الطبيب الذي لا يخاف

ضيا اسكندر

2012 / 1 / 13

أذكر في مرحلة الدراسة الابتدائية، كنت أتلهّف لقراءة ما تقدّم من كتبي المدرسية، مستبقاً معلّم الصف بعدة دروس. وما زلت أذكر تلك العبارة التي تضمّنها درس في كتاب العلوم مفادها: ((البيت الذي تدخله الشمس، لا يدخله طبيب)) حينها تملّكتني الدهشة والحيرة وأنا أتساءل في سرّي: لماذا يخشى الطبيب دخول البيت الذي تدخله الشمس؟! تُرى ماذا سيحصل له لو تجرّأ ودخل البيت عنوةً؟! ما هي محاذير الدخول؟ وما هو المصير الذي ينتظره؟

والحقيقة أنني حسدتُ أسرتي حينذاك مغتبطاً من أن بيتنا والحمد لله لا تدخله الشمس. وبالتالي فإنّ أيّ طبيب في العالم يمكنه الدخول إلى بيتنا وهو في منأى تماماً عن أية مخاطر. وصرتُ أتحرّق شوقاً لاقتراب موعد وصول المعلّم إلى ذاك الدرس لأحصل منه على جواب يشفي غليل تساؤلاتي تلك!

ومرّت الأيام وجاء دور ذلك الدرس العظيم، وكم كانت خيبتي كبيرة عندما شرح لنا المعلّم تلك العبارة ببساطة، من أن البيت الذي تدخله الشمس لا يحتاج إلى طبيب أصلاً، وذلك بفضل الفوائد الجليلة للشمس؛ التي تقتل الجراثيم وتقوّي أجسادنا وتطهّر بأشعتها كل الميكروبات والأوبئة وما إلى ذلك..

ومنذ فترة قرأت مقالاً يتحدّث فيه كاتبه عن حادثةٍ حصلت في إحدى الدول الاسكندنافية خلاصتها أن طفلاً عائداً من مدرسته، ولدى وصوله إلى بيته فوجئ بحشدٍ من الناس يتجمّعون بالقرب منه. وعند استيضاحه باستغراب عن سبب هذا التجمهر، أخبره أحدهم بأن جدّه قد توفّي. سارع الطفل إلى السؤال بحزنٍ وقهر: من قتل جدّي؟

وصادف أن كان من بين الحضور أحد أعضاء مجلس النواب الحاصل على شهادة في علم النفس والذي استوقفته عبارة الطفل: (من قتل جدّي؟) وبروح الباحث العلمي انزوى جانباً مفكراً متسائلاً: لماذا نطق هذا الطفل بتلك العبارة ولم ينطق بغيرها؟ لماذا لم يقل مثلاً: كيف مات جدّي؟

إن كلمة (القتل) جعلته يطلب جلسة مستعجلة لمجلس النواب للبحث والتمحيص في سيرورة العملية التربوية برمّتها. وبأن خللاً ما يعتور المنهاج التعليمي للأطفال جعلت هذا الفتى يستبدل كلمة موت بكلمة قتل. وشتّان ما بين مدلول الكلمتين. وبقيت هذه الحادثة مثار جدلٍ بين كبار الأخصائيين في تلك البلاد إلى أن توصّلوا وبعد عدة أشهر، إلى ضرورة إعادة النظر بالبرامج التلفزيونية ومواعيد عرضها، وإعادة النظر ببعض مواد الكتب المدرسية.

أما لماذا كان تفسيري عندما كنت طفلاً لتلك العبارة (البيت الذي تدخله الشمس، لا يدخله طبيب) من أنه الخوف ولا شيء يمنعه من الدخول إلا الخوف؟ مستبعداً أيّ احتمال آخر. ولم ينحُ تفكيري إلى أيّ سمتٍ أو فرضيةٍ أخرى إطلاقاً..؟ فأعتقد أن جيناتي الوراثية تحمل في طيّاتها جينوم الخوف الفظيع. بسبب الذعر التاريخي من الطبيعة، من الله، من العفاريت، من ديكتاتورية الأب، من الفقر والمرض، من السلطة وأجهزتها الأمنية المرعبة..

ويا حسرتي لم يجتمع مجلس شعبنا للبحث في تفسيري لتلك العبارة الشهيرة. ولم تستدعني السلطات المختصة للتخفيف عني وتقديم اعتذارها لحالة الخوف التي سبّبته وتسبّبه لي ولكافة رعاياها. وأملي ألا يكون هذا المقال حجة لها لإلقاء القبض عليّ بتهمة إثارة الخوف غير المبرر في نفوس المواطنين.

وخشية مداهمة ذوي الشأن لبيتي فقد قررت التواري عن الأنظار. إلى أن يصدر مرسوم عفو يشمل ارتكاباتي..

ملاحظة: أنا الآن مختبئ على ضفاف نهر الكبير الشمالي، وتحديداً قرب جسم السدّ من الجهة الشرقية، حيث يوجد بناء شُيّد حديثاً من أجل استعماله كمرصد للمراقبة. مؤلّف من طابقين مطليّين باللون الأبيض. وقد اتخذتُ مبدئياً الطابق العلوي مقرّاً لاختبائي. فمن يودّ اعتقالي فما عليه إلا التوجّه إلى ذلك المكان، وسيجد ورقة بيضاء كتب عليها عنوان مخبئي الجديد.

فأنا لست مغفلاً إلى هذه الدرجة لأسلّمكم نفسي بكل هذه البساطة..



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن