الكتابة تحت الطلب

إبراهيم اليوسف

2012 / 9 / 12

ينظربعضهم إلى الكاتب المبدع، على أنه قادرعلى الكتابة وفق ماقد يملى عليه، من قبل الوسط الذي يحيط به، من قبيل" الكتابة تحت الطلب" كما قد يقال، وهوإجحاف-في الحقيقة-بحق هذا الكاتب، لأن عملية الكتابة بالرغم من أنها تبدوبسيطة، لأول وهلة، إلا أنها ليست كذلك، فهي تتم عبر تراكمات وجملة عمليات معقدة في ذات الكاتب، وأولها أنها تنتج عن رؤيته الخاصة، هذه الرؤية التي هي نتاج التجربة، والثقافة، بل والقناعات الذاتية التي لايمكن تجاهلهالبتة، أثناء أية كتابة إبداعية أصيلة.

إن العالم الذاتي للكاتب هوالذي يعكس ما يكتبه، في أي حقل إبداعي، ولايمكنه تجاوزهذه الصوى والضوابط التي تمارس هيمنتها على روحه ورؤاه، بل إن طبيعة اللحظة التي يمربها، تترك هي الأخرى أثرها النفسي في شخصه، وفي كتابته هذه، وإنه- وبشيء من التبسيط- يمكن الإشارة إلى ثنائيات متناقضة يعرفها الإنسان العادي، من خلال خبرته اليومية، مثل: الجوع والشبع، الظمأ والرّي، الخوف والطمأنينة، الحزن والألم، وغيرها من مفردات هذا المعجم المثير، الذي يشكل أحد طرفي الثنائية نقيضاً واضحاً للآخر، بل إن لا إن كلاً منهما يبين" خصائص ضده" حسب رؤية أبي الطيب المتنبي لثنائية الجمال والقبح.

والكاتب الذي يعيش لحظة حزن مطبق، فإن من شأن مثل هذا الحزن أن يشرنقه في عالمه، من دون أن يفسح له المجال بالخروج من حدود تأثيره، حيث أن شبح حزنه- والحزن نفسه درجات- يظل يهيمن عليه، أنى حل، فيبدو أن لافكاك له من فخاخ آلة الحزن، لاسيما في ما إذا كان مرهف الحسِّ، ورقيق الشعور، وغيرذلك من الصفات التي ترافق الفنان والمبدع، يتعامل عبرها مع العالم الذي يعيش بين ظهرانيه، وإن كان هنا-للإرادة العالية- دورها في تخفيف وطأة الحزن، وفتح نوافذ الفرح، والحياة، في ما كانت دواعي الحزن من النوع غيرالمثبِّط، مقابل آخرين، غيرقادرين على نسيان ماهم فيه، من حالات حزن قصوى أوحتى عادية، بالسهولة المطلوبة، حيث أن الكاتب الذي يعيش تحت وطأة حالة حزن، فإن المفردة التي يلفظها، أو يكتبها،لابد أن تتشح بنبرة من ألم، وهالة من شجى، من دون أن تتمكن من نزع أشواك الألم، وخلع ألهبة الأسى الكاوية للروح، إلا بعد مرورما يكفي من الزمان الذي يعده بعض الحكماء الكفيل الأوحد، بإعادة المياه إلى مجاريها، أنى أخلت بوصلة هذا الحزن في توجيه روح هذا الإنسان إلى فضاءت واخزة، جارحة، أليمة....!.

إن مثل هذا الكاتب الذي تجتاح روحه أعاصير الحزن، فإن هذه الرُّوح، ليس في وسعها إلا أن تنضح سوى ماهو عاكس للواقع الذي يمرّبه، وهوما يذكر-تماماً-بحالة من يعيش حالة سعادة جامحة، فإنه لابد أن يكون سفيراً لحالته هذه، ينظرإلى العالم كله، من خلالها، بل إن أية كتابة-من قبله- عن الحزن-مثلاً، ستكون ناقصة، لأنه غيرقادرعلى تقمص حالة لايعيشها..!.

ولابدَّ من التذكير-أخيراً-بأمرفي غاية الأهمية، وهوأن الكاتب الذي يستطيع الكتابة عكس رؤيته، وحالته، إنما تفقد كتابته ركناً مهماً من أركان الكتابة، مادامت كتابته ليست صدى عن عالمه الحقيقي، وإنما هي مجرد عن كتابة حرفية، تفتقد نبض الإبداع، بل إنها تفقد-في الوقت ذاته- ألق المصداقية الذي يشكل العمود الفقري لأي إبداع..!.


elyousef@gmail.com



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن