هل الكف عن التدخل في الشئون السياسية للدولة العراقية حماية فعلية للحوزة العلمية وعلماء المسلمين شيعة وسنة؟

كاظم حبيب
khabib@t-online.de

2005 / 3 / 1

يلاحظ المتتبع لأحداث العراق السياسية خلال الفترة التي أعقبت سقوط الدكتاتور ونظامه الدموي وجود سعي دءوب وحثيث; مرة مستتر وبصوت غير مسموع, وأخرى مكشوف وصريح وبصوت مرتفع, من جماعة مذهبية شيعية تحاول زج الحوزة العلمية في شئون البلاد السياسية وفي الصراعات الجارية بين مختلف القوى السياسية العراقية متخذة وجهة وحيدة الجانب ومتحيزة لجماعة دون غيرها. ويبدو أن هذا الموقف يستطيب لبعض العاملين في الحوزة العلمية والمحيطين ببعض علماء الدين الشيعة, رغم الادعاء المستمر بأن الحوزة العلمية لا تتدخل في الشئون السياسية وأنها لا تريد بأي حال ربط الدين بالدولة, ولا الأخذ بولاية الفقيه الممارس في إيران. وكدنا نثق بأقوال السيد الدكتور علي, الخبير بشئون الحوزة العلمية, وخاصة في فترة الدعاية والمنافسة الانتخابية عبر قناة الفيحاء على نحو خاص, أو السيد الدكتور حسين الشهرستاني وهو يحاور ذات القناة أو فضائية القناة العربية.
يحتل سماحة آية الله العظمى السيد علي السيستاني مكانة محترمة وموقعاً طيباً في نفوس أوساط واسعة من سكان العراق, وخاصة كثرة من الأوساط الشيعية المتدينة. وهي لم تأت بصورة عفوية أو عبثية, بل لأن السيد السيستاني قد ابعد نفسه طيلة العقود المنصرمة عن التوغل في السياسة اليومية العراقية أو الوقوف إلى جانب قوى سياسية معينة ضد أخرى, كما مارس الوظيفة الدينية في الحوزة العلمية بصورة مناسبة وواعية للمخاطر التي يمكن أن تتسبب به تدخل الحوزة العلمية وشخصه الفاضل في هذا النشاط. وكان اهتمامه منصباً على أتباع المذهب الشيعي بشكل خاص. واستند هذا الموقف إلى رؤية عقلانية للعلاقة بين الدين والسياسية وبين الدين والدولة, فحماية الدين وأتباعها تتطلب الابتعاد عن السياسة وعن تأييد قوى سياسية دون أخرى, كما أنها تعبر عن وعي بوجود أكثر من دين ومذهب في العراق يتطلب موقفاً حيادياً من الدولة والحكم إزاء المجتمع.
لقد كان موقفاً وطنياً عاماً حين طالب بإجراء الانتخابات, رغم الاختلاف في الرأي في تقدير هذه الخطوة بسبب قصر الفترة التي حددها لإجراء الانتخابات, أو عندما تمكن من وضع حد لسفك الدماء بسبب صبيانية السيد مقتدى الصدر وعنف وقسوة واستبداد المليشيات الشيعية التي كان يقودها. ولكن فوجئنا باتساع قاعدة التدخل اليومي حين منح السيد السيستاني مباركته لقائمة الائتلاف العراقي الموحد دون منحها للقوائم الأخرى, أي أن السيد السيستاني وضع ثقل الحوزة العلمية وثقله الديني الشخصي في ميزان الائتلاف العراقي الموحد, وبالتالي اتخذ موقفاً سياسياً محدداً في مواجهة القوائم الأخرى, مما ساعد على حصول ما حصل في نتائج الانتخابات التي ما كان لهذه القائمة أن تحقق هذا الفوز "الساحق!" حسب التعبير المفضل والمحبب لدى السيد عبد العزيز الحكم. وكنا نأمل أن يكون هذا التدخل هو الأخير. ولكن طلع علينا السيد الدكتور إبراهيم الأشيقر الجعفري ليعلن للجمهور مباركة جديدة من السيد السيستاني له على ترشيحه من قبل قائمة الائتلاف العراقي الموحد لمنصب رئيس الحكومة العراقية الانتقالية القادمة في وقت يوجد أكثر من مرشح لهذا المنصب, علماً بأن الدكتور الجعفري لا يتبع في تقليده الديني للسيد السيستاني, بل أن حزب الدعوة يرتبط فكرياًً, حسب علمي في الفترة السابقة وبحدود معينة, بالسيد محمد حسين فضل الله.
إن الطريقة التي مارسها السيد عبد العزيز الحكيم قبل ذاك عند إعلان مباركة السيد السيستاني لقائمة الائتلاف العراقي الموحد, والطريقة التي أعلن فيها الدكتور الجعفري مباركة السيد له أيضاً, تريد في الجوهر الوصول إلى الغايات التالية التي يفترض تنبيه الحوزة العلمية إلى مخاطر هذا الطريق, وهي التي عبر عنها السيد عبد العزيز الحكيم مرة حين قال بأن علينا أن نتفق حول الموقف من ولاية الفقيه, أي احتمال الأخذ بالطريقة الإيرانية في حكم البلاد والعياذ بالله:
1. محاولة جادة غير سليمة لربط الحكم والحكومة بمباركة ورضا السيد السيستاني, ومحاولة اعتبار ذلك جزءً لا يتجزأ مما يفترض أن يكون عليه المستقبل لرؤساء الوزارات. فمباركة السيد السيستاني هي التي تعطي المرشح لرئاسة الوزارة الحق في الترشح ومنافسة الغير.
2. تأكيد ربط الدين بالدولة وبالسياسة, وهو أمر سيخلق مضاعفات وصراعاًت غير ضرورية وغير مناسبة في المجتمع العراقي يقود إلى عواقب وخيمة.
3. محاولة تأكيد علاقة الدولة والحكومة بالمذهب الشيعي بسبب رمزية الحوزة العلمية والسيد السيستاني للمذهب الشيعي الذي يمنح مباركته وتأييد لقائمة معين ولشخص مرشح لمنصب رئيس وزراء.

إن هذه النقاط الثلاث تضعنا وجهاً لوجه أمام قضية غاية في الخطورة, وأعني بها ما يلي:
إمكانية نشوء سياسة جديدة في العراق تفرضها الحوزة العلمية بصورة غير مباشرة من خلال المباركة, وبالتالي أن يكون الشخص مستبداً برأيه لأنه يستند إلى تلك المباركة. وأن هذا الموقف سوف يثير شئنا أم أبينا المزاج الطائفي والتمييز الطائفي في البلاد, وبالتالي يدفع بالسنة العرب, وربما غيرهم أيضاً إلى رفض هذه الوصاية على الحياة السياسية في العراق, كما سترفضها القوى المدنية لأنها ستكون بعيدة عن الديمقراطية.
ومثل هذا الموقف سيجعل الحوزة العلمية في خضم الصراع اليومي في المجتمع وستدفع بأتباع المذهب الشيعي المتدينين والمقلدين للسيد السيستاني ووكلاء السيد إلى التحزب بصورة طائفية لا يجوز سيادتها في الحياة السياسية والاجتماعية العراقية. وبالتالي يمكن أن تتعرض الحوزة العلمية ذاتها لمشكلات هي في غنى عنها, والتجارب المنصرمة كثيرة وقاسية يفترض أن تكون عبرة لمن اعتبر ودرساً لا ينسى.
إن النصر الذي تحقق لقائمة الائتلاف العراقي الموحد ينبغي له أن لا يدفع ببعض أقطابها وقواها إلى التعالي والتكبر والتجبر, فهي ليست من صفات السياسي الحصيف ولا يتحملها الواقع العراقي الراهن والمستقبلي. إن حماية الحوزة العلمية ضرورة ملحة تنشأ من خلال ابتعادها عن الحياة السياسية للدولة العراقية, والنصائح التي بمكن أن تقدمها للدولة ليست سوى مقترحات, ويفترض أن لا تقدم إلى حزب بعينه أو قوة سياسية معينة أو ائتلاف سياسي, إذ أن ذلك يعتبر تحزباً لا يجوز للحوزة العلمية وممثلها الخوض فيه. إن ما أخذ على جمهرة كبيرة من هيئة علماء الدين السنة هو سيرهم في ركب الحكم ودفاعهم عن صدام والتمتع بعطاياه من قوت الشعب المحروم والامتيازات التي منحها لهم وحرم الشعب العراقي منها وضمنهم أتباع المذهب السني. ويفترض أن لا تمارس الحوزة العلمية نفس الموقف الذي مارسته هيئة علماء المسلمين السنة.
إن المباركة لهذا الرئيس أو ذاك يفترض أن تأتي من الشعب, ومن الجمعية الوطنية وليس من فرد أياً كان وزنه وتأثيره على الناس, إن المباركة يفترض أن لا ترتبط بالترشيح بل بالأعمال التي سيمارسها المكلف المحتمل لتشكيل الوزارة.
إن الدكتور الجعفري خالف نفسه حين صرح أثناء المنافسة الانتخابية مشيراً إلى أن السيد السيستاني لم يبارك قائمة دون أخرى, فهل يحق له في الصراعات الدائرة حول مركز رئيس الوزراء أن يستعين بسبل غير ديمقراطية وغير سليمة يمكن أن تقود إلى عواقب غير مرغوب بها على مستوى الدولة العراقية والديمقراطية والتعددية والحياة البرلمانية.
كم كان بودي أن يبتعد السيد الدكتور الجعفري عن هذا المطب, لأنه بذلك كان يحاول أن يؤسس لقاعدة غير ديمقراطية في حياة نسعى لأن تكون ديمقراطية, إذ أن السيد السيستاني لا يمثل نفسه في الموقع الذي يحتله, بل يمثل الحوزة العلمية, وهي ليست حزباًُ سياسياً أو جهة سياسية, بل جهة مذهبية لا غير.
لنبعد الدولة عن تدخل علماء الدين بشئونها وشئون السياسة, سواء أكانوا علما دين شيعة أم سنة, ولنبعد الحوزة العلمية وهيئة علماء المسلمين عن تدخل الدولة في شئونهم, ليكن كل منهما مستقلاً عن الآخر, وهي حماية لهما في آن واحد, وحماية للحرية والديمقراطية والفيدرالية في العراق الجديد.
برلين في 27/2/2005 كاظم حبيب



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن