حرب القدسيّة

جورج كارلن
axmat.haj@gmail.com

2012 / 2 / 16

القدسّية هي هَذه الهالَة الذي يصنعُها البشر في مخيِّلتهم حولَ موضوعٍ أو مادةٍ أو شخصٍ ما لغرضٍ ما ,وبأغلب الأوقات غرض غير شريف . بحيث تصبح كأيِّ رجل سياسة مهم أو ممثل مشهور , محاطة بحفنة من الحرس الغِلاظ الشِداد, وبالتالي اذا اقتربنا من هذه الهالة فستحرِقُنا بنارها.القدسية هي هذه الورقة الرابحة التي وُلدت بعد تفكيرٍ طويل من الأجيال القديمة التي كانت تفكر في السيطرة على عقول ومقدّرات الأمم ,والتي بالتالي أثبتت أهميتها بوجود أو اختفاء المقّدس. القدسية هي الإبتعاد عن الإنسانية حتى تتميز وتصبح كأي معدن نفيس. وبالتالي تركب جميع البشر برضا البشر.
فالسؤال كان , كيف يمكن لشخص أن يجذب انتباه باقي البشر لما يريد في حال لم يصنع لنفسه أو لفكره قدسية تضعه فوق مستوى البشر . فكلّما قل وجود شيء على الأرض كلما غلا ثمنه واجتذب الأنظار . فمالذي سيجعل شخص ما مختلف عن ملايين الأشخاص غير القدسيّة ؟. النبوة مثلاً , استطاع اول شخص ادعى النبوة رسمياً وهو موسى أن ينشأ لنفسه من لاشيء منظومة ودولة تابعة له . بإدعائه أنه مرسل من يهودا إله الزراعة . وتَبِعه بعدها الكثير من الأنبياء إلى أن جاء محمد . فقد . استفاد محمد من عمله في القوافل التجارية بالتعرّف على هذه المنطومات الدينية وبمساعدة ورقة ابن نوفل وسلمان الفارسي بدأ يؤسس لنفسه ديانة .تتشابه بالأهداف والثوابت مع غيرها ,ولكن مع تعديلات حول الثغرات التي وجدها في ماسبق من الأديان . واستطاع أن يقلب الموازين على جميع الإيديولوجيات ويتحكم بمقدارات بلاده والبلاد المجاورة . كانت القدسية آنذاك فقط حول موضوعين . كلام الله وشخص النبي . كما كانت في السابق مع إختلاف في شخصية الله .ولكن مع علم النبي أنه سيأتي بعده من يحذو حذوه وينسف ماجاء به وأن القدسية والتميّز هي مطمح جميع البشر. أتى بمصطلح ختم النبوة الذي يدّل على الذكاء لعدة أسباب.1- الخلود للأبد والإبقاء على القدسية فقط ضمن اطار عائلته. وبهذا يكون قد سد جميع الطرق على من يأتي بعده طلباً للقدسيّة بإدعاء النبوّة. 2-لن يتبقّى للبشر في تلك المنطقة من طريقة للظهور إلا عبر المرور الإجباري والإنتماء والتكّلم بهاتين القدسيتين .3- وبالتالي ظهرت قدسية ثالثة فوق البشر وهي أهل النبي. ولكن أصحابه والذين معظمهم كانوا يطمعون بهذه القدسية إنقلبوا على أهله وظهروا هم كقدسية رابعة .
4- والأهم , أنه مع بقاءه في قائمة المقدّسات وبقدوم مقدسات جديدة تابعة لمقدسّه سيكون عدد المقدسات الأخرى بعده قد وصل إلى اللانهاية مما يؤدي إلى صعود قدسيّته مرتبة أعلى بظهور قدسيّة جديدة. وهكذا سيصبح من الصعب إن لم يكن من المستحيل الوصول إلى نسف قدسيّته . حب الظهّور والتميّز هو ما يفسّر لنا ظهور ما هب ودب ممن يدّعون العلم بعد رحيله المقدّس الأول. فلم يبقى طريق للتميّز الذي يطمح له كل انسان إلا من خلال المرور بالمقدّستين الأوليّتين .فظهرت المذاهب الإسلامية المختلفة التي كل منها تبحث عن التميّز والقدسيّة .وجيل التابعين والمؤرخين الإسلاميين وكتبة الحديث. ورجال الدين في ذاك الزمن وفي زمننا . وهناك جماعة البوطي . وجماعة كفتاور, والقبيسيات , والأزهريين ,والولي الفقيه ...إلخ.وبسبب الرقم الغير معقول من رجال الدين في هذا الزمان . اصبحنا نسمع عن فتاوى دينية من كل جوكر ديني لا علاقة له هو وفتواه بالواقع . كيف لا, ف بكم المشايخ الموجود لم يعد للقدسية معنى في مرتبة المشيخة ولم تعد القدسيّة فقط بإطلاق اللحية ولبس التوب القصير والتكلّم عن بول البعير. فلم يعد هناك طريقة للتميّز إلا من خلال الظهور بأفكار مشيخية جديدة ومختلفة تلفت النّظر لهذا الشيخ وتلمّ الناس حوله وتعطيه القدسيّة.
فبهذا أصبحت الخطوط الحمراء المقدّسة الممنوع تجاوزها إلى هذا الزمن كثيرة ومصالحها مترابطة, وهي على الشكل التالي : الله – الدين – الرسول – الملائكة - أهل البيت – الصحابة – الخلفاء – التابعين – أصحاب المذاهب الأربعة – رواة الحديث – الأحاديث - المؤرّخين الإسلاميين – التاريخ الإسلامي – رجال الدين . والحبل عالجرّار . وهذا ما يفسر لنا الهجوم الكاسح على أي شخص مثلاً يعطي رأيه أو ينقد فتوى أو رأي لعالم ديني ما. لإن من درس هذه المنظومة وكرسهّا لخدمته يعلم أنه اذا سكت عن تجاوز أول خط أحمر من الأسفل , سيسكت عن تجاوز الخط الذي يليه , وبالتالي ستتهاوى هذه المنظومة ويفقد مصالحه كلها .ويذهب إلى المزبلة من حيث أتى فإذا أردنا فرضاً أن ندرس الدين دراسة نقدية فكيف سنبدأ بتحليل منطقي لجميع هذه الخطوط الحمراء المقدّسة بداية من الأسفل إلى الأعلى والتي لن نستطيع الخوض فيها كلّها بسلام , والتي بمرور الزمن ستصبح أكثر وسيصبح الرقم واحد او إثنان بعيد كل البعد عن النقد أو المسائلة أو التشكيك.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن