نظرة على الوضع السوري

محمد السينو

2011 / 11 / 29

الرسالة التي يوجهها الرئيس الأمريكي مطلع كل عام إلى المجتمع الأميركي عبر الكونغرس , قال إن أمته " في حالة حرب و أن اقتصاد بلاده في حالة انكماش "و إن علىشعبه أن يستعد " لعمليات المستقبل" وزعم أن العراق يخبئ أسلحة دمار شامل ويقيم علاقات مع إرهابيين وخصوصاً من تنظيم القاعدة وأضاف انه يريد أن يبدد أي التباس " ففي حال لم ينزع صدام أسلحته كلياً, فإننا سنقود ائتلافاً لنزع أسلحته حفاظاً على أمن شعوبنا والسلام في العالم " ووعد لمواجهة ذلك " باستخدام قوة الولايات المتحدة وجبروتها كلّه"، وإن" بلاده لن تسمح لدكتاتور وحشي يزخر تاريخه بالأعمال العدوانية المتهورة، ويقيم علاقات مع الإرهاب، لن تسمح له بالسيطرة على منطقة حيوية وتهديد الولايات المتحدة ". هنا مربط الفرس: السيطرة على منطقة حيوية كالعراق والخليج والمشرق العربي هي الهدف الحقيقي للسياسة الأمريكية . وتوجه إلى قواته المعسكرة في قواعدها على الأرض العربية وعلى سفنها في المياه العربية قائلاً : "إن أوقاتاً مصيرية لا تزال تنتظرها".
التطبيق العملي للاستراتيجية الأمريكية في المنطقة العربية هو إعادة تشكيل هذه المنطقة والانطلاق لإعادة تشكيل الشرق الأوسط كله، وتأسيس نظام إقليمي فيه، ملحق بالولايات المتحدة ومضمون لها من خلال الوجود العسكري الأمريكي المباشر، الأمر الذي كانت الولايات المتحدة قد بدأت به في حربها ضد أفغانستان واحتلالها لها. وها هي تنتقل إلى المنطقة العربية التي أصبحت أطرافها (البترولية) قواعد عسكرية أمريكية. بدورها تتابع إسرائيل تنفيذ مخططاتها ( ودورها في الحرب ) ضد الشعب الفلسطيني، والتي تتلخص ليس بالتنكيل بشيوخه وأطفاله ورجاله ونسائه وشبابه، بل أيضاً باجتثاث أسس وجوده على أرضه وإلغاء حقه في دولة على جزء منها ( على أساس تسوية ترتكز على قرارات المجتمع الدولي ) تمهيداً لتشريد ما يمكن أن يشرّد منه ( التراسفير ) وإنهاء حرب 1948 التي لما تنته حسب تعبير شارون. بكلام آخر: ارتباط الاستراتيجية الإسرائيلية بالاستراتيجية الأمريكية وتنسيق الأعمال العدوانية ضد العرب بين الطرفين أدى فيما مضى ( في ما سمي بحرب تحرير الكويت ) لتدفيع الشعب الفلسطيني لاحقاً حصة إسرائيل من النصر الأمريكي على العرب، وهو الآن يقود لنتائج مشابهة وإن كانت أبعد أثراً وأشدّ خطراً على القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني، وإن كانت إسرائيل تريد أن تقبض سلفاً، في فلسطين، حصتها من النصر الأمريكي الجديد،
ماذا فعلت النظم العربية لمواجهة ترتيبات إسرائيل ، والحقبة الخطيرة التي ستعصف بالوطن العربي ، والتي يعلن مدبروها أنها لن تشبه كثيرا ما سبق للعرب أن عرفوه في تاريخهم الحديث ، الحافل بالمآسي والنكبات ؟.
إنها لم تفعل شيئا في مواجهة إسرائيل أو لمواجهتها ، بل تمسكت بسياسة دفن الرؤوس في الرمال ، وابتلاع الألسنة، التي كثيرا ما ذبحت فلسطين بمزايداتها ، كأن ما يحدث على حدودها وضد ( قضية العرب المركزية ) يقع في عالم آخر، فهو لا يعنيها ولا يهدد مصالحها ، ولا يفضح وعودها لفلسطين ، التي وصلت هنا وهناك إلى حد الوعد بتحريرها وجعلها عربية خالصة العروبة .
لم تفعل القيادات العربية شيئا ، ولم تجرؤ حتى على النظر في عيون العدو ، خشية أن يغضب فتنهار النظم، التي تمرجلت على شعوبها إلى أن انهد حيلها، وحين تحداها الصهاينة والأميركيون في فلسطين والعراق ، بانت الحقيقة، وافتضحت الأكاذيب، واستحقت احتقار شعوبها.لم تفعل النظم شيئا ضد العدو ( الذي أعاد احتلال فلسطين ودمر مقوماتها المادية ، ليكون قادرا على تخصيص الجزء الأعظم من قوته لمرحلة جديدة من الصراع على المنطقة ، وحقبة جديدة من السيطرة على دولها وشعوبها ) بل وجهت أنظارها نحو العراق ، لا لكي تشد أزره ، وتبعث ممثليها في زيارات عمل مكثفة إليه ، وتعلن أنه خط أحمر لن تسمح لأميركا وبريطانيا بتجاوزه، وأن هناك اتفاقات دفاع عربي مشترك وميثاق جامعة عربية تلزمها بمعاونته على صد أي غزو يستهدفه ، وأنه مصلحة عربية عليا ومقدسة، لا تستطيع الوقوف مكتوفة اليدين إن هو تعرض للعدوان، أو استهدفته الحرب .
وبدل أن يجتمع القادة العرب لتدارس نتائج الغزو الصهيوني لأراضي السلطة الوطنية الفلسطينية ، والأميركي للعراق ، ولتحديد انعكاساتها الأكيدة والخطيرة على بلدانهم وشعوبهم ، اتجهوا نحو العراق ، وشرعوا يطالبون حكامه بقدر أكبر من التعاون مع مفتشي الأمم المتحدة ، وبمساعدتهم على تنظيفه من أسلحة الدمار الشامل ، التي يجب أن يصدق تهم أميركا بأنه يمتلكها ويبادر إلى الاعتراف طوعا بوجودها لديه ، ولا بأس إن استقال رئيسه وذهب إلى المنفى ، شريطة أن لا يأتي إلى بلد عربي . هذه هي السياسة القومية الرشيدة في حقيقتها التي لن تخفيها بعد اليوم أكاذيب وطنية وقومية مزعومة : تحشد أميركا قواها لاعتداء لا مسوغ له على بلد عربي رئيس ، فلا يخصها "قادة" العرب بكلمة استنكار واحدة ، ويركزون جهودهم على مراضاتها ، بل ويتسابقون على التنصل منه بقدر ما تقترب الحرب ضده ، ويبنون مواقفهم على أساس أننا صرنا في مرحلة ما بعد صدام وأن القضية الرئيسة هي الآن : كيف ينجو كل منا بجلده ، بتجاهل فظاعة ما تعتزم أميركا فعله في العراق اليوم ، وبمحاولة كل واحد إلقاء غيره إلى النار الأميركية ، عسى أن يهلك الآخرون، ويؤجل سقوطه هو في لهيبها ، ولو لأيام أو لأسابيع ! . هذا هو رد السياسات العربية على إسرائيل وأميركا : الصمت على ذبح فلسطين ، وعلى ذبح العراق ، الذي يتحمل مسؤولية ما سيحدث له ، لأنه لم يتعاون مع المفتشين ولم ينزع طوعا أسلحة الدمار الشامل التي بحوزته ، ولأن حكامه لا يريدون مغادرته.
في هذه الأثناء ، تواصل أميركا ضغطها على النظام العربي ، مستغلة ما أبداه من تخاذل تجاه إسرائيل وابتعاد مشين عن فلسطين خلال العامين المنصرمين ، ومراهنة على تهافته، لكن أيضاً على قدرته على تكييف نفسه مع أي نمط من أنماط السيطرة والتحكم قد تفرضها عليه. هذا النظام الذي يرفض إصلاح ما تسبب به من ضرر شديد لبلدان ومجتمعات العرب، ويتمسك بما بلغته من انهيار تحت وطأة الفساد وانعدام الشعور بالمسؤولية والجهل، لأن الإصلاح سيضعف السلطة العاجزة ، وسيتطلب تطهيرها من الفاسدين وتاليا فهو سيشطرها ويفككها، لذلك تدعي أنها حائرة في أمره، لا تعرف من أين تبدأ به، مع أنك لو طلبت رأي أي مواطن في الإصلاح وبم يجب أن يبدأ وما هي مراحله ، لبينها لك بفصاحة ، دون تلعثم أو لجلجة . وفي جميع الأحوال ، فإن المواطن العربي ، الذي تعلم من موقعه الهامشي في الظل كيف يقرأ " الممحي " ، يلاحظ التناقض المرعب بين التحديات الأميركية / الإسرائيلية، التي تواجهنا، التي بلغت حدا من الخطورة لم يسبق أن وصلت إليه خلال الأعوام الخمسين الماضية ، وبين السياسات العربية السائدة ، التي تنحدر كل يوم درجة إضافية في مهاوي الانحطاط ، مع أنها بلغت منذ وقت طويل أسفل السافلين ، وتجعل أوطانها أكثر انكشافا أمام أعدائها مما كانت عليه في أي وقت عرفته حقبة ما بعد عام 1948 ، وجعلت سلوك سلطاتنا يبز مهازل أحلك عصور الانحطاط العربي ، خاصة وأن سياسة " كرسيي يكفيني " أشد إيلاما وضررا من سياسة " بغداد تكفيني " ، لأن مغول العصر الحديث من صهاينة وأميركيين لا يقبلون المقارنة بمغول العصر العربي الوسيط .
تفاقم خطان خلال العام الماضي : واحد انحداري / تخاذلي / انحطاطي هو خط السياسات والأوضاع العربية ، وآخر هجومي/ عدواني/ ديناميكي هو خط العدو الأميركي / الإسرائيلي ، الذي يشن هجوما شاملا ومنظما على وطننا العربي ، يشجعه عليه افتقاره إلى الحماية والحصانة، بعد نيف وأربعين عاما من الإرهاب الاستبدادي / الافقاري ، الذي دمر مقوماته الروحية ، وبدد قدراته المادية ، وبدل قضاياه، وحوله إلى سجن يحتجز شعوبه في ظروف تشبه ظروف أسرى جوانتانامو، أسموها حياة وطنية . فهل نصدق ، ونحن بكامل قوانا العقلية ، أن الفاسدين المفسدين، الذين تسببوا بما نحن فيه يمكن أن يغيروا نهجهم ويستردوا شعورهم الضائع بالكرامة، ويواجهوا أميركا وإسرائيل ؟. وهل نصدق أن من استخدم الوطنية والقومية سلاحا يقهر به وطنه ومواطنيه ، يمتلك بعد من الصدقية ما يتيح له استخدامها من الآن فصاعدا لمصلحة أمته وبلدانها؟. تنطوي في أيامنا هذه صفحة حقبة من أسوأ ما قيض للعرب الخضوع له . وينفتح باب حقبة جديدة ستتعين بدرجة انخراط المجتمعات العربية في النضال دفاعا عن أوطانها ونفسها ووجودها ، لأنها هي الهدف الحقيقي للعدوان .
أين الخلل، وما سبل التغييـر؟ ما سبق يطرح سؤالاً جوهرياً هو : أين الخلل، وكيف السبيل لتجاوز الآفاق المسدودة وإقامة حياة سياسية سليمة ؟
إن وسائل الإنعاش لن تؤتي ثمارها والحلول التنشيطية التكنيكية لن تنهض بجسدها المترهل، فالخلل أعمق مما قد يبدو للمتمسكين بالصيغة . إنه يقبع في الصيغة ذاتها هذا لا يلغي أهمية و مشروعية " التحالفات السياسية " التي تعتبر أمراً حيوياً في العمل السياسي، لكن لابد من إعادة النظر الجدية بأشكال التحالفات و مكوّناتها، كما لابدّ من إقامة تلك التحالفات بين أنداد متكافئين و متساوين في الحقوق و الواجبات، دون أن يتحول طرف ما ليكون عبئاً على آخر، أو يكون خاضعاً لوصاية أحد . فضلاً عن أن الحالة الديمقراطية قد تؤدي لتشكيل " تحالفات " جديدة تختلف مرتكزاتها و ثوابتها و أطرافها إن الظروف الراهنة داخل البلاد، وفي العالم، تفرض واقعاً جديداً يتطلب التعامل و التفاعل الإيجابي , فالصيغ القديمة لن تنفعنا، مهما اختلفنا في تقييمها، سواء على مستوى المفاهيم أو الآليات ، خاصة بعد أن تشكل اليوم ما يشبه الإجماع بضرورة وضع قواعد جديدة للعمل السياسي في البلاد، وبعد ما ظهر أن طيف الحركة السياسية الوطنية اليوم أوسع من الطيف الذي تمثله الجبهة وأحزابها.
إن تجاوز حالة الركود و الشلل السياسي يتطلب جملة من الأمور، يأتي في طليعتها:
إصدار قانون عصري ديمقراطي للأحزاب، يتيح للقوى السياسية في سوريا، داخل الجبهة وخارجها، التحول إلى مؤسسات سياسية حقيقية ومتساوية أمام القانون في الحقوق و الواجبات وبما يضمن "الاستقلالية " للأحزاب التي افتقدتها على مدار العقود الاربعة المنصرمة و اليوم صدر قانون الاحزاب و يجب ان يطبق.
إيجاد نظام انتخابي جديد لمجلس الشعب، يكون كفيلاً بإظهار الوزن الحقيقي لكل مكوَّنات الحركة السياسية الوطنية في سوريا، بعدما تكشف أن آلية التمثيل في النظام الحالي ولدّت حالة من التراخي عند الأحزاب إزاء الشارع السياسي، وبعد أن اختفى من الحياة السياسية وجود آلية واضحة لسبر فعالية تلك الأحزاب، والذي أدى لجمود الأفكار والبرامج وآليات العمل . فضلاً عن أنه لا يعقل أن يبقى النظام الانتخابي ثابتاً لأكثر من خمسين عاماً، في الوقت الذي يطرح فيه العهد الجديد تطوير القوانين و التشريعات كمهمة ملحة. و صدر قانون الانتخابات و هذا شئ جيد و لكن التطبيق هذا هو الاهم .
إن الوقت مازال يسمح - لكنه لا يعمل تلقائياً لصالح أحد- لإنعاش و تجديد الحياة السياسية في البلاد،إذا ما اقتنعنا بضرورة الانتقال بالعمل السياسي من فلسفة " الحزب القائد و الجبهة المتطابقة معه" إلى تعددية سياسية حقيقية وأوضاع ديمقراطية، لكن ذلك يتطلب كثيراً من الصدقية والمزيد من الإرادات الشجاعة، فمن سيكون على مستوى المسؤوليــة !؟



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن