عسكرة المجتمع بين الفكر والممارسة

ابراهيم المشهداني
abu_andolus@yahoo.com

2012 / 5 / 26

أثارت القرارات الحكومية الأخيرة بشان امتلاك السلاح, ، اهتماما كبيرا من قبل قطاعات واسعة في المجتمع وخاصة في الأوساط السياسية توزعت بين رافض ومؤيد للرؤية الحكومية التي تناقلتها الصحافة العراقية التي تعطي الحق لكل عائلة إن تمتلك قطعة سلاح دون إن يتوضح شكل السلاح الذي يتعين إن تمتلكه الأسرة . فالسلاح كما هو معروف يتدرج بين المسدس والطائرة ،وطبعا ليس من المعقول إن تمتلك أسرة ما طائرة أو مدفع سوى الدولة وربما مجموعات ميليشياوية تهيمن على محافظات أو بعضها أو ربما تجد لها مواقع مهمة في الجيش أو الشرطة أو الأجهزة الأمنية الأخرى ولها القدرة في استخدامها بشكل أو بأخر وحسبما تقتضيه الظروف السياسية والأمنية المرتبطة بالسياسة وتعقيداتها وتداعياتها.
وعسكرة المجتمع التي تجد تعبيرها في إشكال مختلفة من ممارسات الأجهزة الأمنية وفي تشكيلات أخرى أسستها الحكومات العراقية ما بعد التغيير لتقديم الدعم الانتخابي والدعم العسكري عند الضرورة وموجباتها ،ليست خليقة هذه الحكومات وإنما تمتد جذورها عميقا في التاريخ على المستوى العالمي ولم تكن نتاج قرارات الطبقة الحاكمة فقط وإنما تستند إلى قاعدة فلسفية فقد عمد هتلر إلى عسكرة كافة قطاعات المجتمع الالماني وخاصة الشباب من الجنسين كما وظف العلماء والفنانين لخدمة أهدافه العسكرية وقد كان يستند إلى الفلسفة القومية العنصرية وابرز رموزها الفيلسوف الالماني العنصري المشهور نيتشه ومثل هتلر فعل موسليني ايطاليا وفرانكو اسبانيا وبينوشيت شيلي وجمال عبد الناصر وصدام حسين ومئات الحكام الديكتاتوريين في العالم الحالمين بأسر الإنسان عقلا وجسدا والطامحين إلى تأبيد السلطة ولكنني ولغرض تحليل مفهوم العسكرة في المجتمع العراقي سأقصر الحديث عن نوعين من السلاح وهما المسدس والبندقية ،فهذان النوعان متوفران في كل عائلة عراقية حاليا في المدينة والريف وليس فقط في الريف كما كان سائدا من قبل لأسباب حمائية واحتفالية.لكن هذين السلاحين اللذين ذهبنا إلى تبسيطهما تكفيان لإشعال حرب أهلية تحرق الأخضر واليابس عندما تتوفر لها شروط الزمان والمكان وتجربة العراق في السنوات القليلة الماضية خير دليل على ذلك مما يتعين على أصحاب القرار إن يكون هذا الملف احد ابرز المواضيع التي يجب إخضاعها للبحث والتدقيق قبل اتخاذ أي قرار قد يعيد إلى مجتمعنا محنة الماضي في معارك سياسية قد عرفنا أولها ولكننا لانستطيع تقدير نتائجها في أجواء التصعيد السياسي الراهن من قبل القوى الحاكمة .
ومما لا يخفى على أي متابع لظاهرة حمل السلاح الرغبة الاجتماعية على مستوى الريف ومن ثم المدينة في السنوات الخمسين الأخيرة أنها أي الظاهرة لم تكن معزولة عن ثقافة المجتمع ونظامه السياسي والأعراف التي تحكم علائقه وتناقضاته الاجتماعية ومصالح التركيبة الطبقية فيه ليس في العراق فحسب وإنما في كافة البلدان الزاحفة في تطورها الاقتصادي والاجتماعي فمنذ ثمانينات القرن الماضي كانت القوة عنوان نشاط المنظومة الثقافية والإعلامية للنظام البائد لنشر ثقافة القوة بشكل منهجي وشجع على استيراد الألعاب النارية بمختلف أنواعها بشكل متزامن مع نشر ثقافة العنف بغية إعداد جيل متسلح بثقافة الحرب والعدوان على العكس مما كان يجري قبل تسلم السلطة من قبل ديكتاتور العراق صدام حسين حيث كانت الميكانو اللعبة الأساسية التي كانت الأسواق المركزية تستورده من اليابان حيث يتعلم الطفل من خلالها إنتاج الكثير من الألعاب التي تنمي موهبة الإبداع . وظاهرة التركيز على استيراد الألعاب النارية استمرت بعد التغيير وبنطاق واسع تمشيا مع الرغبة الجامحة للطبقة التجارية وحيتانها بتحقيق أقصى الإرباح على حساب تربية النشء الجديد على ثقافة السلام وتنوير الفكر بالمعرفة والثقافة الحداثوية القائمة على احترام الإنسان وبناء أجيال متنورة مندفعة روحيا وجسديا لبناء مجتمع العدل والسلام .ولم تأبه الاجهزة الحكومية المختصة لخطرها على الأجيال الصاعدة .
ويمكن القول إن منهج الدولة الاقتصادي في الوقت الحاضر يتجلى بإتباع سياسة تجارية منفلتة إحدى مفاصلها استيراد اللعب النارية وما تخلفه من نتائج تربوية سلبية على الأطفال يجري هذا متوائما مع القرار الحكومي الهادف إلى امتلاك السلاح السلاح لدى العوائل العراقية ، ولا يخفف من مغبة هذا الإجراء اقتصاره على المناطق الساخنة ، ومقترنا أيضا برفض الحكومة لمسودة قانون يحضر استيراد الألعاب النارية أعده مجلس النواب .وهذه الاجراءات مجتمعة إلى جانب الكثير من الإجراءات الميدانية تعكس مظاهر عسكرة اجتماعية تحمل معها مخاطر الالتفاف على الدستور ومزيدا من تدهور العملية السياسية .
لكل ما تقدم اعتقد إن الوقت قد حان لكي تتبنى الحكومة سياسة جديدة تقوم على تحريم عسكرة المجتمع وهذا يتطلب بالدرجة الأولى ضمان امن المواطن دون إن تلزمه هو بهذه المهمة كي لا تستمر ظاهرة انفلات الأمن ،والقيام برسم آليات فعالة في سحب السلاح وحصره بيد الدولة ووضع الخطط الكفيلة بتنظيف الأرض العراقية من كافة أنواع الأسلحة ومنع حملها ألا بأضيق الحدود ولأسباب مشروعة كما حان الوقت لتفكيك الميليشيات وتجريدها من أسلحتها حتى لو اضطرت إلى شراء هذه الأسلحة وتدميرها إن لم تكن بحاجة إلى استخدامها في المنظومات العسكرية إما الخطوة الأهم فتتمثل بسعي الدولة إلى تربية أجيالنا بثقافة المحبة والسلام من خلال برامج إعلامية وتربوية بالإضافة إلى اتخاذ قرارات حازمة بتحريم تجارة الألعاب النارية عبر وضع التشريعات التي تحرم أيضا استخدام الأسلحة بمختلف الإشكال بما فيها استخدامها في الأفراح والأتراح ومنع المواكب الحكومية في إطلاق العيارت النارية لفتح الطريق إمامها متجاوزة بشكل فض على حياة وحقوق مستخدمي الطريق و لما لهذه الظاهرة من الاستهانة بقوانين الدولة وقراراتها ، وإعادة النظر بالمناهج التعليمية في مختلف المراحل الدراسية التي تؤكد على مبادئ المواطنة ونشر المحبة والسلام بين إفراد المجتمع كل ذلك يتم من خلال وضع خارطة طريق تتعاون في تنفيذها الحكومة والبرلمان والأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني وكل المنظومات المعنية بهذا الشأن الحقوقية والثقافية في إطار حزمة من القوانين والقرارات واليات تنفيذها ولكن كل ذلك يبقى حبرا على ورق ما لم تخضع للتدقيق والرقابة والتوعية عبر برامج واضحة ومفهومة من قبل كافة الشرائح الاجتماعية .وأجهزة تنفيذية نزيهة وعلى درجة عالية من الوعي بحقوق الإنسان وامن البلاد.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن