عن اذار المراءة والثورة

جورج حزبون
g.hazboun@gmail.com

2012 / 3 / 1


يشتمل شهر آذار على مناسبات هامة سياسية واجتماعية ، أبرزها يوم المرأة ، ويوم إلام ، ويوم الأرض ، وهو يحتوي أيضا على مناسبة سورية تتمثل في استيلاء حزب البعث على السلطة ، وتحرك الأسد الأب بما سماه ( التصحيح ) ، وكان بداية لنهاية حزب البعث بعقيدته وعروبيته ، واسهم هذا النهج في إفشال الحركة القومية العربية ، بالطبع مع ما فعله شقه الأخر ( صدام ) في العراق ، بل ولقد ساهم البعث في ضرب الشيوعيين بمنهج الإبادة واليسار والفكر القومي التقدمي وكل القيم الأصلية في الشعوب العربية .
وتقدير لدور إلام في الحياة والمجتمع ، فقد تكرس يوم الحادي والعشرين مناسبة لتكريمها ، وأصبح يوما تحتفل به الشعوب العربية مع بداية فصل الربيع ، ويحتفل الشعب الفلسطيني بيوم الثلاثين من آذار ( بيوم الأرض ) كمناسبة كفاحية دفاعا عن الوطن والشعب والقضية ، التي يمثل احتلالها والاستيطان فيها من سائبة الشعوب ، اعتداءاً على هذه القيم والحقوق والتراث والمصير ، وهي المناسبة التي روت دماء الشباب الفلسطيني تلك الأرض في هذه المناسبة ، وتوحد فيها نضال الشعب الفلسطيني داخل الخط الأخضر والضفة والقطاع ، فكان وسيبقى هذا اليوم راية كفاحية وذاكرة في تاريخ نضال هذا الشعب المناضل لأكثر من قرن لانتزاع حقه في وطنه وتقرير مصيره .
ومع هذا تظل مناسبة الثامن من آذار عطره طيبة تحمل في ثناياها عبق التاريخ الشامخ للمرأة العاملة ، المناضلة لانتزاع حقها في وطن آمن مزدهر وحياة اجتماعية متساوية بلا عنف وبلا اضطهاد ، وبذلك يكون نضال المرأة متقدماً ومتحملاً عبئ إضافيا َعن باقي قطاعات المجتمع وعن العامل الرجل ، حيث ان انتصار قضية المرأة يحقق بوضوح تحرر للرجل وللمجتمع فان مساوة المرأة في الاجر والعمل والقانون والحياة ،ـ وحرية الرأي ، يتحقق في مجتمع واع متحضر قادر على إدراك ان بقاء نصف المجتمع مكبوتاً هو نوع من العبودية ، وان حصر دور المرأة في الجنس والتوليد والخدمة للرجل ، هو ميراث إقطاعي من الأزمنة الغابرة يوم كان الناس مجرد أرقام عند صاحب الولاية والأرض ، ولا يمكن ان نفهم مدى درجة تقدم اي امة او شعب او عائلة الا عبر إدراك مدى الدور المناط بالمرأة ، فليس حر من يستبعد الآخرين ، وليس أنسانا كاملاً وعيا وحضارة من نظر الى المرأة على أنها درجة منخفضة عنه ، لماذا لان الأديان قبل ألاف السنين قالت ذلك ؟ وهي التي كانت تعبيراً عن حالة ثقافية متوافقة مع مراحل العبودية والاقتطاع بل لعلهم من ادخل هذه المفاهيم والبسها ثوبا دينيا ليحقق الطاعة لعبيدة وولائهم له حيث ان تلك رغبة رب السماوات ، فالأنبياء المفترضين كانوا جزء من تلك المنظومة الاجتماعية ، ولم يكونوا قادرين عن الخروج على تلك التركيبة الاجتماعية التي هم نتاجها ولا عن نمط الإنتاج السائد ، وليست الأديان بذلك سوى تعبيراً عن الوعي القائم وتنظيما لمرحلة اقتضت فرزا متوافقا مع مرحلة تاريخية، كان النبي اي نبي نتيجة وليس سببا حيث كانت قد نضجت معطيات موضوعية للبناء الفوقي تكون متوائمة مع تلك المرحلة ، وتلك الايدولوجيا وضعها في قالب معين ، تمت تسميته كتاب او نظاماً او ديناً سماوياً !! فان كانت السماء عادلة بالمطلق ، فكيف تقبل بالعبودية ، قد حضر مرسليها ولم يعترضوا على العبودية ، وان كانت السماء تملك تلك المساواة فلماذا جعلت من خلال مبعوثيها المرأة جناحاً ضعيفاً ، ولعله الوضع الاقتصادي هو الذي فرض شكل علاقات الإنتاج التي جعلت المرأة عنصراً مجتمعياً له صفات محددة بالعمل والمكانة ! وهو بالذات الأمر الذي أتاح للمرأة في البلدان المتقدمة اخذ مكانتها وتحرير نفسها في مرحلة تحرر العبيد وما بعد .
فإذا كان دور المرأة في النظام الاقتصادي فرض شكل ووضعاً محدداً للمرأة ، فهو نظام استغلالي عبودي يقتضي رفضه والنضال من اجل تصويب وضع كافة الفئات المجتمع على ذات مستوى من المساواة والعدالة ، وهنا يصبح أمر تحرر المرأة ، تحرير للمجتمع وفك قيود الرجل وتحريره من أنماط الاستغلال وإشكال العبودية المتغيرة إشكالها فقط ولكنها باقية موضوعيا .
ان يوم الثامن من آذار ليس مجرد مناسبة احتفالية ، وهي الحالة التي بدأت الأنظمة والرأسمال في التعامل معها وحتى المشاركة في إحيائها لاحتواء مضمونها بالهدايا والبرامج الاحتفالية ، بل انه يوم للذكرى على أجندة النضال التحرري ليكون موعداً للتحفيز والتضامن بين المرأة في كافة مواقع تواجدها الاجتماعي والاقتصادي هو يوم لتأكيد الاستمرار وتبادل المعرفة والخبرة تماشياً مع هؤلاء الذين فقدن حياتهن بل واحرقن واستمر استغلالهن طويلة ، دون مساواة في العمل والأجر والرعاية ، وفي مجتمعنا العربي تم اختصار مفهوم الشرق ليكون محدداً في تصرفات المرأة ، وليس شرف الوطن او شرف الكلمة او شرف العلاقة والصدق والعدالة ، فتم تحت هذا المفهوم ولا يزال ، ذبح المرأة كما الخراف دفاعاً عن ذلك المعنى المجزوء لكلمة ( شرف ) وبالتالي وفرت دائرة من الخوف للمرأة ، أربكت مكانتها وأدخلت في وعيها أنها كائن مستهدف جسدياً ، فأعاق فرص تطورها وإمكانية الاستفادة من دورها وإمكانياته التي ظهرت في العديد من بلدان العالم ، اختراعات ، وعلم ، وثقافة وأدب .
وفي مناخ هذا الربيع العربي ، المفترض انه ثورة في الوعي ، ان تتحقق للمرأة حريتها ، وإما من خلال هيمنة القوى الدينية والسلفية فلن تكون الا مناسبة للارتداد بدور المرأة واستبعدها تحت راية الدين ، وبذلك يصبح هذا الربيع مجرد نكسة سياسية وثقافية للشعوب العربية من حيث دعم الرجعيات الخليجية للحركات الدينية حاملة تلك المفاهيم البائدة ، والمعيار في قياس ذلك هو حرية المراءاة والمكانة المعطاة لها في هذا
الحراك العربي ومسمياته المختلفة ، وليصبح ثورة حقيقة، فانه مطالب بإلغاء كافة القوانين المجحفة بحق المرأة والرجل أيضا وإطلاق حرية الرأي والملبس والتعبير ، لكن الإشارات الواردة لا تبشر بذلك وأهمها العودة الى اعتبار الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع ، وبذلك يكون قد حدد ابتدأ تراجعا لدور المرأة واعتبارها نصف الرجل وأداته في المتعة والخدمة والولادة وحصرها في البيت حيث ( الرجال قوامون على النساء ) ، تلك القوامة التي تعيدنا الى مجاهل التاريخ وتفسح الطريق إمام الاستغلال للأوطان واستلاب حقوق شعبنا وليس نسائنا فقط ، فنحن نعيش في عالم متقدم فرض قواعد وأنماط لا يمكن لهذه القوى الدينية تطبيق اجندها فتلجاء الى الاضطهاد والولاء للرأسمالية التي بداءت تمالئها ،خاصة في الجانب الاقتصادي والمالي حيث العالم سوق واحدة كبيرة لها قوانينها وأصولها ولن ينقذها الانكفاء على الذات والتجربة الإسلامية في إيران حاضرة وقبلها في السودان والمحاولات الأولى في تركيا ،
وبهذا فان المرأة مطالبة بالتحرك لأخذ دورها في الحراك السياسي الدائرة وليس مجرد ناخبة لأولئك الخرافيين باسم الدين ، وعلى قوى الثورة من الشباب عدم الاستسلام إمام هذه الموجة الوهابية مهما تمادت ومهما امتلكت من مال وقدرات فانها ستعيدكم الى كهوف التاريخ ، ودائما ليبقى معياراً النجاح هو دور ومكانة المرأة . وعاش الثامن من آذار مناسبة كفاحية للمراءاة والرجل . .



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن