السياسة الملتبسة

صاحب الربيعي
sahib.al-rabi@spray.se

2012 / 2 / 12

السياسة مسار خفي لتمرير الأفكار الملتبسة التي تحاكي عواطف المجتمع وتضعف صلاته وتحتقر تاريخه وتصفه بالمتخلف لتغرس مكانه واقع مغاير تعدّه متطوراً فيصاب المجتمع بحالة أغتراب عن واقعه، وخطورتها تكمن في قدرتها هدم قناعات المجتمع على نحو تدريجي فيرفض الفرد على نحو لاواعي محيطه الاجتماعي وينتمي لجماعة مروجة للأفكار الملتبسة. وبتعددها تنهار الصلات الاجتماعية وتتفتت وحدة المجتمع، فالأفكار الملتبسة وتباين غايات مناصريها تزيد حدة التناحر الفكري في المجتمع ليتحول مع الزمن إلى صراع عنفي يقسر الآخر التخلي عن أفكاره وقناعاته المغايرة.
يعتقد (( دان براون )) " أن تأثير الأفكار الهدامة في تغيير قناعات المجتمعات كبيراً، كونها تهدف لهدم كل بناء راسخ في المجتمع ".
تهدف السياسة على نحو رئيس الاستيلاء على السلطة فإن أمكنها حشد مناصرين أكثر واستخدامهم معاول لهدم مؤسسات الدولة والمجتمع ضعفت السلطة على نحو كبير ما يمهد لاسقاطها، فالصراع بين سلطة الاستبداد والمجتمع المقهور أساسه تسلط قوة قاهرة على قوة مقهورة غير قادرة الدفاع عن مصالحها المغتصبة لاختلاف موازين القوة بينهما بعدّ القوة العنفية عامل حاسم تفوق قوة المناصرين العددية في اطارها الزمني.
على رغم الحجم الظاهري لقوة السلطة العنفية أقل بكثير من حجم قوة المجتمع الكامنة لكنها أكثر فعالية ليس بوسائل العنف وحدها، وإنما غرسها الخوف في وجدان المجتمع لتخميد فعالية قوته الكامنة وتغليب قوة السلطة العنفية فإن أمكن كسر حاجز الخوف فُعلت قوة المجتمع الكامنة لتصبح أكبر من قوة السلطة فتمنى بالهزيمة.
لكن تحرير قوة المجتمع الكامنة ضد سلطة الاستبداد على نحو عشوائي يحولها إلى أداة تدمير ليس لأجهزة السلطة العنفية وحدها وإنما لمؤسسات الدولة والمجتمع، لأن مفهوم السياسة ملتبس في ذهن المجتمع الجاهل وليس في وسعه التمييز بين الدولة والسلطة فيبرر لنفسه هدم مؤسسات الدولة وحرقها ونهبها بوصفها ملك السلطة.
يقول (( أرسطو )) : " إنه يحق لأي شخص الغضب عند انتهاك حقوقه، بشرط يقتصر غضبه على من اغتصب حقوقه ولا يوسع دائرة غضبه لتطال الآخرين وإن يختار الوقت والوسيلة الملائمة لتحقيق غايته على نحو مشروع ".
تفتقد السياسة الملتبسة المعيار العقلاني لقياس شدة الفعل لتحقيق هدفها السياسي والاجتماعي، كونها لا تهتم بشرعية الوسائل من عدم شرعيتها وإنما الفوز بمغانم الصراع لتكون الخسائر من نصيب المُغيبين والسذج غير المدركين لماهية سياسة الالتباس التي تخلق الفوضى وتجلب الدمار، فالسياسة العقلانية تبحث في حجم الخسائر لتحديد قيمة الهدف وجدواه والسياسة الملتبسة لا تهتم بحجم الخسائر لتحقيق الهدف شرط أن تلبي مصالحها.
يعتقد (( دان براون )) " أن الظلام يتبع النور والشر يتبع السلطة، فهناك من يبني وهناك من يدمر ".
لا تقر السياسة الملتبسة بوجود حدود فاصلة بين الخير والشر، والسلطة والمعارضة، والبناء والهدم.... لكنها تؤمن بتوزيع الأدوار بين النخب والحثالات، والمخطط والمنفذ، والمغانم والخسائر لتحقيق الهدف.
الموقع الشخصي للكاتب : http://www.watersexpert.se/



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن