الإصدار الأول لدار نون الاماراتية للنشر.. في تحديها الأول

فدوى فاضل
Mira@IntelligentRead.com

2012 / 8 / 11

الهواء ثلثا زجاجتي .. ونديمي البحر
الإصدار الأول لدار نون الاماراتية للنشر.. في تحديها الأول

في العالم العربي الذي يدور حاليا في دوامات ثقافية، اجتماعية و سياسية عاصفة لا احد يعرف نتائجها، انطلقت حديثا دار نون للنشر من امارة رأس الخيمة بدولة الامارات العربية المتحدة، في محاولة جريئة تخرج كلياَ عن اطار الصورة الواقعية المتردية لصناعة النشر في المنطقة العربية. هذا الخروج عن المألوف السيء لا يأتي فقط من كون الدار الجديدة أسستها وترأس ادارتها امرأة، في صناعة يحتكرها الرجال في كل العالم وليس العربي وحده، لكن الأهم من هذا ان سياسة هذه الدار هي تحطيم مبدأ "ادفع – نطبع" الذي ساد بقوة في العقود الثلاث الأخيرة فسمح للغث بالانتشار، وحرم مواهب عديدة من الظهور، حتى اختلّت كل المعايير التي يمكن على اساسها تقييم هذه الصناعة.
دار نون الاماراتية تؤكد –عبر موقعها على الانترنت - ان هدفها هو نشر الأعمال الثقافية والأدبية الجادة أيا كان مصدرها او كاتبها، لتكون بذلك اضافة حقيقية للمكتبة العربية. بهذا، تؤكد الدار التزامها نشر اعمال المبدعين، وخصوصاَ الشباب، من اي بلد عربي (وأولئك المنسيون في المهجر) بالأضافة الى تنشيط حركة الترجمة الى العربية، والتي انحدرت هي الاخرى الى ادنى مستوياتها في العقود الثلاثة الأخيرة.
رغم غياب الاحصائيات التي ترصد حركة النشر العربي، الا أن ملاحظاتي كناشرة، وما استطعت جمعه من معلومات عن العلاقة بين صناعة الكتاب، القراءة والقوة الشرائية في المنطقة تؤكد ما يلي:
- غياب المعايير الأدبية والثقافية التي من المفترض ان تحكم هذه الصناعة. فحاليأ، يعتمد اختيار الكتاب للنشر على الرأي الشخصي للناشر (والذي قد يكون تاجرا ولا علاقة له بالثقافة على الاطلاق) وليس على دراسة واقعية ومستقبلية للسوق. وقد لاحظت ان اعمالا ادبية وفكرية عربية صدرت بلغات اجنبية، ولم تظهر بالعربية التي هي اللغة الأصلية للنص – وليس لذلك علاقة بالرقابة فالنصوص التي اقصدها لا تتضمن ممنوعات الرقابة العربية الثلاثة (الجنس الدين والسياسة).
- تنطلق في الغرب قرابة ثمانية الاف دار نشر جديدة كل عام، والكتب هي احدى السلع القليلة الاخرى التي لم تتأثر بالانهيار الاقتصادي. فمبيعات الكتب في بريطانيا تصل الى قرابة مليارين ونصف المليار جنيه استرليني في العام، وفي الولايات المتحدة تصل الى 24 مليار دولار، وفي الصين تقدر مبيعات الكتب بين أربعة الى خمسة مليارات دولار. هذه اسواق ضخمة بالتأكيد، لا نريد المقارنة بها حاليا، انما فقط لتأكيد غياب مثل هذه الاحصائيات في المنطقة العربية. ومعروف في علم ادارة الأعمال ان غياب المقاييس والمؤشرات يعني التدهور وعدم التطور في العمل. وأؤكد هنا ان ليس الأمية في العالم العربي هي سبب عدم تقدم صناعة الكتاب، بل ربما العكس هو الصحيح.
- ان مبدأ "ادفع – نطبع" السائد، لم يلقِ فقط بأعمال ثقافية وأدبية مهمة في دهاليز الظلام، بل افقد القارئ و الباحث، او الفرد العربي عموما، ثقته بالناشر وبما يُطبع وينزل الى أسواق الكتب. وفي أغلب الأحيان، يبدو الناشر في عين الكاتب ليس سوى تاجرا جشعا أو حارسا مهووساَ لأبواب جهنم.
- أغلب مؤسسات النشر والترجمة الحكومية في المنطقة، يسودها الفساد والكسل وسوء الاختيار. لقد لمست هذا عن قرب عندما تابعت الحضور الباهت لهذه المؤسسات في معرض لندن الدولي للكتاب هذا العام. غرف عرض واسعة بأثاث وموظفين في قمة الاناقة، لكنني لم اجد كتابا واحدا ذا قيمة، سوى القليل جدا من الترجمات (القديمة جدا) في الجناح العراقي، وكانت ملقاة على الأرض. في حين تشكل الترجمات نسبة ثلاثة بالمئة من الكتب في بريطانيا والولايات المتحدة.
لقد دفعت هذه النسبة المتدنية جدا –من 350 الف عنوان جديد يصدر كل عام - بالمؤسسات الثقافية الحكومية والخيرية الى انفاق الملايين لنقل اداب الثقافات الأخرى الى الانجليزية. هنا ايضا تغيب الاحصائيات والأرقام المتعلقة بالانفاق الحكومي على الترجمة في المنطقة العربية.
دار نون الاماراتية، قد تكون هي بارقة الأمل التي تسد كل تلك الثغرات وتؤسس لصناعة نشر محترمة في المنطقة العربية. فالناشرة، نجـلاء القاسمي، تنحدر من اسرة عريقة لها باع ريادي طويل في مجال الثقافة والتعليم في منطقة الخليج. وهي من جيل الشباب الجديد القارئ والواعي لأهمية هذه الصناعة. وقد دخلت المجال بــ"مهمة" اصلاح وتجديد ( Mission to Transform ) وليس كتاجرة، لأنها عانت مثل جيلها من سوء هذه الصناعة بدءأ من مادة الكتاب، الى الاخراج والتصميم والتوزيع والتسعير.
وتأكيدا لمبادئ الدار المعلنة على الموقع الاليكتروني للدار، فقد اصدرت نون مجموعة شعرية جميلة وغنية بعنوان "الهواء ثلثا زجاجتي .. ونديمي البحر" هي الأولى للشاعر السوري حنا حيمو والأولى للدار أيضا، وتم اطلاقها هذا الشهر من استوكهولم حيث يقيم الشاعر، و بحفل توقيع حضرته الناشرة وعدد من المثقفين ومحبي الشعر في السويد.
وحتى لا أشي بمحتوى المجموعة فلن اعلق على نصوصها، بل اكتفي بهذا المقطع من قصيدة "تعالوا.. كلوا جسدي" كي أترك للقارئ الخوض في مغامرة الاكتشاف:
تعالوا الي
أوزّع عليكم إرثي:
ضباب أعشى للأشرعة
ترنيمة لرياح الضجيج
شوارع لكل الضياعات
ملحٌ للجروح المشرعة للعشق
وهذا جسدي ...فكلوه:
شواطئ مسكونة بالخيبة
دموع لكل الأفراح
تفاح لإغواء الهواجس
هواجس لكل المساءات
عويل لمراشي الخواء
فوّهة لتنور الرعشات
إزارٌ مفتوح على الشهوة
سيتبع هذه المجموعة، لاحقا هذا العام، كتب مختلفة تشمل: "يوميات التراب والدم" للشاعر فراس أحمد، "ساعي بريد الغرقى" للشاعر كريم راهي، "مكحلة مسمومة" لحسام الدين محمد، " يوميات صعلوك ... جان دمو في الجبهة" لحسين على يونس، "المستطرف الليلكي"، لخطيب بدلة. ومن الترجمات: " الحمرة" شعر مترجم من السويدي لأنجريد ارفيدسون ترجمة سعيد الجعفر، وكتاب "أطول يوم في تاريخ اليابان" الصادر عن معهد دراسات الباسيفيك.
بهذه التشكيلة من الاصدارات والترجمات، نأمل ان تثبت دار نون الاماراتية، في سنتها الأولى، مصداقيتها بالتنوع، واعطاء الفرص لجميع المواهب على اختلاف مذاهبها، واهتمامها بتنشيط حركة الترجمة الى العربية من جديد. وكل ذلك، بعيدا عن الشللية وبعيدا عن جشع التجار البشع المهيمن على سوق الكتاب.

فدوى فاضل
ناشرة – المملكة المتحدة



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن