محمد وردي ..الغناء بين السوق والسياسة

المنصور جعفر
almanssour@hotmail.com

2012 / 2 / 20

ستون سنة فقط لبث فيها الأستاذ الفنان محمد وردي شادياً الأغاني الجميلة بالحب والوطن، والمفعمة بالجماهيرية الفرحة النضرة من ضفاف النيل والنوبة إلى شرق وغرب أفريقيا بطول حزام السودان الأفريقي من البحر الأحمر إلى المحيط الاطلسي وبعرضه الممتد من دواخل جنوب مصر إلى تخوم جنوب أفريقيا، بلداً بلداً، لا تجد فيه فرداً ، صغيراً أو شباباً أو مشيخة لم يسر نفسه بشيئ من شدوه أو ببعض أغنياته.
إمتلك الفنان الشيوعي محمد وردي من مقومات الجمال: معالم الحياة النوبية ومنها خفق النيل والنخيل للقمر وضحكة الحقول للبدر إذ إكتمل، وتلك العلاقات بين الأمهات واللبن والعسل، تفتحاً بنقاء الأمل وبإندياح نوبة النغم من خير الأرض إلى سناء الله والقمح بالعمل الحسن. وبأكثر كثير من قبس هذا الجمال سرى وردي سنة 1953 خفاقاً دفاقاً إلى المدينة الحاضرة.
تواشجت ألحان وردي بأشعار النخيل الباسق: محمد المكى إبراهيم.. إسماعيل حسن.. عمر الدوش... السر دوليب .. أبو امنة حامد.. صلاح أحمد إبراهيم مفتحة في سماوات السمع نجوماً من الأغاني بعضها ساطع الوطن وبعضها حنين وشجن، وبين ذاك السطوع وهذا الشجن سلس غناء وردي في أفئدة المعاني وإنفتح حدائقاً للنفوس وسياسة للوطن.
في هذا السمو والإرتقاء تعرض غناء وردي لمحنتين: محنة السوق ومحنة الحكومات:
تكونت محنة السوق بإختراع المسجل واشرطة التسجيل الصوتية حيث تكالبت على أغان وردي آلات التسجيل قبساً ونسخاً ونشراً مثلما تكالب الناس عليها مالاً وسمعاً، دون أن تعطي وردي ماله في وقت للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي أبخسا فيه العملة الوطنية ملهبين الأسعار جارحين قدرة الناس على الإطمئنان وعلى الإنصات وعلى التذوق السليم، ولكن وردي لم يبخل على شعبه وتسامى عن جراح نهب اغانيه، مغنياً له.
أما محنة الحكومات مع وردي (لا محنة وردي مع الحكومات) فقد كانت حكومات العهود السياسية المختلفة في السودان أشد وبالاً على نفسها مما كانت عليه فقد شدا وردي للإستقلال والإشتراكية ولأكتوبر الأخضر وللوطن العربي ولـ19 يوليو 1971 وللبناء الوطني وصارت أغانيه لهذه المعاني من لوازم الإحتفاء بها ... علامات خالدة على دور الغناء في يقظة الشعوب ونضالها والإنتصار لقضاياها، وإزاء هذا الجمال تناقضت حكومة كل عهد في السودان بين الإنحناء والرقض له أحياناً ، وبين المنع والكيل عليه أحياناً أكثر .. تناقضاً وهمه بعض الناس ضده بينما وردي هو هو لم تتغير معانيه، في الصف الأول للغناء التقدمي مع الأستاذ محمد الأمين وأبوعركي البخيت والراحل مصطفى سيد أحمد وعقد الجلاد وآخرين، واجه معهم المعتقلات وكان أكثرهم رزوحاً فيها. و برسوخ وصمود بل وتفتح أغانيه في وجدان الجماهير قهر وردي حملات الفذف والإهانة والتشويه حيث لم تمر دورة زمن سياسي إلا وتجد الحكومة التي عادته قد رجعت إلى الإنحناء له وهو يغني للحبيبة والوطن، تروم منه حب الجماهير .
بيد إن هبباي خلط السياسة بالثورة في السودان وتقلب السياسيين بين العداء والتصالح غبر بعض أقواله وصوره، ولكن هل تلغي شجيرة شوك جمال الغابة؟
في تقليد أفريقي نوبي أصيل مازج شدو وردي بين الفنائين المفرد والجمعي، وبين الآلات النوبية وبناتها العربيات والأوربيات وغني باللغتين النوبية والعربية مبدعاً صنوقاً من الألحان والأوزان والإيقاعات تراوحت كنبت الحدائق وتألق النجوم .
كان معلم المدارس الأستاذ الفنان محمد وردي كما عرفته أيام الشتات في مصر وفي بريطانيا إنساناً يختلف كثيراً عما شيع عنه من غرور بل مع إعتداده بنفسه في إختيار أشعار أغانيه وألحانه وعازفيه وهندامه وصفو أماسيه، كان وردي إنساناً متواضعاً كريماً مع ضيوفه رحباً وحفياً بهم، كالعطر في فوحه، والكأس في رشفه، يطيب خواطرهم ويواسي همهم، وينضر نفوسهم، كان إن سألهم في حالهم فبلا لح ولا قح، شارحاً أذهانهم ونفوسهم، وإن أجابهم فحديقة.
كانت الطرفة والسماحة النوبية تغزل بين وردي وبين الجماهير نسيجاً من المحبة والوطنية واللطافة الشجية في حضرته.. إذ عنده يرتفع الغناء راية للإنسان.
http://www.youtube.com/watch?v=fwmieEE-cyY
http://www.youtube.com/watch?v=WkegFEEwjjM



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن