الاستشراق والاستعراب الروسي (2- 6)

ميثم الجنابي
m-aljanabi@mail.ru

2012 / 9 / 8

نشؤ وتطور التقاليد العلمية ـ الأكاديمية

شكل صعود بطرس الأول ( ت ـ 1725م) إلى سدة الحكم نقطة تحول كبرى في التاريخ الروسي. إذ نقله من حلة المراوحة بين "الشرق" و"الغرب" إلى سعي حثيث للاندماج الكامل في الكيان الأوربي. وأصبحت روسيا بين ليلة وضحاها "غربية" المشارب والمطارح. مما أدى إلى إرساء أسس الخلفية النفسية والثقافية العامة لمواجهة الشرق ككيان قائم بحد ذاته لا تربطه بالواقع الروسي سوى وشائج الصراع. فالتوجه الكامل نحو الغرب كان في جزء منه ردة فعل ضد "الشرقية" الروسية. والمهمة الآن لا تقوم في تحليل التأثير الذي خلفه هذا التوجه على صيرورة الشخصية الثقافية والروحية للروس، بقدر ما تقوم في رؤية تأثير ذلك التوجه على نشؤ وتطور التقاليد العلمية ـ الأكاديمية في الاستشراق الروسي.
إن "الاندماج" الكلي في الغرب والاوربة الإرادية المفرطة التي طبقها بطرس الأول بقوة الحديد والنار، أدت بالضرورة إلى "التنافس" مع الغرب في مجال دراسة الشرق أيضا. وبغض النظر عن أن هذه العملية لم تخل من نوازع المصلحة المباشرة، إلا أن ذلك لا يقلل من مساعيها الحثيثة في جمع ما يمكن جمعه، في بداية الأمر، من مواد يمكنها أن تخدم هذه الدراسة. ومن الممكن اعتبار تأسيس الـ (كونست كاميرا ) عام 1714م نقطة البداية. فقد خطط لهذا المجمع ـ المتحف أن يكون مستودعاً للتاريخ والثقافة العالمية، بما فيها الشرقية. وسوف تشكل هذه القاعدة المادية الأولية احدى البوادر الكبرى المتخصصة بعد مرور ما يقارب قرن من الزمن بإنشاء المتحف الآسيوي (عام 1818م) الذي سيلعب دوراً هائل الشأن في جميع المخطوطات العربية والإسلامية. بحيث نراه يشكل لاحقا، بعد مرور أكثر من قرن من الزمن أيضا، الأساس المادي لمعهد الاستشراق السوفيتي.
ففي بدايات الربع الأول من القرن الثامن عشر، تظهر أولى الملاح الجدية لتدقيق المعارف "الشرقية". وهذا ما يفسر الاهتمام الكبير بالدراسات الطوبوغرافية والجغرافية. ومهّد هذا الاهتمام بدوره للدراسات المتعمقة ومتطلباتها المتزايدة بفعل التوسع المحموم للدولة الروسية باتجاه الشرق. وفي هذه المرحلة تنحو دراسة الشرق منحيين، الأول من خلال القنوات السياسية ـ الحكومية ومركزها جهاز (وزارة) الشئون الخارجية (عام1720م) والقنوات العلمية ـ الأكاديمية عبر تأسيس أكاديمية العلوم (عام 1725م).
فلو تتبعنا المسار العام لتكوين الأسس المادية للدراسات الاستشراقية والإسلامية في روسيا في غضون قرن من الزمن (1714—1818) فإننا سنجدها على الشكل التالي : عام 1714 تأسيس الكونست كاميرا، وفي عام 1725 أكاديمية العلوم، وفي عام 1727 مطبعة أكاديمية العلوم التي عنيت أيضا بطباعة الكتب الـشرقية وإنشاء أول مجــلة أكاديمية عام 1726 ظهرت أولى أعدادها عام 1730، وافتتاح جامعة موسكو 1755 مع ظهور أقسام للغات الشرقية القديمة، وفي عام 1758 يفتتح قسم لدراسة اللغات الشرقية في قازان (برئاسة م.أ. فيريوفكن احد المترجمين الأوائل للقرآن عن اللغة الفرنسية)، وفي عام 1797 أفتتح القسم الآسيوي في وزارة الخارجية وفي العام ذاته اًفتتحت في كل من بطرسبورغ وقازان أكاديمية أدخلت "دين العرب" و"أدب الفرس" كمادتين أساسيتين في مناهجها الدراسية، وفي عام 1800 تأسست مطبعة قازان الآسيوية، في حين جرى تـأسيس الكثير من أقسام اللغات الشرقية في مختلف الأكاديميات والجامعات، بينما توّج عام 1818 بافتتاح المتحف الآسيوي.
يعكس المسار المشار إليه أعلاه الجهود الدءوبة لاستتباب الأسس المتينة للدراسات الاستشراقية والإسلامية اللاحقة. ذلك يعني إن الاستشراق الروسي اجتاز في تطوره نفس المسار المتعرج لتطور الثقافة الروسية للقرن الثامن عشر، فعايش كل صعوبات المخاض الأول للصعود الروسي. وهذا ما يفسر في الواقع قوة أبحاثه في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.
غير أن القرن الثامـن عشر لم يتميز فـقط بتثبيت الأسس المـادية للاستـشـراق والدراسات الإسلامية بل وبتخريج مجموعة من الباحثين الرواد. وهنا تجدر الإشارة إلى أن الدراسات الاستشراقية والإسلامية الأولى ظلت أسيرة ظروفها الملموسة ومقدماتها الثقافية. فالتغريب الروسي طبع دون شك مواقف الاستشراق الروسي تجاه الشرق، وبالأخص إذا أخذنا بنظر الاعتبار واقع لعب العلماء الأجانب الدور الحاسم آنذاك في إرساء تقاليده الأولى. فقد لعب العلماء الألمان دوراً كبيرا للغاية في تشكيل نواة من الباحثين الأكاديميين الذين عملوا في مجال الدراسات الشرقية والإسلامية أيضاً. وبما أن اغلب الألمان كانوا ينتمون للبروتستانتية، من هنا اهتمامهم المفرط بدراسة لغات الشرق وذلك نظراً لارتباطها بالدراسات التقليدية لكتاب العهد القديم. وقد طبع ذلك اغلب الدراسات الأولية بطابع الاهتمام المفرط باللسانيات كما هو الحال بالنسبة لدراسة تيوفيل باير (ت ـ 1738م) الذي يمكن اعتباره أول من أعار اهتماماً لوضع فهارس المخطوطات الشرقية، ووضع الكثير من الأبحاث في تاريخ الترك والعلاقات التركية الروسية. في حين اهتم جورج ياكوب كير (ت ـ1740م) بمختلف جوانب الحياة الثقافية للشرق، وكان أول من درس في روسيا العلاقة بين العرب والأحباش، والرياضيات العربية واثر الهند فيها، إضافة إلى اهتمامه الكبير بالخط العربي وتطوره، وجمع النقود الشرقية ودراستها. بينما سيقوم صموئيل غوتلب غميلين (ت ـ 1774م) برحلات في مختلف المقاطعات المتاخمة لروسيا في تركيا وإيران وأذربيجان وغيلان وزندان. وشكلت دراستها في بداية الأمر المقدمة الطبيعية لدراسة الثقافة العربية آنذاك.
بينما أعار ياكوف شتيلين (ت ـ1785م) اهتمامه للدراسات الاثنوغرافية. وهو أول من كتب في روسيا أبحاثا عن الفن الشرقي. إلا أن ذلك لا يعني غياب العلماء الروس. فبغض النظر عن عددهم القليل في بادئ الأمر، إلا إنهم أسهموا بصورة جدية في وضع الدراسات الناضجة والمتخصصة بتاريخ الإسلام وعقائده، كما هو الحال بالنسبة لأبحاث الأمير ديمترى كونتمير ( ت ـ 1723م)، الذي تعلم في اسطنبول وتعرف على اللغات التركية والفارسية والعربية. وأصبح مستشارا لبطرس الأول في شئون الشرق السياسية. كما انه كان أول من ساعد في بناء مطبعة بالأبجدية العربية في روسيا، وأولى اهتماماً جدياً لتاريخ الإسلام والمسلمين. وهو صاحب أول كتاب في روسيا عن الإسلام وأصوله بعنوان (النظام او حالة الدين الإسلامي) الذي طبع عام 1719 . حيث استعرض فيه الأصول والمبادئ العامة للإسلام. وقد أثار هذا الكتاب حفيظة رجال الدين النصراني، الذين وجدوا فيه موالاة للإسلام ودعاية له، بحيث جرى تأخير طباعته بضع سنوات إلى أن تدخل بطرس الأول شخصياً وسمح بنشره. أما فاسيلى تاتشيف (ت ـ 1750م) فقد انصب اهتمامه الأساسي على اللغات الشرقية والعلاقات التاريخية بين روسيا والشرق. وبهذا يكون قد وضع الأسس الأولية لانتقال الاستشراق الروسي من حالة فردية إلى تعبير عن تيار ثقافي ـ علمي يستند على متطلبات ذاتية عميقة بوصفها جزءاً من تطور الثقافة العامة (المحلية والعالمية). و ذلك لان الاستشراق الروسي في القرن الثامن عشر لم يعد أسير واقعه المنعزل، بل أخذت تتجاذبه تأثيرات الدراسات الأوربية التي شقت طريقها إليه من خلال الترجمة. وبهذا يكون القرن الثامن عشر قد أرسى الأسس المتينة للحركة الاستشراقية. ولم يعد أمامه سوى مهمة أنجاز الجزء المكمل، أي البحث عن المخطوطات لإتمام أبحاثه المتخصصة.
***



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن