الناس معصومون والمسؤول هو المخطئ الوحيد !

احمد مكطوف الوادي
amwiraq@yahoo.com

2012 / 9 / 4

قبل أشهر من اليوم ، وكنت يومها في المستشفى برفقة مريض من العائلة ، استغرق مكوث المريض أكثر من إسبوع ، وكلكم يعرف معاناة الأمراض والمستشفيات في العراق ، ومايتركه من أثر نفسي سيء على المرافق قبل المريض ربما ، تصوروا انني كنت احسد المريض احيانا لأنه كان نائماً ولا يفكر في كيفية التعامل مع الظروف الموجودة في المستشفى والى غير ذلك من الأمور .
كنت ما زلت أدخن يومها ، والتدخين كما تعلمون ممنوع داخل المستشفيات رغم عدم التزام الكوادر الصحية نفسها بهذا المنع ، لكنه ممنوع قانونا و كذلك يجب على الزائر الأمتناع عن التدخين كتصرف أنساني وأخلاقي فضلا عن الإمتثال للقانون .
صعدت السلم الى الطابق السادس وذهبت بقرب احدى النوافذ التي تطل على ساحة فارغة واخرجت سيجارتي ورحت انفث دخانها نفثة اثر نفثة .
ولم اكمل نصفها حتى جاءني موظف من الطابق الخامس وكان لم يبلغ الحلم (موظف بعقد صغير العمر جدا 16-17سنة) فصرخ في وجهي " طفي الجكارة" ، لم اتكلم وأطفأتها في الحال ، قال لي كذلك " جيب الباكيت " ، فلم أتردد وسلمته له في الحال ، اخذ علبة السكائر ومضى وهو متذمر جدا .
وطبعا بالمناسبة قبلها بيومين رأيته يدخن داخل الممر المؤدي الى الردهات هو وزميل يجلس بقربه لكنني لم احاججه بذلك فهو المسؤول المكلف وانا مواطن عادي ، فحين يخطئ هو او يقصر او يرتشي لا يمكن ان نضمن محاسبته وتبقى الأمور نسبية حسب علاقاته وقوة نفوذه وقربة من المسؤولين الأعلى درجة منه والصدفة كذلك تلعب دورها أو ان تتم محاسبته في جعله كبش فداء (اضحية) ينحرها المسؤول الأكبر فداءا لمنصبه ودفاعا عن شرفه ومكانته حتى وان كان شريكا له في الفساد .
كان يجلس بقربي بعض المرافقين ، فوجهوا لي انتقادا ولاموني على برودي وعدم دفاعي عن نفسي واستسلامي بيد موظف صغير وبعقد وبعمر اولادي .
قلت لهم " انا مخطئ ؛ وآنا للمخطئ أن يتكلم ؟"
أنا خالفت القانون الإنساني والأخلاقي والوضعي والشرعي والدستوري حين دخنت سيكارتي فأعتديت على حق المرضى ولوثت هواءهم الذي ربما ينتظرونه لحظة بلحظة .
فضلاً عن تلك العقوبة فقد عاقبت نفسي أيضاً بالإقلاع عن التدخين ، ومن يومها لم أدخن أي سكارة ، وكانت تلك العلبة المصادرة اخر علبة تبغ اقتنيها لألوث بها هوائي وهواء الآخرين .
لقد سقت هذه الحكاية لأبين التالي :
لماذا دائما نستمع لشكاوي الناس بإن الحكومة ظالمة وإن المسؤول الفلاني دكتاتور او ظالم او متعجرف او مستبد او متسلط او متعسف الخ
ولم نسمع يوما ان مواطنا اعترف واقر بذنبه ؟
هل نحن مجتمع ملائكة لا نخطئ ؟ فيما تدار مؤوسساتنا من الشياطين ؟
كيف نحل هذه الإشكالية ؟
أليس الكثير من نواب ومسؤولي اليوم هم من ابناء البلد وهذا ليس دفاعا عنهم ولكن هل يعقل ان دولة فيها الالاف من المسؤولين وليس بين ظهرانيهم من شريف ؟
لأن ذلك يؤشر الى حالة غير معقولة وغرائبية لدرجة الجنون .
أدرك ان مجتمعنا يكره الحكومات ويكره الزعامات ويكره المسؤولين وهذا ليس بالجديد طبعا ودائما ما تلتف الناس وتتحد ضد المسؤول وتقف مع المواطن ظالما او مظلوما .
هذا لا يعني طبعا اغفال التعسف والإستهتار الأخلاقي والقاوني والروح الصدامية والبعثية عند الكثير من المسؤولين ، وربما ان كاتب السطور ذاق قسماً منه قبل فترة مما اضطره لتقديم استقالته من وظيفته بعد الوصول لطريق مسدود .
ماهو الحل ؟
هل الحل ان نبقى نقيم ونحلل حسب امزجتنا ومصالحنا ؟
ام ان الحل يجب ان يكون موحدا ودستوريا وقانونيا ؛ وربما سيقول البعض وهل من جديد ، فالقضاء الإداري وربما المحكمة الاتحادية هي الفيصل في ذلك !
وهل يمكن لموظف في اقاصي الجنوب ان يشد الرحال للمحكمة الاتحادية ليشتكي مدير دائرته مثلا ً !
ثم ان القضاء الإداري المختفي تماما والقابع في اماكن محدودة جدا فضلا عن الطرق المتبعة في تقديم الشكوى وتعقيداتها وربط ذلك بمرجع الموظف .
نحن بحاجة لمحكمة وقضاء فعال يعالج هذا الشيء تماما ، قضاء شفاف ومختص ، ويستعين بخبرات اختصاصية ادارية وعلمية ، قضاء تواصلي وتفاعلي يستخدم التكنلوجيا والتقنيات الحديثة كواسطة في سماع الشكاوي وتحريكها لا أن يختفي خلف اسوار الكونكريت ولا يمكن ان تصل اليه الا بشق الأنفس .
القضاء وحده هو من يستطيع ان يقول من هو المقصر ومن هو المدان ومن هو البرئ ، نحن في مشكلة كبيرة فلا المسؤول يستطيع ان يعمل بصلاحيات حقيقية خوفا من تهم عديدة ومن تبعات عديدة ، فمن تهمة الشوفينية الى الطائفية الى الفساد الى المحسوبية فضلا عن الخوف من العشائر والقتل والتهم الكيدية ، نحن بحاجة لإنصاف الجميع ، المسؤول والمواطن على حد سواء



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن