الربيع العربي ومعركة الأفكار

فؤاد سلامة
f.salame@hotmail.com

2012 / 7 / 19

"إن كان هناك من يجب أن يُستدعى فكره وتُستحضر روحه الوثابة في أيامنا هذه فلا أحد غير عبد الرحمن الكواكبي. إنه طاووس الحرية الذي تبختر في شوارع حلب الشهباء رغم الاستبداد التركي الذي كان يكيد له صباح مساء. وهو حبر الحرية الذي خط "الطبائع" في حلب ونشرها في القاهرة حيث هاجر بحثاً عن حرية عشقها حتى الثمالة. لو لم تعمل طبائع الاستبداد على التخلص من الكواكبي باكراً، بالسم، وهو في ذروة عطائه في منتصف أربعينات عمره، لكان واصل إنتاجه الفذ أضعافاً مضاعفة. لكن يكفيه سفره العظيم "طبائع الاستبداد". يكفيه أنه اختصر الجدل من اول المشوار وسطر أن "الحرية أم البشر" وأن "الاستبداد أصل كل فساد". الكواكبي كتب بعمق وغضب في آن معاً. كتب بعمق قائلاً إن تاريخ وسيروة العرب تقضي بعدم قبول الاستبداد . وكتب بغضب مستهجناً أن يقبل العرب ديمومة الإستبداد ". (دكتور خالد الحروب/ أكاديمي فلسطيني / كامبريدج).
لا يكتفي الطغاة عندما يخوضون معركة الوجود والبقاء بالتنكيل بشعوبهم وارتكاب المجازر من دون التفات إلى قيم او معايير أخلاقية. وعلى غرار المستعمرين القدامى والجدد الذين يدعون محاربتهم, فإنهم يحاولون كسب معركة الرأي العام, أي معركة الأفكار. وهم في سبيل ذلك يسعون لكسب المثقفين والإعلاميين المؤهلين للإنضمام إلى معسكرهم والدفاع عن فضائلهم ووطنيتهم وحبهم للشعب وقضاياه الوطنية وعلى رأس هذه القضايا في العالم العربي القضية الفلسطينية ومناهضة الأمبريالية. إنها عدة الشغل الثقافية التمويهية للطغاة الذين لا يعادل وطنيتهم إلا دمويتهم وبربريتهم. ينقسم المثقفون في الموقف من الأحداث التي عصفت بالعالم العربي منذ نهاية العام 2010 وما زالت تتفاعل ثورات وانتفاضات إلى يومنا هذا. الرافضون والمشككون بالثورات العربية ينتمون عموماً إلى فريق الممانعة الذي يضم يساريين شيوعيين وقوميين "تقدميين" وفاشيين, منهمكين بالصراع الخطابي ضد الأمبريالية وحلفائها من أمراء النفط . هؤلاء "الممانعون" يسخرون من الثورات العربية "الإسلاموية" بنظرهم, ولا يجدون وقتا للإهتمام بمطالبة الشعوب العربية بالحرية والعدالة والكرامة, أو يعتبرون أنه لا ضرورة للثورة خوفاً من أن تكون مطية للخارج الطامع والمتآمر, أو من أن تقع في قبضة الإسلاميين المتربصين. ويشكل بعض مثقفي الأقليات المستفيدين من تحكم الأوليغارشيات العائلية الطائفية بالدولة وأجهزتها جزءاً لا بأس به من هذا الفريق المشكك, الخائف أو المتعالي. المثقفون الديمقراطيون الداعمون لربيع الشعوب العربية لا يبحثون عن المسوغات الأيديولوجية لدعم الحراكات العربية تحت أي مسمى كان. فسواءً حظي الربيع العربي بدعم أمريكا وأمراء النفط أم لم يحظى, فإنه يبقى بالنسبة للمثقفين الداعمين بداية تأسيسية لتاريخ عربي جديد: تاريخ بروز الشعوب العربية كفاعل أساسي يقرر مصير القادة والأنظمة في هذه المنطقة من العالم التي كان يحسبها الكثيرون عصية على التطور ورافضة بطبعها للديمقراطية. النقد الذي يوجهه المؤيدون والداعمون للربيع العربي هو من باب الحرص على استمرار "الثورة العربية" الكبرى التي نجحت حتى الآن بتقويض أسس خمسة أنظمة دكتاتورية وإن لم تنجح تماماً بإقامة أنظمة ديمقراطية مكتملة الشروط .
لا ينتقص من قيمة هذه الثورات العربية أنها بدأت وانتشرت في "جمهوريات الخوف" الديكتاتورية , فهي حتماً ستستمر بالتفاعل لتصل في نهاية المطاف إلى الممالك السلالية وإن بشكل أقل إثارةً ربما في مستقبل غير بعيد, أو هكذا يتوقع الديمقراطيون المؤيدون للربيع العربي على الأقل. وكسائر شعوب الأرض ستتمكن الشعوب العربية في نهاية الأمر من إرساء الديمقراطية وإزاحة القادة الملهمين الذين جمدوا أوطانهم في عصر الإنحطاط أكثر من أربعة عقود. الإسلاميون الذين ركبوا الموجة سيرغمون على تطوير مفاهيمهم للحكم, أو السقوط في تجربة السلطة وترك المكان لغيرهم. الصراع في المستقبل على الساحة العربية لن يكون بين رهط الممانعين "تقدميين" وفاشيين, والإسلاميين السلفيين, بل بين الديمقراطيين مسلمين ومسيحيين وعلمانيين ويساريين ليبراليين من جهة وإسلاميين محافظين وسلفيين وأصوليين وطائفيين وعنصريين من جهة أخرى. إنه صراع حول الديمقراطية وسبل تطويرها وتعميمها في المنطقة العربية كمقدمة لا بد منها لمواجهة الأطماع الخارجية وإسرائيل كقاعدة وتجسيد لهذه الأطماع.
الصراع الفكري المحتدم بين المثقفين المشككين بالثورات العربية الباحثين عن أخطاء وعثرات هذه الثورات, والمثقفين الداعمين للربيع العربي رغم عثراته, هو جزء من معركة الأفكار التي يخوضها الجميع, أنظمة ومثقفين بجميع الأسلحة المسموحة والممنوعة. ومن بين هذه الأسلحة الكذب والتلميع والتشويه كأسلحة محرمة أخلاقياً في ميدان الثقافة والأفكار. وآخر من يبالي بالأخلاق في معركة الوجود التي يخوضها الطغاة هم مثقفو السلطان وأجهزة إعلامه المولعة بالبحث عن الكذبة والهفوة ورد الفعل العنيف عند الثائرين, لذم معركة الحرية والكرامة التي تخاض ضد الأنظمة الديكتاتورية. وهم يبحثون عن جملة من هنا وفيديو من هناك لإثبات "سلفية" الثائرين وتخوينهم او وضعهم في نفس درجة الإجرام التي يتسم بها الطغاة, بهدف محو الفوارق وتمييع القضية المركزية للثورات والتي تتلخص بإقامة أنظمة وطنية ديمقراطية حديثة يتساوى فيها المواطنون الأحرار. لا شك بأن الربيع العربي لن ينتهي بمجرد وصول الإسلاميين إلى السلطة في أول انتخابات حرة في الدول التي انتصرت فيها الثورات. تلك بداية طريق طويل وسيكون هناك تعرجات وانتكاسات كما في سائر المجتمعات لتصل الثورات إلى خواتيمها المأمولة في استقرار الديمقراطية.
لطالما برع الطغاة الأكثر ظلماً ووحشية في العالم العربي في استدعاء المثقفين والإعلاميين والإغداق عليهم لتدجينهم بغية استخدامهم في المعارك التي يستلون فيها السيوف دفاعاً عن بقائهم ولو على جثث الآلاف من أبناء شعوبهم. لم يعد هناك مثقفون منخدعون بمزاعم الطغاة ملكيين وجمهوريين. ولئن كانت قلة من مثقفي الممانعة تدعي خوض معارك دونكيشوتية مع الأمبريالية لإبعاد تهمة محاباة الطواغيت عنها, فإن ثمة "مثقفين" آخرين أكثر خبثاً وأقل حياءً يجهدون في البحث عن حجج ومبررات "وطنية" سياسية وثقافوية لتبرير وحشية الطغاة . إننا ولا شك نشهد آخر وأعنف معركة بين آخر جمهوريات الخوف الدموية وشعوبها الثائرة, وفي هذه المعركة لا يتورع المدافعون عن الديكتاتورية عن اصطناع الأعداء المتخيلين من مثل أمريكا وإسرائيل وأمراء النفط الذين لم يكونوا يوماً أعداء فعليين للطغاة بل طالما كانوا وإياهم في حلف معلن أو مستتر, وأمدوهم بشكل أو بآخر بالدعم, وفضلوهم على شعوبهم عندما كانت هذه الشعوب غائبةً أو مغيبةً في الماضي. ويمكن القول منذ الآن وإن بكثير من الحذر والأمل, بأن الطغاة قد خسروا معركة الأفكار مقدمة لخسارتهم معركة البقاء. وأما مثقفو الممانعة فسيجد الكثيرون منهم الوقت الملائم والكلام المناسب بعد أفول الطغاة, لتعديل أو تبرير رأيهم في الربيع العربي والقول بأنهم كانوا على حق في هذا أو ذاك من المواقف المائعة والأقوال المتذاكية, وسيجدون في السلفيين الخصم المفضل لتبرير تواطؤهم مع الطغاة.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن