الديمقراطية في ثقافة المعارضة السورية ..؟!

عماد يوسف
imadfree_63@yahoo.com

2011 / 11 / 28

ما يحصل على الأرض، من شرائح العامّة التي تمثل الحراك السوري، ومن قيادات هذا الحراك التظاهري، و ممثليهم في الداخل والخارج، يُثبت بما لا يترك مجالاً للشك بأنَّ هناك حلقة مفقودة تتسع مسافاتها يوماً بعد يوم بين الفعل الديمقراطي بوصفه قيمة أخلاقية عالية، ومفهوم سياسي تطبيقي. وبين ما نلاحظه، ويقدّمه لنا الشارع ومناصريه كتعبيرات عن هذه القيمة المثلى لمفهوم الديمقراطية. فهم يثبتون يوماً بعد يوم بأنهم بعيدون كل البعد عن أي مفهوم، لا ثقافي، ولا تطبيقي، لمبدأ الديمقراطية التي هي جوهر الحرّيات التي يــدّعـون الخروج للمطالبة بها. هذه الحلقة المفقودة في ثقافة قيم الديمقراطية تعكس أخطاراً كبيرة على مستويات أي تغيير قادم مهما كان نوعه. بالتأكيد ليست ثقافة الديمقراطية هي وليدة لحظة تاريخية زمانية في ساعتها. وهي تحتاج إلى زمن طويل في مراكمة الفعل الديمقراطي وثقافة الخصوصية وقبول الآخر. لكنَّ هذا التطور لا يمكن أن يحصل إن لم تنعتق المجتمعات من إرثها الثقافي الإقصائي الذي بُنيت عليه وراكمت ثقافتها التاريخية وموروثها الفكري من خلاله وعبر ارهاصاته التاريخية البعيدة. وقد ظهر واضحاً بأنَّ هذا الموروث هو العامل الأساسي الذي يسيطر على غالبية أطياف المجتمع، بما فيه نخبته الثقافية، والفكرية، والثـــــــورية..؟! المفارقة في الأمر بأنَّ النخب الثورية التي من واجبها أن تحرر المجتمع وذاتها، من هذا الموروث الإقصائي الإلغائي للآخر وهي التي تتنطح اليوم لتغيير واقع الاستبداد السياسي القائم. نجدها بضحالتها الفكرية والثقافية والسياسية، تقع في أمراض أخطر بكثير مما نواجهه في ظل أنظمة الاستبداد الإيديولوجي السياسي، الذي هو استبداد مرحلي يرتبط بشرط اجتماعي وسياسي ما، بينما يبقى الاستبداد الديني والمذهبي والتمييز الاثني والطائفي، الذي يُشكل أحد مكونات هذا الاستبداد، هو استبداد ينتمي إلى شرط تاريخي دائم ومزمن. لذلك هو أكثر خطورة بما لا يُقاس من الاستبداد السياسي الذي يعمل على تحييد الآخر سياسياً. بينما الاستبداد المقابل يعمل على اقصاء المختلف والمتمايز عنه، وإلغائه ككائن اجتماعي بكل تعبيراته وتمثيلاته الثقافية والدينية والاجتماعية. ومؤخرا؛ يُثبت ما حصل من صراع بين المعارضتين، المعارضة السورية في الخارج والمعارضة في الداخل، ما ذهبنا إليه من تحليل..؟!
ففكرة الأنا الأوحد هي التي تحكم نمط العقل الذي ينتهجه هؤلاء من كلا الطرفين. وبالتحديد الطرف الموجود خارج سوريا والذين شكّلوا مؤخراً ما سميَّ بالمجلس الوطني السوري. وهم يدّعون تمثيلهم للشعب بغالبيته وبكل فئاته، بالرغم من أنَّ كل مراقب ومتابع للمشهد السوري، يعرف تمام المعرفة كم هو حجم تمثيلهم ضئيل في الواقع المجتمعي داخل سوريا. حتى بين الشرائح التي تخرج للتظاهر فهناك منهم من يقرّ بعدم تمثيل المجلس الوطني له، وخاصة بعد مطالبة هذا المجلس الصريحة والعلنية بالتدخل الخارجي عبر عدّة طروحات، تبدأ بالحظر الجوي، ولا تنتهي بالسيناريو الليبي الذي بدأ كثيرون يطالبون به في السرّ والعلن. ومع ذلك، وعلى ضعف تمثيله في الشارع السوري نجدهم يستخدمون آليات في الطرح السياسي أخطر وأكثر تطرّفاً من السلطة السياسية القائمة، والتي تمتلك زمام الأمور بكلّيتها. ولها تمثيلات كبيرة في الشارع تصل إلى أغلبية كبيرة ( إن لم تكن ساحقة) من المجتمع السوري. فاليوم وبعد مرور ما يقارب الثمانية أشهر من عمر هذا الحراك، نجد أنَّ فئات الأقلّيات بغالبيتها الساحقة تقف إلى جانب هذا النظام بعد أن قدّم مشروعاً اصلاحياً شاملاً نظرت إليه تلك الأقلّيات نظرة شمولية عقلانية يُمكن التعويل عليها وصولاً إلى اعادة انتاج واقع سياسي جديد في سوريا، يخرج من عباءة الشمولية المطلقة التي حكمت البلاد ما يقارب الخمسين عاماً. ويُدخل سوريا في منظومة جديدة من التحوّل الديمقراطي باتجاه سلطة تبادلية وتمثيلات تشريعية حرّة وغيره من قوانين حرّيات واعلام وصحافة وتعبيرات اجتماعية مختلفة. وبالإضافة إلى فئات الأقلّيات نجد أنَّ قسماً كبيراً من طائفة الأكثرية أيضاً يدعم هذا البرنامج الاصلاحي المُقدم من السلطة لتبني عليه طموحاتها في انتقال الدولة إلى مصاف الدول الديمقراطية التعددية. ومع ذلك لم يرضِ هذا كله العقول القمعية الاستبدادية التي تحكم عقول هؤلاء الذين يتنطحون لمشروع تغييري شامل تحت أي ظرف أو أي ذريعة وباسم التغيير الديمقراطي الذي يجهلون أبسط معانيه حتى في تفاصيل التعاطي الداخلي فيما بينهم.
هذه المشكلة هي تعبير عن أزمة عامة تمتد عميقاً في بنية العقل العربي. وهي قائمة طالما هو لم يتحرر من نظريّة الإتباع الذي يحكم موروثه التاريخي. وهو أسير عباءته الايديولوجية الدينية ( المتطرفة منها) والتي تقوم على إلغاء الآخر وهي التي توجه عقله وتفكيره. وهذا العقل لا يُمكن أن يكون عقلاً جدلياً، ولا سياسياُ، ولا اجتماعياً بحال من الأحوال. بمعنى أنه لن يستطيع ابتداع معايير في الفكر الديمقراطي الحر، لأنه محصّن ضدَّ أي حالة ابداع حقيقة غير منتمية إلى التطرّف الذي يحكم معاييره ويأسره. ويبقى هذا الفكر هو النمط الذي يؤسس عبره بوابة السياسة والاجتماع والاقتصاد. وهو المنظومات الإيديولوجية التي يطرح من خلالها برامجه في رؤية المستقبل وتطوراته والاعتقادات التي تتملكه. وهنا نحن لا نريد الذهاب بعيداً للاقتباس من الفكرة التي تقول بأنَّ الشعوب العربية غير ناضجة للفعل الديمقراطي وأنها قد تكون فكرة سديدة. ولكننا سنحاول الأخذ بجانب منها لنقول بأنَّ شروط الثقافة الديمقراطية، وتطبيقاتها ليست مرهونة بتغيير سياسي هنا، أو الانقلاب على حاكم هناك. وهي ليست تشريعات أو قوانين يُمكن التعويل عليها لبناء نهج ديمقراطي حقيقي. بل هي انعتاق من ثقافة وموروث تاريخي عميق يتغلغل في عقولنا ويسيطر على ثقافتنا ومداركنا الحسّية والنفسية. وتطبيقها مرهون بتحرر تلك الشعوب، ونخبها قبلها، من إرثها الثقافي وموروثها الديني المتطرّف، ومراكمة معرفة متطورة في ثقافة قبول الآخر. وهذا الدور هو من مهام الشرائح النخبوية المدنية والعلمانية في المجتمعات. وللأسف في مجتمع مثل المجتمع السوري ( والذي هو من أكثر المجتمعات العربية تطوراً ) نجد بأنَّ العلمانيين هم فئات قليلة ولا تشكّل كتلاً ضاغطة باتجاه عملية التغيير الديمقراطي التي يجب عليها أن ترسم معالمه ..؟!
عماد يوسف
كاتب سوري



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن