هو / اعتقد ان السماء أغلقت جفونها وانقطعت عنا السبل حيث لا كهرباء او نفط او ...
- انا / يكفي اعرف التفاصيل ؟!! اجبني ... هلاووو
يبدو لي انقطعت شبكته عن التواصل حيث لا أخفيكم علما ، أننا متخلفون حتى في وسائل الاتصال ، والأسباب كانت امنية واليوم اقتصادية ( حرامية يديرون مؤسسة الاتصالات ) وهذا شيء عادي بالنسبة لبلدي ، حتى اننا توقفنا بالحديث عن مثل هذه الأمور .
نزلنا من سيارة ابو وديع وتوجهنا نحو بوابة الكازينو الذي بدا لي ومن الوهلة الأولى انه راق بشكل كبير ، المهم وانا أسير بالعراء للوصول الى البوابة تناذرت الى أذني صوت العود والكمان ، تمعنت قليلا واذا به طرب عراقي ، تمعنت أكثر واذا بصوت حنين غادرنا منذ زمن ليس بطويل ، لكنه يسكن في أشرطة المسجلات للسيارات والبيوت ، اعتقد لا بل اجزم انه كاظم الساهر ، يا ليالي بيروت ، وكم تحتضن الفن والإبداع بين أحضانها ، انها لمن اجمل ليال العمر حيث اسمع كاظم قريبا مني وموسيقاه تسكرني حتى قبل ان أتناول كاسي ، تبا للجحيم ، ناديت أصدقائي لما لا نحضر حفلة كاظم الآن ، أجابوني بشيء من السخرية ؟؟!! وهل انت مجنون في نفس ليلة غنائه نحصل على حجز وضللنا نضحك من هذا الأمر ، حتى دخلنا كما اسميها ضحكا ( دار أبو سفيان ) الكازينو ، حيث كان واسع ويعطي طابع شرق أوربا بكل مكوناته ، وتحف جدرانه أنوار خارجة وداخلة فيه ، موجهة و عشوائية ، محمرة ومزرقة ، يعلوها الأصفر الباهت عند العرض ، يتناذر وجوه الجالسين تجاه من دخل الى الساحة ، و مسرح يتوسط المبنى ، مليء بالفتيات الجميلات ، وهن يستعرضن بقوة مفاتنهن وبأسلوب راقص راق جدا ، تدخل راقصة لها عينان كثيرة السواد من الكحل كعين المها ، و وجه مثلث تعتليه بهجة بريئة ، وكأنها فتاة جاءت من عنق رحم أمها توا ، وجسد ممشوق يتلووا داخل ملابسها الشبه عارية كالمغزل تنحت صورا من رقصات شرقية وغربية ، ولا عجب من ترك الجميع لكؤوسهم وتحويل أنظارهم باتجاهها ، واذا بسيد المكان يقلب بيده الحاملة مشعل من الليزر موجه بسرعة ارتداد يده نحو وجوه الفتيات الجالسات وكأنها أشاره للانتشار والصعود فوق المسرح لعرض أنفسهن ، عسى ان تغر نضر احد الجالسين بأجسادهن الخلابة .
والحقيقة قد لفت انتباهي كثيرا هذه اللقطة ، اي طريقة معاملة صاحب الكازينو للفتيات وهي معاملة جميلة وحسنة ومحترمة ، ولكن لوهلة انا نضرت لها من منظور اخر ، فبينما هن جالسات تعبات من العمل المستمر حتى ساعات متأخرة من الليل ، واذا بصاحب المكان يرغب بجني المزيد من الأرباح على حسابهن ، وكأنهن دمى يحركهن كيفما يريد ، وهذا ضوء الليزر هو ما أدهشني ، حيث يمر عليهن ويشق وجوههن وأجسامهن فيتحركن مسرعات نحو المسرح ، وكان زلزال ضرب أكعاب أرجلهن ، والمثير اني تصورت ذلك كطيور الزينة عندما ( تنشهن ) بعصا او قطعة قماش فيبادرن الى الطيران والاهتياج ، تكررت هذه الطريقة في عدة أماكن ذهبت أليها ، ولكن في النهاية تذكرت أنهن موجودات لسعادتي على حساب سعادتهن ، والحقيقة ان لكل واحدة قصة محزنة ومؤثرة ، بغض النظر عمن تبحث عن المال او الشهرة ، فتبا لها من حياة و واقع مرير .



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن