الطائفية والثورة في سورية

إياد أبازيد
howrans@gmail.com

2012 / 9 / 17

مرة أخرى و ليست الأخيرة يرسل لي صديقي مقالة جديدة موقعة باسمه الدكتور محمد ناصح عبد الله .
يرسم لنا لوحة عن واقع ثورتنا المباركة من أجمل لوحات تاريخ سورية العريق , يضعنا في قلب الأحداث و كأننا نعيش اللحظة بكل جمالها و روعتها و سحرها الاسطوري . مسك قلمه و بدأ يخط على وريقات صورة المرحلة الأهم في تاريخنا الحديث مبيناً رؤيته لواقع و مستقبل سورية فكتب لنا تحت عنوان الطائفية والثورة في سورية :

طالت المدة كما توقعت ولم يسقط النظام في سورية، ويوماً بعد يوم يزداد قلقي على بلدي الحبيب وأمتي الغالية، ويكبر خوفي من المستقبل. يوماً بعد يوم تتصعد في سورية لهجة طائفية مرعبة تنذر بما لا يسر ولا يرضي.
كثيرون يظنون أن أمريكا ليست راغبة في التدخل العسكري في سورية لإسقاط النظام، وأنه لا أمل للسوريين بالتغيير إلاّ بمعونة دولية أمريكية بالدرجة الأولى. وقد أصبح من الواضح للجميع أن النظام السوري رغم ممانعته الشكلية للمخططات الإسرائيلية والأمريكية ورغم تعاونه مع إيران تعاوناً مزعجاً للدول الغربية فإنه يبقى في نظرهم أفضل من مستقبل مجهول وغير مضمون بالنسبة لهم وبالتالي هم لا يمانعون في بقائه لكن مع إجراء بعض الإصلاحات التي تهدِّيء خواطر السوريين وتعيد الاستقرار إلى المنطقة. لكني ما زلت لا أطمئن لنوايا أمريكا وإسرائيل نحو سورية، فهم لديهم مخطط استراتيجي يعتقدون أنه من خلاله يمكن أن تنعم إسرائيل بالأمان والرفاهية والسيطرة على المنطقة كلها لأجيال عديدة قادمة.
علينا الحذر, وأن لا نظن أنه عدو عدونا صديقنا في جميع الأحوال، فقد يكون عدو عدونا ألد أعدائنا، وقد يتعاون معنا ضد العدو المشترك لكنه يبقى عدونا يخطط للإيقاع بنا ويتحين الفرصة للإنقضاض علينا، لذا حتى لو كانت أمريكا معادية للنظام السوري فإنها أبداً لن تكون مخلصة للثورة والثوار إلا بمقدار ما يحقق ذلك لها مصالحها، وأمن إسرائيل على رأس تلك المصالح.
لذا إن تعذرت المحافظة على النظام السوري، أو إن حانت الفرصة المواتية، فإن أمريكا وإسرائيل سترجعان إلى خطتهما القديمة وهي تفتييت سورية ولبنان إلى خمس دول طائفية، وربما إلحاق أكراد سورية بكردستان العراق. الخطة تقضي بإقامة دولة علوية تضم الساحل السوري وطرابلس لبنان وحمص وحماة، وإقامة دولة مارونية في وسط لبنان، ودولة شيعية في جنوب لبنان ودولة درزية تمتد من السويداء إلى المناطق الدرزية في لبنان ويكون الجولان بعد تحرره جزءاً منها، وتبقى دمشق وحلب لتتكون منهما دولة أو دولتان سنيتان.
هذا التفتيت سيجعل إسرائيل دولة عظمى بالنسبة لما يحيط بها من دويلات يراد لها أن تكون دويلات متناحرة تنشغل بالصراعات والحروب فيما بينها، وقد تمارس إسرائيل يومها دور الحَكَم والمُصْلِح بعد أن كانت هي العدو الغاصب. لا تحسبوا أنني واهم، فقد أنجزوا خطتهم في تقسيم العراق إلى ثلاث دويلات كردية وشيعية وسنية.. ولا يخدعنا بقاؤه متحداً فيدرالياً، فالعراق أبداً لن يكون دولة قوية خطيرة على إسرائيل كما كان من قبل.
قد لا يبدو هنالك مؤشرات واضحة على سعي أمريكا وإسرائيل إلى تقسيم سورية ولبنان قريباً، لكن يجب أن لا يخدعنا ذلك فهم ينضجون طعامهم على نار هادئة كما يظنون. العراق لم يبدأ تقسيمه مع الغزو الأمريكي عام 2003، إنما بدأ منذ فرضوا مناطق الحظر الجوي فوق شماله وجنوبه عام 1991، لتترسخ فكرة الدولة لدى كل من أجزائه الثلاثة.
وقد يقول قائل وما الضرر من تشكيل أقاليم متعددة تتحد في دولة فيدرالية، مثلما هي الولايات المتحدة الأمريكية عبارة عن مجموعة دول متحدة فيدرالياً؟ لو كان التقسيم سيتم بالتراضي والتفاهم ودون ضحايا وعذابات وتبقى المودة بين الطوائف قائمة لقلنا لا ضير من ذلك كبيراً، وبخاصة أن الدولة المتحدة إندماجياً لم تحقق شيئاً أمام إسرائيل. المشكلة هي في حرصهم على ملء نفوس طوائف السوريين بالحقد والعداء تجاه بعضهم بعضاً ليكون التقسيم حقيقياً، لا مجرد تقسيم إداري قد يفيد أكثر مما يضر.
حتى يتم التقسيم في العراق أفسحوا المجال للموالين لإيران من الشيعة وللزرقاوي وغيره من التكفيريين كي يقتلوا كل المودة والإخاء الذين كانا سائدين ما بين السنة والشيعة في العراق. يقال إنه كان في العراق قبل الغزو مليونان من الأسر مكونة من تزاوج سني شيعي, وهل مع التزواج يكون هنالك طائفية؟ لقد أعطى الأمريكان إيران الفرصة لتعبث بالعراق كما تشاء لا عن ضعف منهم أو غباء، إنما هم جاؤوا لتقسيم العراق وتقسيم الشعب العراقي، وهذا الهدف مشترك مع إيران التي عانت من العراق ما عانت في حرب طويلة أرهقتها وبددت طاقاتها، ففي تقسيم العراق أمان لإيران، وفي إنشاء دولة شيعية في العراق ضمان لاستمرار النفوذ الإيراني في العراق إلى آجال لا يعلمها إلا الله.
إذن التقت العدوتان اللدودتان على أهداف مشتركة في العراق، فكانت الفتنة الطائفية بين السنة والشيعة، وكان القتل على الهوية من الطرفين، ومارسوا في حق بعضهما بعضاً أشد مما مارسه الصرب مع المسلمين في البوسنة. ومن لا يصدق ما عليه إلا أن يسأل بعض اللاجئين العراقيين في سورية ليسمع منهم حكايات لا تخطر بالبال من الفظائع والعنف الطائفي الذي وقع ومازال يقع في العراق. لم يكن العراقيون طائفيين، ولم يكن حكم صدام حكماً سنياً يهمش الشيعة، بل كان حكماً قومياً همش الأكراد مع أنهم عراقييون من آلاف السنين لمجرد أنهم ليسوا عرباً، وكان حكماً اعتمد على عشائر معينة يضمن ولاءها وهمش الباقين سنة كانوا أو شيعة، وقد كان الشيعة في حكومات صدام وفي جيشه يشكلون أكثر من النصف. نعم لم يكن العراقيون طائفيين لكن قلة آثمة منهم استطاعت أن تضرب الأسافين العميقة بين السنة والشيعة هناك، وأن تخلق في النفوس عداوات وأحقاداً لا يعلم مداها إلا الله، ولا يعرف العراقيون كيف ومتى سيتجاوزونها ليعودوا شعباً واحداً متآلفاً.
من أجل تقسيم سورية ولبنان ستدعم أمريكا بعض الحاقدين الموتورين من أبناء السنة ومن العلويين وغيرهم من الطوائف السورية لِتُدْخِلَ السوريين في حرب أهلية تطول السنين العديدة وتقضي على الأرواح الكثيرة بحيث يصبح التقسيم أمنية الجميع ووسيلة الخلاص الممكنة.
هذه ليست أوهام.. نحن نواجه أعداءً لا يرحمون، ومتى كان الصهاينة رحماء؟ إن الأمر بالنسبة لهم مسألة وجود، وهم لا يتورعون عن شيء يضمن لهم البقاء في أرضنا والتمتع بخيرات بلادنا. أمريكا يتنافس رؤساؤها في إرضاء اللوبي الموالي لإسرائيل هناك ولا مانع عند الكثيرين من سياسييها أن يكسبوا تأييد اليهود وأموالهم وأصواتهم طالما أن الثمن سيكون من خيرات بلادنا وعلى حسابنا نحن.
كثيرون من السوريين من أبناء الطوائف المختلفة يكررون تأكيدهم أن النظام لن ينجح في خلق فتنة طائفية يكون فيها نجاته من السقوط. لو نجح النظام في تحويل ثورتنا إلى فتنة طائفية سنية علوية فسيطول عمره وقد ينتصر على الثورة ويقضي عليها. فلو نشبت الفتنة الطائفية على أساس ديني هل سينضم أبناء باقي الطوائف السورية الأخرى إلى السنة أم إلى العلويين؟ لا أعتقد أن الجواب صعب علينا معرفته.
عندما تثار القضية دينية طائفية وتكفيرية وتخوينية، هل سيطمئن المسيحيون على مستقبلهم مع السنة الذين قد يسعون إلى دولة دينية على النمط الإيراني أو الطالباني؟ أم سيكون أمانهم مع النظام والطائفة العلوية التي لن تنشيء دولة إسلامية ولن تكون قادرة على اضطهادهم أو تهميشهم، لا عن طيب أخلاق بل لأنها بحاجة إليهم للوقوف في وجه السنة؟
هل سيختلف موقف الدروز والإسماعيليين وغيرهم من الأقليات الدينية والكثير من السوريين الغير مؤمنين بالأديان الذين يعتبرون أنفسهم علمانيين أو يساريين، هل سيختلف عن موقف المسيحيين؟ لو كنت واحداً منهم لاخترت الوقوف مع نظام ضعيف مستعد أن يقدم لي الامتيازات والضمانات لأقف معه في معركة البقاء بينه وبين السنة.. هل سأكون مخطئاً حينها أم سأكون ذكياً ومدركاً لمصلحتي؟
لو تحولت الثورة إلى ثورة طائفية فسينقسم السوريون إلى جبهتين أولاهما السنة في مقابل جبهة متحدة من العلويين والدروز والمسيحيين والاسماعيليين واللادينيين وغيرهم. عندها سيكون عند النظام شبيحة من الطوائف كلها ولن يكون لديه أزمة رجال كما هو الحال الآن.. والنظام لديه من الأسلحة الثقيلة والخفيفة ما يكفي وقتها لسحق الانتفاضة السنية، ولن يأتي أحد لإنقاذنا بل سيأتون لتقسيمنا كما هو حلمهم الذي عندها سيصبح حلمنا نحن أيضاً.
إن أخطر غلطة وأثمن هدية يمكن للثوار أن يقدموها للنظام هي تحويل الثورة إلى نزاع طائفي، فالنظام منذ الأيام الأولى للثورة حاول جاهداُ أن يثيرها حرباً طائفية بين السنة والعلويين. لأن الحرب الطائفية ستجعل الطائفة العلوية لا بديل لديها عن الاستماتة في الدفاع عن النظام حيث وقتها يكون الدفاع عن النظام دفاعاً عن الطائفة ذاتها، بينما الآن ما يزال من الممكن أن تنقلب الطائفة كلها أو بعضها على النظام وتتبرأ منه ، هذا إن لم تشارك في الثورة مشاركة فعلية. النظام يخشى أن تتخلى الطائفة العلوية عنه ويبذل كل وسعه لربط مصيرها بمصيره، وإن أي توجيه للأمور في سورية باتجاه طائفي يخدم النظام لأبعد الحدود.
قد يقول قائل دعها تنفجر طائفية، أليست النهاية ستكون لصالح السنة بحكم كثرتهم العددية والدعم المتوقع لهم من الخارج لأنهم سيقفون في وجه النفوذ الإيراني في المنطقة؟
إن كنا نريد تفتيت البلاد كما تحلم إسرائيل فهذا هو الطريق إلى ذلك. فالنظام تعوَّد على الرئاسة والتَّسَيُّد على الناس، وهو إن عجز عن الاستمرار في السيطرة على جميع السوريين فسيكون البديل المفضل عنده البقاء في الحكم ولو على دويلة علوية تكون أقل من ربع سورية الحالية. حب الرئاسة شهوة بشرية ومن لم يستطع أن يشبعها بالترؤس على عشرين مليون فسيرضى بإشباعها بالترؤس عى مليونين. عندها سيصبح النظام مجموعة من الأبطال الذين أنقذوا طائفتهم من الإبادة على أيدي السنة وأقاموا لها دولة مستقلة. إن كل من يتفوه بعبارة أو كلمة طائفية في سورية إنما هو يعين النظام ويعين إسرائيل وأمريكا على تفتيت سورية ولبنان دون أن يقصد ذلك ودون أن يشعر.
المستفيدون من الطائفة العلوية قلة، أما البقية فيستغل النظام فقرهم وجهلهم ليتخذهم جنوداً له يموت منهم من يموت في سبيل حمايته. الجميع الآن يعرف أن الشبيحة يقاتلون مع النظام مقابل أجر يومي ألف وخمسمئة ليرة باليوم وألفان يوم الجمعة. لو كانت الطائفة غنية مرفهة لما استجاب للنظام كل هذا العدد من الرجال الذين يعرضون أنفسهم للخطر من أجل المال. العلويون بشر مثلنا وليسوا طائفة مهووسة بعقيدة دينية تريد أن تفرضها على الآخرين وتستبسل في سبيل ذلك. إنها الدوافع المعيشية هي التي تحرك الغالبية العظمى منهم، ولو اطمئنوا على مستقبلهم المعيشي من دون النظام لقل حماسهم للدفاع عنه كثيراً.
العلويون طائفة استمدت اسمها من عقيدة دينية خاصة لكنها في هذا العصر آخر ما تفكر فيه هو العقيدة الدينية، وعلينا أن نميز بين العلويين من حيث هم أبناء منطقة واحدة وعشائر معينة ومن حيث هم طائفة دينية ذات معتقدات معينة. وإن أي تحول في الثورة إلى الطائفية لا بد أن يلجأ إلى التحريض على أساس ديني ليضمن إقدام الشباب من الطرفين على الموت، ولا بد من أن يقوم على تكفير الطرف الآخر ثم استباحة دمه لمجرد أنه كافر.
النظام أقنع شبيحته أن الثوار عملاء لدول أجنبية وخونة ولذلك لا إثم في قتلهم أو تعذيبهم. الإنسان دائماً بحاجة إلى أن يجد المبرر الأخلاقي لأفعاله وبخاصة إن كانت قتل الآخرين وتعذيبهم، وليس شبيحة العلويين استثناءً لهذه القاعدة.
وهذا يقودنا إلى الكلام على استباحة دم الكافر التي ستجعل أبناء السنة يقتلون العلويين وغيرهم من أبناء الطوائف السورية الأخرى التى هي كافرة من منظورهم، يقتلونهم بضمير مرتاح وربما يتقربون إلى الله بقتلهم. كل الأديان والملل تسمي من لا يؤمن بها كافراً، لذا يجب أن لا نتحسس من هذه الكلمة. أنا مسلم سني لكني بالنسبة إلى مسيحي أو درزي أو غير ذلك كافر. القضية نسبية وبالتالي كل من أنكر عقائدنا هو كافر بها مثلما نحن كافرون بعقائده. كلنا مؤمن بعقيدة وكافر بغيرها في الوقت ذاته، لكن السؤال هو هل الكفر يبيح لنا قتل الناس لمجرد أنهم كفار بالنسبة لنا؟
سأجيب على هذا السؤال من منظور الإسلام السني لسببين، الأول أنني سني وهذا المجال الذي أظن أنني أفهم فيه، والثاني لأن السنة في سورية هم من يمكن أن يقود البلاد إلى الحرب الطائفية وليس بقية الطوائف. بالطبع النظام أيضاً يريدها طائفية.
الطوائف الأخرى ولأنها أقليات ليس من مصلحتها تفجير الحرب الطائفية في سورية، لكنها ستكون مضطرة إلى ذلك إن هي حوربت من منطلق طائفي، ولا لوم على أحد إن هو دافع عن نفسه. إذن السنة هم المرشحون في سورية لارتكاب أكبر غلطة وهي تحويل الثورة إلى حرب طائفية، لا لأنهم أشرار، إنما لأنهم هم من عانوا من الاستبداد والتهميش والإساءات على مدى أربعين عاماً من حكم آل الأسد، ولأنهم الأكثرية، والكثرة تغري الإنسان باللجوء إلى القوة، لأنه يتوفع أن تكون له الغلبة.
سؤالي هو لشباب السنة في سورية: هل إذا تحولت الثورة إلى حرب طائفية ستجدون مبرراً يبيح لكم قتل العلويين وغيرهم دون الشعور بالذنب والخطيئة؟
ستقولون هم كفار فهم يؤلهون علياً بن أبي طالب، وهذا شرك ورِدَّة، وستخرجون فتوى ابن تيمية رحمه الله فيهم وتسمعونا إياها. ابن تيمية هو شيخ الإسلام وعبقري من عباقرته، لكن ذلك لا يعني أنه لا يخطيء، ولا يعني أن كل ما قاله علينا الأخذ به دون نقاش. الإمام مالك رضي الله عنه ذات مرة قال: كل رجل يؤخذ من كلامه ويُرَدّ إلا صاحب هذا القبر وكان يشير إلى قبر محمد صلى الله عليه وسلم. ستقولون دعنا من ابن تيمية وفتاواه، ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم:) أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّ الإِسْلامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ تَعَالَى)؟ وسأجيبكم بلى قال ذلك وهذا حديث صحيح رواه البخاري ومسلم لا أشك في ثبوته، لكني أشك في فهم أغلب المسلمين بعد جيل الصحابة له.
الأصل في الإسلام أنه لا إكراه في الدين، فقد قال تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } البقرة256.. والإسلام أول دين عالمي قدس حرية الاعتقاد الديني وحرم الإكراه في الدين، وإن كان ذلك لا يعفى الناس من تبعة اختياراتهم عندما يَقْدُمون على الله. قال تعالى مخاطباً محمداً صلى الله عليه وسلم ومخاطباً لنا من بعده: {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ } يونس99. لو شاء الله أن يُكْرِهَ كل البشر على الإيمان لآمنوا جميعهم، لكنه يريد منا الإيمان الذي يكون بمحض اختيارنا، حتى أنه جعل في الكون آيات تدل عليه، وأخفى نفسه، فلا نراه ولا نشعر بوجوده بشكل لا نستطيع معه إنكاره والكفر به، لذا استنكر أن يخطر ببال النبي أو غيره أن يكره الناس على الإيمان. هذه آية واضحة الدلالة على حرية الاعتقاد مع تحمل المسؤولية عن هذا الاعتقاد، لكِنْ في القرآن آيات أخرى قد يظن البعض أنها تناقض هذه الآية أو تنسخها، مثل قوله تعالى: {فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } التوبة5. فهذه الآية تدعو لقتال المشركين وقتلهم إلا إن هم آمنوا وتحولوا إلى الإسلام، وهذ الآية مع حديث أمرت أن أقاتل الناس، فهم منهما كثيرون، أن المشرك بالله لا حرمة في قتله طالما أنه مصر على شركه، وما علينا إلا أن نثبت أن العلويين أو غيرهم مشركون لنستبيح دماءهم.
النفس البشرية معصومة مؤمنة كانت أو كافرة، وحرية الاعتقاد حق لجميع البشر لا يجوز الاعتداء عليه ولو من أجل إدخالهم في دين الله الذي فيه نجاتهم من النار. هذا هو الأصل، لكن لضرورة ما كان هنالك استثناء لهذا الأصل. لم يكن بنوا إسرائيل أول أمة موحدة في التاريخ المعروف كما يظن كثيرون، بل كان العرب الذين اتبعوا إبراهيم وإسماعيل أول أمة موحدة لله بشكل جماعي لا مجرد أفراد مؤمنين، وبقي العرب ما شاء الله لهم أن يبقوا موحدين يعبدون الله على دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام، لكن مع القرون أشركوا مع الله آلهة غيره لتكون لهم واسطة تقربهم من الله زلفاً وصاروا بذلك مشركين. ومحمد بعث فيهم بالدرجة الأولى ليعيدهم إلى التوحيد الإبراهيمي الذي انحرفوا عنه وليجعل منهم أساتذة البشرية في التوحيد ودعاتها إلى الله. لم يكن العرب أمة وثنية كما هو حال القبائل الوثنية في مجاهل أفريقيا أو أستراليا أو غيرهما. صحيح أنهم عبدوا الأصنام مثلهم لكنهم كانوا يعبدون الله الخالق الكبير ويعرفونه جيداً، إنما أشركوا معه غيره، بينما الوثنيون في الثقافات الأخرى يعبدون آلهتهم ولا يعرفون الله.
صحيح أن من يقول: إن لله ولد، هو مشرك، لكن كلمة المشركين في القرآن لا تعنيه أبداً، بل اليهود والمسيحيون اسمهم في القرآن أهل الكتاب وليسوا مشمولين بكلمة المشركين. والمشركون المذكورون في القرآن هم "الذين أشركوا" أي أشركوا بعد توحيد وليسوا الوثنيين الذين لم يعرفوا الله من قبل، لذلك علينا أن نفهم من كلمة المشركين أو الذين أشركوا كلما وردت في القرآن الكريم أنها تعني المشركين العرب الذين كانوا في زمان محمد صلى الله عليه وسلم وبعث فيهم ليصحح لهم عقيدتهم التي انحرفت، ولا تعني مطلق المشركين في الأزمان والأصقاع الأخرى.
كان لابد لحماية الإسلام ولحفظ الذكر من التحريف أن يكون للإسلام دولة قوية، لذا كان النبي صلى الله عليه وسلم رسولاً ورئيس دولة، وكانت الغزوات والفتوحات. سيدنا عيسى عليه السلام جاء بالتوحيد في أمة موحدة، لكن بسبب ضعف أتباعه واضطهادهم، تمكن أعداؤه من تحريف تعاليمه وإدخال ماليس منها فيها، ولو لم تقم للإسلام دولة قوية لما نجا من التحريف ولما بقي القرآن دون أن تتبدل فيه كلمة واحدة إلى يومنا هذا.
من أجل أن تقوم للإسلام دولة تحميه من التحريف كان لا بد من إكراه المشركين العرب الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم على دخول الإسلام، وعلى العودة إلى التوحيد الخالص الذي كان عليه أجدادهم قبل أن يشركوا مع الله آلهة أخري ما أنزل الله بها من سلطان. لقد تم استثناؤهم من مبدأ لا إكراه في الدين لضرورة لا سبيل لتجنبها إلا بتعريض الإسلام للتحريف والضياع، وكان ذلك محاباة لله لهم لهم أن أكْرَهَهُم على الإسلام وقبله منهم رغم أنهم دخلوا فيه رغماً عنهم، إذ الأصل ألا يقبل الله من العمل الصالح إلا ما كان نابعاً من القلب وبحرية كاملة. كان العرب بذلك أمة محظوظة تماماً كما يكون الطفل المريض الذي يجبره أبواه على تناول الدواء النافع رغماً عنه محظوظاً.
قد يجادل البعض ويقول إن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ) أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّ الإِسْلامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ تَعَالَى) رواه البُخاريُّ ومسلِمٌ. ولم يقل أُمِرْتُ أن أقاتل العرب، وبالتالي العبرة بعموم اللفظ، ولفظة الناس تعني البشرية كلها.
صحيح أن لفظة الناس يمكن أن تعني البشرية كلها، ولكنها لا تعني ذلك دائماً، فلو قلتَ تكلم الناس على فلان لأنه فعل كذا وكذا فأنت بالتأكيد لا تعني أن كل البشرية قد تكلمت عليه، وبُعَيْدَ معركة أحد، التي قتل فيها سبعون من المسلمين وجرح الكثيرون، جاء من يقول لهم إن المشركين قد تجمعوا يريدون العودة والانقضاض عليكم ليبيدوكم، فكان جوابهم أن قالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، قال تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ{173} فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ{174}} آل عمران 173-174. إن كلمة الناس في هذه الآية بالتأكيد لا تعني البشرية كلها، إنما تعني بعض الذين هم بالنسبة للنبي والصحابة "الناس" أي بعض قومهم العرب، فهم الذين جمعوا لهم يريدون القضاء عليهم.. لذا كان من أساليب الكلام العربي أن يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله...إلى آخر الحديث، وهو يعني أن الله أمره أن يقاتل قومه العرب الذين أشركوا، وأن يكرههم على الإسلام لضرورة ما، دون أن يكون ذلك نسخاً أو إلغاء لمبدأ لا إكراه في الدين الذي قررته آية قرآنية. نعم لم تكن نفوس مشركي العرب بعد نزول سورة التوبة، معصومة، إلا بدخولهم الإسلام أو خروجهم من أرض العرب، وكان أمر النبي صلى الله عليه وسلم: (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب). وهو حديث متفق عليه.
لقد فهم الصحابة أمر النبي صلى الله عليه وسلم وحاربوا مشركي العرب حتى أدخلوهم في الإسلام، ثم حاربوا من ارتد منهم بعد وفاة النبي ومن امتنع عن الزكاة، لكنهم أبداً لم يجبروا أحداً خارج المنطقة التي كانت تسمى جزيرة العرب على الإسلام، ولم يجبروا يهودياً ولا مسيحياً من العرب على الإسلام، بل كان لهم أن يأخذوا ضريبة من القادرين منهم إن أصروا على دينهم اسمها الجزية. ثم عندما فتح المسلمون بلاد المجوس والهندوس وغيرهم من الوثنيين وأشباه الوثنيين طبقوا عليهم حكم اليهود والنصارى، حيث لا إكراه في الدين، واكتفوا بفرض الجزية عليهم، وتركوهم أحراراً في عقائدهم وعباداتهم. أي لم يُبِحْ الصحابة ومن جاء بعدهم لأنفسهم قتل رجل واحد لأنه غير مسلم، إلا إن كان من المشركين العرب الذين كان لهم حكم خاص، ولم يُشْكِل الأمر على الصحابة كما أشكل على بعض الشباب المسلم في زماننا.
إنه باستثناء المشركين العرب زمن النبي صلى الله عليه وسلم كل البشر نفوسهم معصومة لا يجوز الاعتداء عليها مهما كانت عقائدها ومذاهبها، ولا يجوز إكراهها على الإسلام مع أن في اعتناقه خير لها.
وقد يجادل مجادل فيقول:لكن النبي صلى الله عليه وسلم قال من بدل دينه فاقتلوه، ألا يعني ذلك استحقاق من يرتد عن الاسلام أو ينحرف بحيث يخرج من الملة القتل؟
في البداية كان الاسلام ديناً ناشئاَ وكان لا بد من حمايته من المشككين الذين تظاهروا بالإسلام ليرتدوا عنه ويوهموا الناس أنهم ارتدوا عنه لأنهم لم يجدوا فيه خيراً، فيكون بذلك تنفير للناس عن الإسلام. قال تعالى عن بعض يهود المدينة زمن النبي: {وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} آل عمران72، الناس يتأثرون ببعضهم بعضاً، وقد بينت العلوم النفسية المعاصرة ذلك، وسبقها النبي صلى الله عليه وسلم، عندما قال إنه لو آمن به من يهود المدينة عشرة، لآمن به كل يهود المدينة. وكلنا يذكر كيف أبطل أبو لهب تأثير الإنذار الذي وجهه النبي صلي الله عليه وسلم لقومه، يوم أن أمره الله أن يصدع بما يؤمر وأن ينذر قومه وعشيرته الأقربين، فقال له أبو لهب أمام الحضور: تباً لك أَلِهذا جمعتنا؟. لذا كان لابد لحماية الناس من هذا المكر، الهادف إلى تشكيكهم وإبعادهم عن الإسلام، من أن يَسُنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قانوناً، يعاقب فيه بالقتل، من يرتد عن الإسلام في تلك الأيام الحرجة، حتى لا يدخل في الإسلام إلا الجادون المخلصون، ثم كان قتل من يرتد من العرب الذين تم استثناؤهم من مبدأ لا إكراه في الدين. وعلينا أن نفهم التشريعات في إطار ظروفها التاريخية لنعرف هل هي تشريعات أبدية عامة، أم هي تشريعات لضرورات معينة وفي أزمان معينة.
ويبقى موضوع مُهْدَر الدم الذي على أساسه يستبيح البعض قتل من يعتبره مرتداً أو مشركاً. صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم أهدر دماء ستة من المشركين عندما فتح مكة، وأمر بقتلهم ولو تعلقوا بأستار الكعبة، لكن الذي يجب الانتباه له أن ذلك لم يكن منه صلى الله عليه وسلم بمثابة فتوى دينية، إنما كان حكماً قضائياً، بوصفه صلى الله عليه وسلم الحاكم الأعلى، وبوصف هؤلاء الستة رعايا تحت سلطته، بعد أن فتحت مكة وصارت جزءاً من دولة المسلمين. الجرائم التي استحق أولئك أن تهدر دماؤهم بسببها جرائم قديمة وسابقة على فتح مكة، ومع ذلك لم يصدر النبي صلى الله عليه وسلم حكمه عليهم إلا عندما صاروا من رعايا دولته وضمن سلطته كحاكم لا كمشرع ومفتي، لذا يجب أن لا يُهْدَرَ دم أحد إلا بحكم قضائي يستوفي شروط القضاء العادل النزيه، فمن المعروف لكل متفقه أن المسلم مأمور إن هو رأى مسلماً آخر يزني أن يستر عليه وأن ينصحه، لا أن يقتله، مع أن الحكم الذي عليه الفقهاء هو قتل الثيب الزاني. هؤلاء الفقهاء أنفسهم، لا يرون استحقاق الثيب الزاني للقتل بمجرد الزنا، بل لا بد له من المجاهرة والإقرار المتكرر، أو أن يرتكب الفاحشة أمام أربعة رجال يرون الفعل الجنسي بأعينهم، ثم يشهدون عليه أمام القاضي. الدم البشري محرم ولا يهدر بفتوى عالم أو طالب علم، إنما إهداره يعني حكماً بالإعدام لا يحق لأحد إصداره إلا القاضي المختص.
بعد هذه الملاحظات لا أجد عذراً لمن يقتل غيره بحجة الشرك أو الردة أو غير ذلك، وعلينا الحذر من التورط في الهرج وهو فوضى القتل وإزهاق الأرواح دون حق. وعلى من أراد الجهاد من الشباب أن يتقي الله فلا يرتكب الجرائم التي سيحاسبه الله عليها وهو يظن أن إنما يجاهد في سبيل الله، وعلينا الحذر من أن تدفعنا مشاعر الكراهية والحقد والرغبة في الانتقام إلى أن نتبنى فتاوى تبيح لنا قتل الناس بسبب معتقدهم فإننا نستطيع أن نخدع أنفسنا لكن لا نستطيع أبداً أن نخدع الله، وأول شيء يقضى فيه يوم القيامة الدماء، ولئن كان الأصل في شريعتنا في كل شيء الإباحة، إلاّ ما ثبت تحريمه، فإن الأصل في الدماء الحرمة إلاّ ما ثبت استحقاقه للقتل، ولابد من ثبوت ذلك ثبوتاً قوياً، وإلاّ فإنه حتى الحدود تُدْرأ بالشبهات، فتعطل، ولا تقام على شخص إن كان هنالك ذرة شك في أنه استحقها، رغم ما للحدود من أهمية وتعظيم، فكيف بقتل الناس عند الفتنة والفوضى؟
من أحلام بعض الشباب المسلم أن يعيش في دولة إسلامية، تكون أخلاق الناس فيها إسلامية، وقوانينها إسلامية، والسيادة فيها للمسلمين. ولا يمكننا أن نصادر أحلام الناس، فهم لهم الحق في أن يتمنوا ما يحبون وما يعتقدون أن فيه سعادتهم، لكن الذي على الشباب المسلم أن ينتبه له، هو أن الظروف حالياً مختلفة عن الظروف التي عاشها المسلمون، إبان عزة الإسلام والمسلمين وتغلبهم على غيرهم من الشعوب، وفتحهم لبلدانهم، حيث صار كل ما في تلك البلاد المفتوحة غنيمة للمسلمين الفاتحين، وكان على أصحاب الأرض الأصليين الذين يزرعونها أن يدفعوا أجر تلك الأرض إلى خزينة الدولة الإسلامية، وكان يسمى الخَراج, في تلك الظروف فرض المسلمون المنتصرون على غيرهم شروطاً يرويها لنا التاريخ، كانت من منطلق الغلبة والانتصار على المغلوبين والمهزومين، مع أن المؤرخين المنصفين يشهدون أن التاريخ ما عرف فاتحين أرحم من العرب.
عندما نقرأ التاريخ والشروط التي فرضها المسلمون على غيرهم، نظن أن هذه الشروط أحكام لا يجوز مخالفتها، وبالتالي نحلم، وبكل نية طيبة، أن نعيد هذا التاريخ، ليعود دين الله هو الدين الظاهر على الدين كله، لكن هنالك في التاريخ موقف أقرب إلى موقفنا هذه الأيام، وهو عندما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته من مكة إلى المدينة. يومها لم يدخلوا المدينة غزاة فاتحين منتصرين، بل استقبلهم أهل المدينة كمهاجرين يشاركونهم العيش في المدينة، ويجدون فيها الأمان الذي افتقدوه في مكة. يومها كان في المدينة كثير من أهلها الذين أسلموا إما إسلاماً مخلصاً وإما نفاقاً من الخشية، وكان فيها الكثيرون من أهلها الذين لم يدخلوا في دين الله وكانوا ما يزالون مشركين مثل باقي العرب في ذلك الزمان، وكان في المدينة ثلاث قبائل يهودية تعيش فيها من زمن بعيد، وانضم المسلمون المهاجرون إلى كل هؤلاء وتكونت دولة يرأسها النبي صلى الله عليه وسلم. يومها كتب النبي صلى الله عليه وسلم وثيقة اتفق فيها أهل المدينة بكافة أطيافهم وأديانهم على ما يمكن اعتباره، أول دستور مكتوب في التاريخ، ينظم حياتهم المشتركة ويبين حقوقهم وواجباتهم. لم يكن في وثيقة المدينة المنورة أية شروط فيها تمييز للمسلمين على غيرهم سواء كانوا من المهاجرين أو الأنصار، وتجلت في تلك الوثيقة مفاهيم العدالة والمساواة للجميع، أي ما نعبر عنه هذه الأيام بالمواطنة، حيث للجميع حقوق متساوية في البلاد.
واليوم بعد قرون من التخلف والهزيمة وجدنا أنفسنا في دول أكثرها كان نتيجة تقسيم المستعمرين لبلادنا، حتى أن البلاد العربية تتميز بالحدود المستقيمة المرسومة بالمسطرة لا التي تتبع تضاريس طبيعية متعرجة. في هذه الدول التي خلقها الاستعمار الأوربي وجدت طوائف وأديان وقوميات، لكن كانوا جميعاً مغلوبين بالتساوي أمام المستعمرين الأوربيين، ثم استقلت كثير من تلك البلاد استقلالاً منقوصاً وأحياناً كاملاً، ووجدت الطوائف والأعراق في سورية نفسها شريكة في دولة ليس لإحداها السيادة فيها على الأخرى.
قد لا يعجبنا الوضع الذي وجدنا أنفسنا فيه بعد قرون من العزة والغلبة، لكن ذلك لا يغير من الواقع شيئاً ولا يعطينا أي حق في تجاوز حقوقنا، أو عدم إعطاء باقي السوريين حقهم في المواطنة الكاملة معنا كسوريين، لهم ما لنا وعليهم ما علينا. صحيح أن المستعمر الأوربي هو الذي رجح كفة بعض الطوائف وأفقد المسلمين السنة الوضع الممتاز الذي كان لهم على مدى قرون عديدة، وصحيح أن ذلك كان فيه نوع من الظلم للسنة، وربما لم يكن مشروعاً، لكن لا بد من احترام الوضع الجديد الذي نتج عنه. أُشَبِّه الأمر بزواج تم بالإكراه ومشكوك في صحته وشرعيته، أو زواج بين رجل وامرأة يكتشفان بعد سنين طويلة وانجاب ذرية كثيرة أنهما أخ وأخته وزواجهما باطل، ومع ذلك تحترم حقوق أولادهما بالنسب والميراث، وتحترم كل الحقوق كما لو كان الزواج شرعياً تماماً. زواج بالإكراه، آثم من فرضه على امرأة مسكينة، لكن ما ينتج عنه من قرابات وحقوق وواجبات هي أمر واقع لا مجال لإنكاره. وهكذا علينا القبول بالوضع الجديد الذي يماثل وضع المسلمين بعد الهجرة إلى المدينة، وأن نتقاسم الحياة بالعدل والمساواة مع باقي السوريين بغض النظر عن معتقداتهم وأعراقهم.
سورية لكل السوريين، وستكون الدولة فيها دولة السوريين جميعهم، الذين، إن ارتضوا دون إكراه، أن يُحَكِّموا بعض القوانين الشرعية أو كلها، فهذا من حقهم، وإن رفض أكثرهم ذلك، وقع الإثم على الذين رفضوا، وبرأت ذمة الذين دعوا وطالبوا، ولن يلومهم الله. ولا يحق لبعض السوريين فرض وجهة نظرهم على الآخرين، إلا إن كانت فكرته أو رغبته مقبولة من الغالبية، بشرط أن لا تناقض الدستور، الذي يضمن حقوق جميع السوريين، ويعتبرهم مواطنين متساوين، مثلما اعتبرت وثيقة المدينة أهلها مواطنين متساوين، رغم اختلاف معتقداتهم الدينية وأصولهم العرقية. ويجب أن لا نحزن لهذا الوضع الجديد فالبشرية في عصر صارت فيه الأرض قرية واحدة، وتداخلت الشعوب والثقافات، ولم يبق هنالك دولة واحدة صافية عرقياً أو دينياً. وحتى إسرائيل التي تحلم بدولة يهودية عليها أن تقبل أن غير اليهود فيها لهم الحقوق ذاتها، ومواطنون تماماً، كما إن اليهود فيها مواطنون.
لن تنجح ثورتنا إلا إن كانت ثورة كل السوريين ومن أجل كل السوريين، وسيكون مصيرها الإخفاق والفشل إن هي تحولت إلى ثورة طائفية.
اقرأوا إن شئتم هذا الكتاب الرائع عن وثيقة المدينة: وثيقة المدينة المضمون والدلالة ،
ويمكنكم تحميله كاملاً من هنا أو هنا
هذه فقرات تتحدث عن الطائفية في سورية من المقال الأول (ما يحدث في سورية: إلى أين؟)
في سورية كان حافظ الأسد رجلاً قوياً ماكراً ويمسك بزمام الأمور بنفسه، ومتحكماً من خلال أجهزة أمنية متعددة تتجسس على بعضها البعض، يساعده بذلك اعتماده على الطائفة العلوية التي استطاع أن يربط رفاهها واستمتاعها بمميزات لم تحظ بمثلها في التاريخ ببقائه هو وأسرته في السلطة. كان حافظ الأسد يقدم لفرنسا ما تريده من سياسات وتعاون وتحقيق أهداف، وإن كان في الظاهر مستقلاً وممانعاً. الأمر الذي أسكتهم عنه وجعلهم يتركونه في السلطة دون أن يعينوا عليه خصومه ودون أن يحاولوا جادين شراء ولاء الجيش والأمن في سورية.. فقد كان معهم كما يريدون ابتداءً من تقديم الجولان لإسرائيل إلى الوقوف مع التحالف الدولي ضد العراق وإقناع إيران بالحياد وقتها، وذلك عندما قررت فرنسا الانضمام إلى أمريكا في حرب تحرير الكويت، ورضيت بحصة من الغنيمة، بعد أن كانت تحلم ببترول العراق والكويت من خلال دعمها لصدام. مات حافظ الأسد وجاء خير أبنائه ليحل محله، بعد أن رد الله عن السوريين البلاء الذي كان سيقع عليهم لو كان باسل - بما فيه من كبر وتجبر وعدوانية - مكانه. بشار كان أطيب أولاد حافظ، ومن طيبته قيل أنه كان يقال عنه في المدرسة الثانوية الأهبل. لم يكن أهبلاً على الحقيقة، فذكاؤه واضح، لكنه لم يكن عدوانياً ولا فاسد الطباع مثل إخوته أو عمه سيء الصيت رفعت. كان متوجهاً للطب والمعلوماتية وليس له أية طموحات سياسية، ولعل عيب النطق بحرف السين ساعده على أن لا يكون متكبراً متغطرساً كبقية العائلة. وكان من طيبته مؤمناً بما كان يعلنه والده من قومية ومقاومة لمشاريع الاستعمار وإسرائيل في المنطقة، فصار يتصرف بما يخالف مصالحهم، فأغضبهم إلى حد أصبحت فيه فرنسا ألد أعداء سورية ومتحالفة مع أمريكا جورج بوش الابن في سعيها لإسقاط النظام السوري وبخاصة بعد مقتل الحريري.
بشار الطيب أو الأهبل كما وصفه من كان معه في المدرسة، حاول أن ينتقل بسورية إلى مرحلة من الحرية والديمقراطية النسبيتين، فكان ربيع دمشق المعروف، الذي يقال أن خدام كان أشد المعارضين له والأكثر حرصاً على إنهائه. وانتهى ربيع دمشق، وأدخل الحرس القديم في نظام الأسد والمنتفعون الجدد بشاراً في إحباط تلو إحباط، حتى اقتنع بطريقتهم واستسلم لهم، ورضي بجمع المال، فصار واجهة جميلة لنظام قائم على عصابة أمنية تسيطر على المدنيين والعسكريين في البلاد، ولا تفهم من السياسة شيئاً، بل هي كالوحوش لا تعرف إلا الافتراس والتعامل بالظفر والناب.
طيبة بشار وتهذيبه أكسباه حب الكثيرين من جماهير السوريين والعرب الذي كانوا لا يحبون أباه، وبالتدريج استوعب بشار الدرس وبدأ يقدم لفرنسا وغيرها ما تريد، فانتهت حالة العداء التي كانت بين سورية وفرنسا، وصار طالب الشهادة الثانوية في سورية مطالباً بدراسة لغتين أجنبيتين الفرنسية إحداهما، رغم الميل العروبي القوي لدى السوريين بما فيهم العلويون، ولعل تلك المكاسب الثقافية لفرنسا كانت بعض الثمن الذي قدمه بشار ونظامه لاسترضائها. وعلينا أن نذكر أن الحكومة الفرنسية الاستعمارية التي كانت تحكم سورية أعلنت ولاءها لألمانيا عندما احتلت ألمانيا فرنسا في الحرب العالمية الثانية، مما جعلها عدوة للحلفاء، فدخل الجيش البريطاني ليحرر سورية من أتباع ألمانيا وليبقى فيها حتى تم إنهاء الانتداب الفرنسي على سورية بقرار أممي، فخرج الفرنسيون من سورية مهزومين، وكانت المكاسب الثقافية من نصيب بريطانيا ولغتها الإنكليزية رغم أن الاستعمار كان فرنسياً. وبعد الاستقلال استمر الصراع بين بريطانيا وفرنسا على سورية وكانت الانقلابات الكثيرة التي عرفتها سورية بسبب هذا الصراع ومظهراً له، إلى أن جاء حافظ أسد وطائفته، وحُسمت الغلبة لصالح النفوذ الفرنسي، وبدأت من وقتها فرنسا تحقق مكاسب ثقافية متزايدة في سورية.
بدأت الاحتجاجات في سورية بهتافات في الحريقة بدمشق اعتراضاً على غطرسة رجل شرطة وتعامله المهين لبعض المواطنين، لكن وزير الداخلية وقتها كان حكيماً واستطاع تهدئة الناس وامتصاص غضبهم، ولم أكن أتوقع أن يتجرأ أو قل يتهور غير من تهور ويخرج في احتجاجات علنية أخرى، إلى أن قام فتية في درعا بالكتابة على الجدران (جاك الدور يا دكتور) وما شابه، وبدأ القمع الوحشي المستكبر الذي لا يحترم قيماً ولا أدياناً ولا مقامات، ولا يرى أية خطوط حمراء أمامه.. مما استثار السوريين الذين خرجوا يرددون (الشعب السوري ما بينهان) و(الموت ولا المذلة).. وتفتقت عبقرية كبار رجال الأمن عن خطة لمواجهة الانتفاضة، تسرب ملخص لها وكان محضر جلسة لهم، لكنه لم ينل حقه من الاهتمام، ربما ظناً أنه قد يكون مفبركاً، لكنني أعتقد أنه كان حقيقياً، والأحداث حتى اليوم تؤكد أنه هو المتبع والمطبق في مواجهة النظام لثورة الشباب السوري. وتبين من هذا المحضر ومن سلوك النظام ولجوئه إلى حثالة الطائفة العلوية الذين جمعتهم عائلة الأسد حولها كعصابة لإرهاب الناس وفرض سيطرتها عليهم خارج القانون والأجهزة الرسمية وهم المسمون "الشبيحة"، تبين أن النظام ليس فيه من أصحاب القرار من يفهم شيئاً في السياسة وفن التعامل مع الشعب ومع أزمة مثل الاحتجاجات الشعبية السورية. فكان في كل تصرف أحمق من تصرفاتهم، وتصرفاتهم كانت كلها حمقاء، استفزاز لمشاعر السوريين وكشف لحقيقة النظام التي كانت خفية على الكثير من السوريين الذين ما كانوا يتصورونه بهذا السوء، وكانوا مخدوعين به وبكلامه ويؤيدونه، لأنه يبدو لهم أحسن الأنظمة العربية موقفاً من قضايا الأمة، وأكثرها حرصا على مصالحها ومقاومة للمؤامرات عليها. أحبوه لذلك، وغفروا له الكثير، وتغاضوا عن الكثير من عيوبه، فالرمد أهون من العمى.
جاءت أحداث سورية الأخيرة وردود الفعل الهمجية الحمقاء للنظام عليها، لتعري سوأته للجميع، وليراه القريب والبعيد على حقيقته، وليتبين للكل أنه غير صالح لقيادة أمة تفوقت عليه كثيراً في الوعي والإخلاص والأخلاق، وبالتالي لا يمكن أن تبقى راضية به يتحكم بمقدراتها ومصيرها ويرسم لها سياساتها. وهكذا فقد النظام وعلى رأسه بشار الكثير من شعبيته إن لم يكن قد فقدها كلها عند السوريين غير العلويين. لقد سقط النظام أخلاقياً وفقد احترام الذين كانوا يظنون به خيراً، وتبين للجميع جهله وحمقه وعجزه عن القيام بشؤون الوطن في هذه المرحلة وفي قادم الأيام.
المشكلة في سورية، وربما النعمة الكبرى، هي أن استقلال سورية عن فرنسا والقوى الاستعمارية الأخرى استقلال حقيقي إلى حد لا بأس به، وليس لأي من هذه الدول على الجيش والقوى الأمنية المتحكمة بالبلد سلطة الأمر والنهي كما هو الحال في مصر أو تونس. لذا طال الأمر وقد يطول أكثر مما نتمنى، وذلك لأن النظام الذي قام على الطائفة العلوية وحاباها ومكّن أراذلها من الاستعلاء والتجبر على باقي السوريين جعل هذه الطائفة لا تتصور حياتها من دونه وتخشى على مستقبلها إن هو سقط.
النظام يستخدم الطائفة العلوية ويقوم عليها لا من حيث هي طائفة دينية تربطها وتحركها معتقدات مشتركة، بل من حيث هي أسر وعشائر مترابطة ويمكن أن يثق النظام بولائها. والسؤال الآن ما الفرق؟ الفرق هو أن العلويين طائفة محددة ومعرفة على أساس معتقدات دينية معينة، لكن هذه الطائفة قليلة التدين ولا تحركها إيديولوجيا دينية، هم في الغالب الأعم غير متدينين لا وفق عقيدة أجدادهم ( التي تؤمن أن الله نزل إلى الأرض واختلط بالبشر على هيئة رجل هو علي بن أبي طالب وبالتالي علي هو الله وليس مجرد ولي الله كما هو عند الشيعة )، ولا هم متدينون وفق عقائد إسلامية أخرى إلا قليلاً منهم. إنهم متسلطون على سورية لا من أجل تغليب معتقدهم، فكثير منهم قد لا يؤمنون به، وبخاصة أن أغلب المتعلمين منهم تعلموا الإسلام السني معنا في المدارس، ولم يكن لديهم تعليم ديني منزلي يعاكس ما تعلموه في المدارس، اللهم إلا في بعض الأسر في قراهم، وهذا ناتج عن ضعف التدين عندهم عموماً، مما كان له أثر إيجابي في بلوغ دعوة الإسلام غير المحرفة إلى جميع من درس منهم في المدارس ونجا من الضغوط العائلية التي تصر على معتقدات غير التي تلقوها في المدارس.
أقول هذا لننتبه إلى أن الطائفة العلوية الآن تشكل مشكلة للتغيير في سورية لا من منطلق ديني راسخ يصعب التعامل معه، بل من منطلق ولاء قبلي وعائلي تقويه المصلحة المشتركة والمنافع المتبادلة والمكتسبة من خلال ترابطهم ومحاباة بعضهم بعضاً في الوظائف الحكومية والمناصب وغير ذلك من طرق الانتفاع من السلطة. أي بكل بساطة مشكلتنا معهم ليست دينية ، إذ لو تسلط على الحكم أهل مدينة أخرى أو عشيرة معينة لتصرفوا بنفس الطريقة سواء كانوا مسلمين سنة أو مسيحيين أو غير ذلك، فالمشكلة هي الاستئثار بخيرات البلد، وهذا يقع فيه من يغلب على حكم بلد ما أياً كان معتقده، ما لم يكن في تقوى الأنبياء أو الصحابة، أو ما لم يكن نظام الحكم لا يسمح بذلك من خلال وجود رقابة شعبية ومساءلة حقيقية.
العلويون في سورية تحركهم النزعة القومية العربية، وتحركهم مطامعهم الحياتية التي تحرك جميع البشر، كالسعي إلى الثراء والجاه والمتعة في إطار من ضعف الوازع الديني لديهم.
في وضع كهذا فإن الصراع مع الطائفة العلوية من منطلق ديني وطائفي سيكون مفيداً للنظام لا لأحد سواه. فمعاداتهم من منطلق ديني سيدفعهم إلى العودة إلى معتقداتهم القديمة لا قناعة بها، بل من منطلق التعصب للدفاع عن الذات والتوحد مع البقية، وهذا سيكون تراجعاً في حالتهم الدينية، بدل الذي نتمناه لهم وهو أن يثبتوا على العقيدة السليمة التي تلقوها في المدارس. إن معاداتهم على أساس المعتقد الديني سيجعلهم حريصين عليه بغض النظر عن مدى اقتناعهم به، وهذا سيحولهم فعلاً إلى طائفة دينية منغلقة على نفسها وولاؤها لنفسها، ويصبح من الصعب عليهم الشعور بالولاء لسورية ككل، كبلد ينتمي إليه أهله بغض النظر عن معتقداتهم الدينية، إنما هم أسرة واحدة مترابطة وكل له دينه الخاص، لكن مصلحتهم هي في العيش المشترك، وهم شركاء في الوطن، ولهم حقوق متساوية فيه، وكلهم يحرص عليه ويسعى لخيره.
ثم إن معاداة العلويين على أساس المعتقد الديني يعني أن تتحول الثورة من ثورة سورية شعبية من أجل الحرية والديمقراطية إلى ثورة طائفية سنية مخيفة لباقي السوريين من مسيحيين ودروز وإسماعيلية وغير ذلك، وهذا سيجعل هؤلاء يفضلون البقاء تحت نظام فاسد وظالم لكنه يعاملهم كمواطنين متساوين -ولو نظرياً - لا كأقليات في بلدهم، وسيجعلهم يقفون مع النظام ويحاربون الثورة، رغم أنهم غير راضين عن النظام، وليسوا مستفيدين منه كثيراً. وهذا يفسر لنا سبب حرص النظام على تحويل القضية إلى صراع سني علوي كالذي كان في السبعينيات وأوائل الثمانينيات، حيث كانت هنالك حركة إسلامية مسلحة ليس لها امتداد شعبي واسع تحارب النظام من منطلق أنه نظام طائفي كافر. ويرينا أهمية أن لا نرجع إلى الوراء بعد أن نضج وعينا السياسي واقتنعنا أن مصلحتنا جميعاً هي في العيش المشترك على أساس المواطنة لا على أساس الانتماء الطائفي أو الديني.
كما إن استعداء الطائفة العلوية على أساس طائفي لا تستطيع الطائفة تغييره، فهي لن تغير مذهبها لترضي السنة مثلاً، وبالتالي تصبح الطائفة أمام تهديد وجودي، يجعلها تدافع عن نفسها وعن النظام الذي ستتوحد معه بشكل كامل دفاعاً مستميتاً، بل لنقل مميتاً، لأن القوة العسكرية في سورية مركزة بيد ضباط علويين، وهذا يعني اضطرار الطائفة إلى مذابح تسحق ثورة الشباب سحقاً.
يجب على الثائرين الحذر من أي انزلاق نحو الطائفية، لأنه سيجعل البلد جبهتين: السنة مقابل اتحاد العلويين مع الدروز والمسيحيين والإسماعيلين والعلمانيين بكافة توجهاتهم الفكرية والسياسية، وهو ما يتمناه النظام لأنه بذلك سيتغلب على الثورة ويقضي عليها قضاء لا تقوم بعده في ثلاثين سنة أخرى.
كما إن تحول الثورة إلى طائفية سيفقدها كل تأييد دولي اللهم إلا تعاطف السعودية، لأنها لا يمكن أن تصطف ضد الطائفة السنية، لكنها لن تدعم ثورة طائفية ولو كانت سنية إلا دعماً ضعيفاً لرفع العتب والملامة لا أكثر. الثورة الآن ولأنها ثورة وطنية وشعبية تطالب بحقوق جميع السوريين في حياة حرة كريمة وليست ثورة أصولية إسلامية ولا ثورة معادية للغرب قد اكتسبت تعاطف وتأييد أغلب الدول والشعوب.
سمعت الشيخ العرعور يقول إن الثورة إن نجحت ستعامل العلويين وغيرهم من الأقليات بالحسنى كما عامل عمر بن الخطاب اليهود في المجتمع المسلم، وهذا رأي غير موفق، لأن عمر بن الخطاب تسلم السلطة بعد انتصار المسلمين وتغلبهم على من سواهم بالسلاح، أما الوضع المماثل لوضعنا الآن فهو وضع النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين لما هاجر إلى المدينة وأسس دولة فيها كان لليهود فيها وضع المواطنة الكاملة، لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، فهم أصحاب البلاد والمسلمون مثلهم، إضافة إلى المهاجرين من مكة وأعدادهم محدودة، وعلينا في هذا العصر تذكر أننا لسنا غزاة فاتحين، بل نحن أبناء وطن واحد نتشارك أرضه وسماءه وخيراته مع إخوة لنا قد يختلفون عنا بالدين أو المذهب لكن لهم علينا حق البر كما لآبائنا وأمهاتنا علينا حق البر، وليس ذلك كرماً ولا تسامحاً منا معهم، فنحن لسنا أحق بالبلاد منهم ، أما اختلاف الدين والرأي، فالأصل أنه لا إكراه في الدين، ومن حقنا وحقهم أن تكون لنا ولهم حرية الاعتقاد وممارسة المعتقد في إطار قانون ينظم علاقتنا ببعض فلا يطغى جانب على جانب. ولنتذكر أنه لو كان هنالك مسلم وأمه أو أخوه مشرك -ولا أقول كتابياً، حيث لأهل الكتاب وضع مفضل في الإسلام- فإن عليه بره أو برها، ولا يحرم حتى الشرك أو الإلحاد أهلنا من حقهم في برِّنا، وهو ليس تفضلاً منا عليهم، بل حق لهم، علينا أداؤه بلا منَّة.
رغم اختلاف الدين والمعتقد بين الرسل وأقوامهم الذين قص علينا ربنا في القرآن قصصهم، ورغم معاندة هذه الأقوام للدعوة واعتدائها على رسل الله حتى استحقت من الله الإهلاك والدمار، يصر القرآن الكريم على أن الرسل هم إخوان لأولئك الذين كفروا وعاندوا، وحتى لوط الذي أرسل إلى قوم غير قومه، فقد وصفهم الخالق أنهم إخوان لوط.
نحن في حاجة إلى إعادة فهم علاقتنا بأبناء أمتنا الذين نشترك معهم في وطن واحد، لنتخلص من أفكار غير ناضجة انتشرت عند بعض المتدينين وجعلتهم يحلمون بدولة إسلامية خالصة للمسلمين، كالدولة التي يحلم بها اليهود ويريدون أن يعترف لهم العالم أن إسرائيل دولة يهودية، ليكون العرب فيها ضيوفاً وهم أصحاب البلاد الأصليين. علينا نحن الذين ننتمي للأكثرية الدينية في سورية أن نضع أنفسنا مكان باقي أبناء وطننا الذين ينتمون لأديان أو مذاهب أخرى ولا يشكلون أكثريات عددية، لنحس بأحاسيسهم ونفهم مخاوفهم ولا نستغرب إصرارهم على حق المواطنة المتساوية معنا.
أما النظام الذي يتصرف بمنتهى الغباء السياسي، والمتوقع له أن يستمر في غبائه المتأصل فيه، فقد خسر الكثير من رصيده عند أغلب السوريين من جميع الطوائف وعند بعض العلويين أنفسهم ، وهو باستمرار أخطائه وجرائمه التي يقع فيها كل يوم سيخسر شعبيته عند الطائفة العلوية، التي سيأتي يوم تخشى فيه على مصيرها مع تورط بعض أفرادها في جرائم بشعة ضد باقي السوريين لا يبررها شيء، بخاصة إن نجحت الثورة في البقاء ثورة لا عنف وثورة سلمية مئة بالمئة، لا تمسك ولا حتى حجراً أو عصاً، بل ثورة التزام بكفِّ الأيدي، كما التزم المسلمون في مكة قبل الهجرة كفّ أيديهم رغم كل الأذى والتعذيب الذي تعرضوا له، لكنهم لم يمدوا أيديهم ولا حتى للدفاع عن أنفسهم.
صحيح أن من مات دفاعاً عن نفسه أو عرضه أو ماله فهو شهيد، لكن هذا مختلف عن الخروج للقول للظالم يا ظالم كما هو حال المتظاهرين في سورية، فإنهم عليهم كفُّ أيديهم وعدم الدفاع عن أنفسهم بأي نوع من السلاح لأنهم بذلك يتحولون إلى خوارج ويفقدون مكانة المجاهد بكلمة حق عند سلطان جائر. لا تستغربوا أن لا يكون للمتظاهر حق في أن يدافع عن نفسه ضد من يتعمد قتله أو إيذاءه، فالموقف مختلف عن الدفاع عن النفس والعرض والمال تجاه لص أو قاطع طريق. إن الخروج في المظاهرات السلمية جهاد، والموت فيها استشهاد لا شك فيه، ومن كان مستعداً للموت في سبيل الله فليقدم عليه، ولا يفسده ببسط يده إلى عدوه لا بسلاح ولا غيره، لا من قبيل الهجوم ولا من قبيل الدفاع. إنك بمجرد أن تبسط يدك لتضرب أو تقتل ولو دفاعاً عن نفسك فإن الموقف كله سيفقد تأثيره في الناس وباقي الشعوب وسيصبح موقف مصارعة لدى الناس رغبة في معرفة من الغالب فيه ، والغالب كما يقال ذنبه مغفور، فالدنيا بطبعها تميل مع المنتصر والغالب بغض النظر إن كان ظالماً أو مظلوماً.
إن الثورة إن لجأت إلى السلاح ولو مجرد قبضات أيدي أبنائها العزلاء تكون قد دخلت مع النظام في مباراة هو الفائز فيها حتماً ويقيناً، لأن العنف هو اللعبة الوحيدة التي يجيدها، والسلاح الذي بيده لا مقارنة بينه وبين ما يمكن لمعارضة مسلحة أن تمتلكه، والتنظيم والتدريب لديه لا يمكن لمعارضة شعبية أن تتفوق عليه فيهما، ولا تخدعنا انتصارات الليبيين فالحال مختلف تماماً. إن إصرار الشباب على التظاهر وتلقي الرصاص الحي بصدور عارية وإيصال صورة ذلك وخبره إلى باقي السوريين وباقي شعوب الأرض هو الذي سيسقط النظام، ولن يستطيع النظام مقاومته والقضاء عليه. . فسلمية الثورة تجعل الصراع والمنافسة والمباراة في شيء لا يمتلكه النظام ولا يقدر عليه، فهو إما أن يسمح بالتظاهر دون أن يقتل المتظاهرين وعندها ستخرج المظاهرات المليونية وهذا ما يخشاه، أو أن يستمر الحال على ما هو عليه الآن مظاهرات خاطفة أو طيارة كما سماها ياسين الحاج صالح يتم فيها الهتاف والتصوير والنشر ثم الهروب مع ما يمكن أن يسقط فيها من شهداء أو مصابين، وهذا يعني أن تتفاعل الأمور أكثر فأكثر، فيضطر العقلاء من الضباط العلويين الممسكين بمواطن القوة في البلاد إلى أن ينقذوا أنفسهم وطائفتهم من مصير مخيف، وذلك بأن يتخلصوا من النظام الذي سيكون يومها عبئاً ثقيلاً جداً على الطائفة العلوية، وستتخلى عنه حفاظاً على نفسها ومكتسباتها، فالإنسان مستعد للتضحية حتى بعينه إن صارت مصدر خطر على حياته.
العلويون هم الآن الأمل وطوق النجاة الوحيد للنظام، ما لم تتحول الثورة إلى مسلحة أو طائفية (سنية ضد علوية)، والعلويون هم من سينقذ سورية من نظام تغوَّل ومستعد أن يضحي بهم جميعهم ليبقى في الحكم. النظام ليس فئة ذات عقيدة حقيقية تدافع عنها وتموت في سبيلها، سواء كانت عقيدة صحيحة أو فاسدة من المنظور الديني، إنه عصابة ممن يستأثرون بخيرات البلاد والعزة فيها لتكون لهم الكبرياء في الأرض من دون الناس، وللكبرياء لذتها، وللثروة إغراؤها، وهم مستعدون للتضحية حتى بأبناء طائفتهم، لأنهم لا يهمهم إلا أنفسهم، ولو كان لديهم خلق أو ضمير لما ارتكبوا ما يرتكبونه كل يوم من جرائم بشعة أذهلت البعيد والقريب.
أنا على يقين وإن كان لا يعلم الغيب إلا الله ، أنا على يقين أن الطائفة العلوية سوف تتخلى عن النظام ولو بعد حين، لأن الطائفة بشر مثل باقي السوريين لهم آمالهم ومخاوفهم وتهمهم أنفسهم ومستقبل أجيالهم ويفكرون بمنطق كما نفكر، ويوماً بعد يوم سيتكشف للعلويين كذب النظام وزيف ادعائه أنه يواجه مؤامرة خارجية وأن جماعات إرهابية هي التي تقتل المتظاهرين السلميين العزَّل، وستراه الطائفة على حقيقته عصابة من القتلة واللصوص والدجالين، وستشعر بالخوف على مصيرها إن تركته مرتبطاً بهذا النظام الذي يورطها كل يوم بمزيد من الجرائم يرتكبها حثالة الطائفة ويتحمل وزرها كل الطائفة.
هذا ليس استعطافاً للطائفة إنما هو توقع لما ستصل إليه الأمور، لأن سنن الله في خلقه لا تتخلَّف سواء في الطبيعة أو النفوس والمجتمعات. المظاهرات حتى لو كانت مليونية لن تسقط نظاماً من أناس لا حياء عندهم -وإن لم تستحِ فاصنع ما شئت كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. إن المظاهرات لن تسقط النظام بفعل صرخات المتظاهرين، إنما ستسقطه لأنها تجبره على التصرف بوحشية لا يبررها شيء، وعلى ارتكاب المزيد من الجرائم، وزيادة العيار كل يوم على أمل أن ينجح في إعادة الخوف إلى النفوس.. ضحاياه هم الذين سيقضون عليه وإن بغير أيديهم، وكما قيل من مأمنه يؤتى الحذِر.
علينا ترسيخ قناعتنا بقضية المواطنة لكل السوريين على اختلاف أديانهم، وأنه حتى لو وصل إسلاميون إلى السلطة عندما تعود سورية ديمقراطية فإنهم لن يفرضوا الحجاب على أحد.. فالتاريخ والفقه الإسلامي يؤكدان أن بلاد المسلمين في عصور الخلافة الإسلامية كانت تخرج فيها ملايين النساء وكثير منهن سافرات، فما لا يعرفه كثيرون أن الإسلام لا يفرض الحجاب على المرأة إن كانت مملوكة وليست حرة، جميلة كانت أو غير جميلة، ولا يحمي الرجال من فتنة النساء بتحجيبهن بالإكراه، بل على الرجال غض أبصارهم . ألم يكن في الجواري الجميلات من كل الجنسيات السافرات فتنة لمن لا يغض بصره من الرجال المسلمين؟ الحجاب يحمي المرأة المسلمة من أن ينظر إليها الرجال كجسد وينسون الإنسان فيها، لذا ترك وجهها تكشفه للجميع لأنه موضع الإنسانية حيث تلتقي الأبصار بالأبصار، أما الجارية التي تشترى بالمال فلا معنى لتكليفها بحجاب يصونها من أن تعامل كجسد وهي تُقَيَّم بالمال وتورث كما تورث الأشياء، أما إن تحررت، فعندها يكون لحجابها معنىً. تركيا الآن تحكمها فئة مؤمنة غير قادرة على فرض أي قيود دينية إجتماعية على الناس حتى لو أرادت، لكنها ولأنها فئة من الناس الذين لا يسرقون مال الأمة ولا يخونونها، استطاعت أن توصل تركيا إلى مرتبة الدولة العشرين عالمياً في الاقتصاد خلال بضع سنوات لا غير. علينا أن نطمئن غير المتدينين وغير المسلمين أن الثورة ليست كثورة إيران دينية متعصبة، بل هي ثورة الأمة السورية كلها ومن أجل جميع أبنائها، فإنه بدون هذا التطمين ستبقى الطوائف الأخرى مترددة في المشاركة، والثورة بدون مشاركة الجميع فيها لن تحقق التغيير المنشود، ولن يتحقق أي تغيير مهم ما لم تنضم الطائفة العلوية للثورة ممثلة بجماهيرها وضباطها وزعمائها.
علينا أن لا نتصور كل العلويين أشرار لأن منهم الشبيحة وعناصر المخابرات فهؤلاء ليسوا كل العلويين، والعلويون هم الأكثرون في الأمن لا لأنهم أشرار إنما لأن النظام لا يثق بغيرهم، ولو وثق لوجد الكثير من أبناء السنة والطوائف الأخرى مستعدين للقيام بما تقوم به الشبيحة والمخابرات. كما علينا أن لا نتصور العلويين شياطين أو مستكبرين لأننا تصادف أن واجهنا إساءة من أحدهم أو سمعنا كيف أساء بعضهم الأدب، أو أكل حقوق الناس معتزاً أنه علوي لديه القدرة على إيذاء الناس من خلال الأمن. لو كانت سورية تحكمها قبيلة أو عشيرة أو أهل بلدة من أي دين آخر لظهر من كثير من هؤلاء نوعيات لا تقل حقارة ونذالة عما ظهر من بعض العلويين الذين غرتهم قدرتهم على إيذاء الناس فطغوا وتجبروا. إن الطغيان والظلم لا دين له والبشر يقعون فيه على تنوع قومياتهم أو أديانهم أو طوائفهم. القضية قضية أخلاق قبل كل شيء.. ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا. والذي يعرف العلويين عن قرب يعرف أن أكثرهم أناس طيبون ويريدون أن يعيشوا مثل كل السوريين، وأننا لو كنا مكانهم نتمتع بوضع متميز على الآخرين في البلد، من منا كان سيترفع عن المنافع أو الوظائف أو المنح الدراسية أو غيرها لأنها لا تعطي للجميع بالعدل؟ أعتقد أن القليل القليل من كان سيفعل ذلك، وبخاصة أن ما يصل إلى جماهير العلويين من المنافع ليس من قبيل المنافع غير العادية، بل هي غالباً مما يستحقه أي مواطن سوري، اللهم إلا أكابر مجرميها الذين يستأثرون بخيرات البلاد ويحجبونها عن باقي السوريين بما فيهم العلويون. هل سمعتم أن رامي مخلوف وأمثاله يبذلون ملياراتهم للنهوض بحال المناطق العلوية وفقرائهم؟
كل امريءٍ بما كسب رهين، ويوم القيامة يفصل الله بين الناس فيخبرهم من كان منهم على حق ومن كان على باطل، أما في الدنيا فنحن السوريين عائلة واحدة تتعامل بالبر والمعروف فيما بينها وتتعاون من أجل حياة أفضل لجميع أبنائها أياً كانت أديانهم أو قومياتهم.

وهذه فقرات تتحدث عن الطائفية في سورية من المقال الثاني (ما لنا غيرك يا الله)
لن تنجح ثورتنا إلا إذا كانت ثورة جميع السوريين بما فيهم العلويون. يجب أن لا يقف استعمال النظام لآلاف من العلويين الذين غسل عقولهم وأقنعهم أن مؤامرة تجري ضده لأنه قومي وممانع، واستغل فقرهم واستخدمهم في قمع المتظاهرين، يجب أن لا يقف حائلاً بيننا وبين إخوتنا العلويين. فهذا هو ما يريده النظام لتبقى الطائفة العلوية أسيرة له ومرتبطة به، والقوة العسكرية والأمنية في سورية مركزة في أيدي ضباط منها، ولا أمل بتغيير من دونهم، إلا عن طريق الحرب الأهلية والغزو الخارجي. يجب أن تحرص الثورة على اجتذاب العلويين وباقي الطوائف والقوميات السورية وأن نتناسى الماضي من أجل مستقبل أفضل نشارك كلنا في بنائه العلوي منا وغير العلوي.
صدقوني ليس العلويون أقل فقراً من باقي السوريين، إنما يلهيهم النظام بالشعور بالتسلط على الناس وخوف الناس منهم ليتخذهم جنوداً له، ليستمر في نهب خيرات البلد هو ومن معه من المنتفعين، ولتبقى الطائفة فقيرة وقليلة الثقافة بحيث يكون التطوع في الجيش والأمن مصدر الرزق الرئيسي لشبابها.
النظام لا يحترم العلويين ولا غيرهم ولا يحرص حرصاً حقيقياً لا على العلويين ولا على غيرهم، إنما هو نظام من أناس فاسدين يجمعون المال من حلال ومن حرام ولا يفكرون بأكثر من استمرارهم في السلطة ليدوم تمتعهم بالامتيازات التي أعطوها لأنفسهم، وما الطائفة العلوية إلا مطية لهم مسخرة لخدمتهم وحمايتهم، وهي بحاجة مثل باقي السوريين لتتحرر منه ولتشارك في بناء سورية بحيث تكون للجميع وتتكافيء فيها الفرص ويسود العدل ويتقدم الأصلح. العلويون بشر مثلنا، عندهم ضمائر مثلنا، ولهم آمال ومخاوف مثلنا، وهم شركاؤنا في هذا الوطن، ولا يمكننا المسير من دونهم، وبخاصة بعد أن تركزت القوة العسكرية والأمنية بأيديهم.
ثم علينا كسب الطوائف الأخرى للثورة من خلال تطمينهم أن ثورتنا لا تسعى إلى حكم ديني يتحكم فيه علماء الدين بالناس، إنما نريد حكماً مدنياً لا يعادي الأديان ويستطيع في ظله العسكري أن يؤدي صلاته علانية دون أن يقع تحت المراقبة والتحقيق، حكم يشجع على مكارم الأخلاق ويحترم شرائع كل طائفة أو دين في الأحوال الشخصية، حكم يطلق الحريات ويسمح للجميع بالمشاركة في صياغة سياسة البلد بالوسائل الديمقراطية، ولا يسمح باضطهاد أي فئة من السوريين بسبب دينها أو قوميتها أو غير ذلك.حكم يتساوى أمامه جميع السوريين فيكون لهم الحقوق ذاتها وعليهم الواجبات نفسها لمجرد أنهم سوريون بغض النظر عن مناطقهم أو مذاهبهم أو أديانهم أو لغاتهم أو قومياتهم. السوريون عائلة كبيرة واحدة تتعاون من أجل حياة كريمة لهم ولأجيالهم القادمة.
حتى تنجح ثورتنا لا بد لها من الحرص على لاءاتها الثلاث: لا للعنف بجميع أشكاله، ولا للطائفية والحرب الأهلية، ولا للتدخل العسكري الأجنبي، فإن بقاء النظام على علاته أرحم للسوريين من أي من هذه الخيارات الثلاث، وكما يقول فقهاء الإسلام: الشر خيار، أي العاقل يختار أهون الشرين ولا يزيل المنكر بمنكر أكبر منه. وإن الاستمرار في ثورة سلمية تضم جميع السوريين وتتقبل من الدول الأخرى العون الذي لا يمس استقلال البلاد، وتترفع على أية أحقاد أو نعرات، هو كفيل إن شاء الله بسقوط هذا النظام ومجيء نظام أحسن منه وأرحم، لكن علينا أن لا نستعجل ولا نتثبط إن تأخر الفرج فإنه قادم وحتمي إن تواصلت ثورتنا ولم تفتر عزيمتنا.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن