المطلوب اليوم كسر مركزية أجهزة ومؤسسات النظام والإطاحة به

بشير الحامدي
hamdinsr@yahoo.fr

2012 / 8 / 10

المطلوب اليوم كسر مركزية أجهزة ومؤسسات النظام والإطاحة به

لئن اجتهدت حكومة الترويكا التي جاءت بها انتخابات 23 أكتوبر 2011 التي مثلت أحد أهم المحطات البارزة في مخطط الانقلاب على الحركة الثورية وإنقاذ النظام والحيلولة دون تجذر المسار الثوري وبلوغ الجماهير الطور الذي يكون فيه بمقدورها أن تقلب الأمور جميعا لصالحها وهو توجه بدت ملامحه واضحة منذ 17 ديسمبر، لئن اجتهدت حكومة الانقلاب هذه ومن ورائها مراكز القوى المالية والعسكرية المحلية المدعومة بقوى رأس المال عالميا في إيقاف الحركة الثورية دون بلوغ هذا الطور بالقمع وفرض سياسة الأمر الواقع حينا وبالمناورة السياسية وتوظيف الوعود الزائفة حينا آخر فإنها اليوم بدأت بظهر عار تماما وهي تكشف عن وجهها الحقيقي ومن ورائه مخطط الانقلاب كله هذا المخطط المعادي لمصالح أوسع الشرائح الاجتماعية والطبقات المقهورة.
حكومة الترويكا ذات الأغلبية النهضوية المعتمدة في مشروعها السلطوي على مراكز النفوذ المالي والعسكري لنظام بن على وعلى دعم القوى الإستعمارية الأجنبية وأذرعها الإقليمية ممثلة في الأنظمة الرجعية الخليجية و كل لفيف القوى الإقليمية والدولية الموحد على استراتيجية الهيمنة على منطقة المغرب الكبير والشرق الأوسط التي تتزعمها الولايات المتحدة الأمريكية والقوى الغربية الاستعمارية بدا يظهر للجماهير و بالملموس أنها حكومة لا يمكن أن تقدم للأغلبية غير المزيد من الاستغلال والتفقير والتهميش والقمع وإنها على خطى نظام بن على. هذا الوعي ولئن بدا يتبلور في صفوف شرائح اجتماعية عديدة ووقع التعبير عنه في أشكال نضالية متنوعة من " اعتصامات عصيان اضرابات" إلا أنه لازال محدودا من حيث الامتداد المجالي و من حيث الاستمرارية.
حكومة الترويكا تعي ذلك جيدا لذلك سعت ومنذ يومها الأول في السلطة وبديماغوجيا مفضوحة إلى المناورة وربح الوقت والبحث عن مبررات من هنا وهناك لتعويم هذه النضالات وتصويرها على انها أعمال موجهة لعرقلتها عن تنفيذ برنامجها لتنتهي أخيرا إلى تجريمها باعتبارها أعمال خارجة عن القانون ومن تدبير قلة من المتطرفين ومن المناوئين لها.
المؤسف أن حكومة الترويكا قد تمكنت تقريبا من كسب مواقف كل الأحزاب والجمعيات والمنظمات لسياستها هذه بحيث إنحازت أغلبية الأحزاب والجمعيات كما الإتحاد العام التونسي للشغل عبر قيادته البيروقراطية لنهج النضال المؤسساتي والذي قاعدته الإعلان الصريح بشرعية الحكومة والنظام وسقفه النهج السلمي والتداول على السلطة والوفاق والسلم الاجتماعي.
لكن وبرغم كل ذلك يتأكد كل يوم أن لاشيء حسم في الواقع لصالح هذه السياسة سياسة التعاون الطبقي فلا الحكومة ولا الأحزاب بما فيها أحزاب اليسار اللبرالي ولا الإتحاد العام التونسي للشغل لهم القدرة على توقيف مسار النضالات الاجتماعية. إن واقع الصراع ليبرهن أن الحركة الجماهيرية مؤهلة بحكم أوضاع الجماهير والتي تسوء من يوم لآخر أن تنطلق من عقالها في كل وقت ولا تتوقف دون تحقيق مطالبها. إن ما يجري منذ فترة بدء بمنطقة الحوض المنجمي وصولا إلى الهبة النضالية التي تعرفتها مدينة سيدي بوزيد وبعض معتمدياتها والمتواصلة ليؤكد أن لا إمكانية حقيقية لقلب موازين القوى لصالح الجماهير والمسار الثوري دون فصل هذه الجماهير سياسيا وتنظيميا عن مضطهديها. لقد برهنت الجماهير الثائرة والمتمردة عن سلطة الترويكا والمنادية باسقاط الحكومة والنظام وحل المجلس التاسيسي والمطالبة بالشغل وبالحرية والسيادة والقطع مع التبعية كما دوما انها متقدمة على الأحزاب والهيئات التي تدعي ليل نهار أنها تمثلها، و أن طريقها هو طريق النضال والمقاومة وإفتكاك الحقوق وليس طريق المساومة والوفاق والنضال المؤسساتي الذي لا يخدم في الأخير غير مصلحة من هم في السلطة أو من يطمحون إليها من قوى الوفاق الطبقي اللبرالية. لكن ولئن بدت نضالات الجماهير في الشهرين الأخيرين أكثر تواترا وأكثر امتدادا و أكثر تجذرا وفي قطيعة نسبية مع المواقف المهادنة والوفاقية والاستسلامية للأحزاب والمنظمات التي في المعارضة يمينا ويسارا فإنها مازالت تشكو الكثير من الضعف من حيث السياسة والتنظيم و الاستقلالية. إن الصراع ضد قوى الانقلاب والديكتاتورية وضد نهج تجريم النضال الاجتماعي مؤهل في المدى القريب للاحتداد ولدفع الكتلة الطبقية الأكثر تفقيرا وتهميشا وستغلالا للبروز على واجهة الصراع من جديد لخوض نضالات بأكثر كفاحية ومقاومة فهذه الكتلة الواسعة من الشرائح المعدمة هي اليوم رأس حربة كل نضال ومقاومة لأنها ليس لها ما تخسر في الأخير غير قيودها. إن بؤرة الحركة الثورية كلها تتركز في هذه الشرائح والتي هي في الأخير ليست في قطيعة مع مجمل المفقرين وأوساط طبقية أخرى وتحديدا الطبقة العمالية وكذالك مفقري الأرياف ومعدميها. إن واجب الثوريين اليوم يدعوهم إلى العمل مع هذه الشرائح والطبقات تحديدا ومن داخلها لتجذير وعيها وأشكال تنظمها وترسيخ مسار استقلالها سياسيا وتنظيميا عن مضطهديها. إن ذلك لن يتأتى إلا بانخراط هذا الجزء من الحركة الجماهيرية في النضال الميداني على قاعدة سياسة جذرية مستقلة وبفعل نضالي جماعي منظم لا يتوقف عند الإحتجاج بل يتعداه إلى افتكاك الإدراة الذاتية وتسيير لكل شؤون الحياة في الجهات وفي المعتمديات وفي القرى. هذا هو فقط المسار الجذري لمواصلة تنفيذ المهمات الثورية وبهذا فقط يمكن ان نكسر مركزية أجهزة ومؤسسات النظام ونطيح به.
ــــــــــــــــــــــ
بشير الحامدي
10 ـ 08 ـ 2012



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن