اليسارُ والشيوعيَّة، وربيعُ الثوراتِ العربيَّة

مديح الصادق
madih_sadiq@yahoo.com

2011 / 12 / 5

1ــ هل كانت مشاركة القوى اليسارية والنقابات العمالية والاتحادات الجماهيرية مؤثرة في هذهِ الثورات؟ و إلى أي مدى؟
ليس من الإنصاف إنكار دور القوى اليسارية والنقابات العمالية والاتحادات الجماهيرية في ثورات الربيع العربي ابتداء من الإعداد لها، وتهيئة الأرضية الفكرية والسياسية لقيامها، على الرغم من شراسة القمع الموجه لها من قبل أنظمة رجعية متخلفة، تتستر بالدين تارة، وبالقومية أو بكليهما تارة اخرى، وهي بالخفاء ترتبط بكبرى الدول الإمبريالية، خصوصا أمريكا؛ باتفاقات سرية مقابل بقائها على كراسي الحكم، ولعل أولى فقرات تلك الاتفاقات الحد من تأثير قوى الديمقراطية واليسار في المجتمعات العربية، إن لم يكن اجتثاثها، كما حدث في الكثير من البلدان، ومع ذلك فقد ساهمت تلك القوى، وفي مقدمتها الأحزاب الشيوعية بدور فاعل من خلال كوادرها المتغلغلة في منظمات المجتمع المدني، وأصدقائها، كذلك بتحريك الشارع العربي عن طريق طرح شعارات المطالبة بإسقاط الأنظمة الواهية، وتوحيد الصفوف، ونبذ الخلافات بين فصائل قوى الثورة، وإيصال مطالب الجماهير للرأي العام العربي والعالمي، والضغط على المنظمات الدولية لاتخاذ قرارات تناصر قضايا الثورة، وتُضفي عليها الشرعية، متحدية بذلك التيارات الدينية والرجعية التي كانت تلقي بثقلها لضمان الاستحواذ على ثورات الجماهير، وسرقة مكاسبها لصالحها.


2- هل كان للاستبداد والقمع في الدول العربية الموجه بشكل خاص ضد القوى الديمقراطية واليسارية دوره السلبي المؤثر في إضعاف حركة القوى الديمقراطية واليسارية؟
بلا شك، لقد كان هناك تأثير مباشر وغير مباشر للاستبداد والقمع الذي كانت تمارسه الأنظمة العربية في إضعاف حركة القوى الديمقراطية اليسارية، وكما أشرنا في الفقرة السابقة فإن ذلك كان ومازال يقع ضمن أولويات الأدوار المناطة بكل نظام عربي، تلك الأنظمة التي تختلف عن بعضها في ظاهر شعاراتها وتوجهاتها؛ لكنها تلتقي في النقطة تلك، وإنه ليس من المنطق إهمال دور القوى الإمبريالية العالمية في الحد من تأثير الديمقراطية واليسار على الشارع العربي؛ ليس حفاظا على الأنظمة الحليفة لها فحسب؛ بل لضمان بقاء واستمرار النظام الرأسمالي مهيمنا على العالم بأسره، والضحية الأولى شعوب تلك الدول الرأسمالية التي بدأت تتحرك كرد فعل على ذلك الاضطهاد والاستعباد. إن الأنظمة العربية لا يخيفها تأثير قوى الإسلام السياسي بقدر توجسها ورعبها من قوى التقدم واليسار؛ لذا فقد مارست كل الأساليب اللا شرعية للحد من تأثيرها على الشارع العربي؛ لأن لحركتها فعلا يفوق كل قوى الظلام والتخلف، وذلك نابع من طبيعة أهدافها المنبثقة من قضايا الجماهير المُستغَلَّة، ووضوح أيديولوجياتها، وعلمية تحركاتها.


3- هل أعطت هذه الانتفاضات والثورات دروساً جديدة وثمينة للقوى اليسارية والديمقراطية لتجديد نفسها وتعزيز نشاطها و ابتكار سبل أنجع لنضالها على مختلف الأصعدة؟
إن من أهم البديهيات التي ترتكز عليها قوى الديمقراطية واليسار في تنظيماتها، وتحركاتها؛ هي استنباط الأحكام، والدروس، والعبر؛ من تجاربها الخاصة، ومن تجارب الآخرين، وأهمها تلك التي استُخلصت من ثورات الشباب العربي، وإنه لمن أسباب ديمومة تلك القوى، واستمرارها في قيادة الجماهير قيادة فاعلة، في ظرف صعب تنافسها فيه قوى الدين السياسي الشرس؛ أن تُعيد النظر في بنائها، وبرامجها على ضوء ما أفرزته ثورات الربيع العربي من دروس؛ ما سينعكس على تجديد شعاراتها، وابتكار أساليب جديدة لتحركاتها، وطبيعة تحالفاتها، وإعادة النظر في قياداتها، وانتهاج آليات جديدة للتأثير في الشارع العربي استنادا إلى الخصوصية التي تمتاز بها المجتمعات العربية؛ من حيث الخلفيات الدينية، والقومية، والعشائرية، إضافة إلى ما خلفته عقود من الأحكام الدكتاتورية الاستبدادية في البناء السيكولوجي للإنسان العربي.


4ــ كيف يمكن للأحزاب اليسارية المشاركة بشكل فاعل في العملية السياسية التي تلي سقوط الأنظمة الاستبدادية ؟ وما هو شكل هذهِ المشاركة ؟
لا يمكن لتلك الأحزاب اتخاذ موقف المحرض المعارض بعد سقوط الأنظمة الاستبدادية؛ موقفا ستراتيجيا؛ بل يجب أن تفرض نفسها في العملية السياسية في كل بلد، من منطلق دورها النضالي في تلك الثورات الذي يوجب لها موقعا يناسبه، ومن واقع أن التغيير لا بد أن يشمل بناء وشكل الأنظمة السياسية الجديدة التي جاءت على أساس رفض قاطع لما سبقها من أنظمة استبعدت القوى النزيهة الحريصة على مصالح الجماهير. أما أشكال تلك المشاركات فتختلف حسب طبيعة كل بلد من جهة، وبناء على دور كل حركة أو حزب ديمقراطي، ومكانته بين الجماهير، وهي قد تكون بدفع ممثليها للبرلمانات، والنقابات، والتنظيمات النسوية والشبابية، وفعاليات المدن والقصبات، وتشكيل جبهة عريضة من التحالفات، وتبني وسائل إعلام تساهم في إيصال أفكارها وبرامجها وفعالياتها إلى أوسع قاعدة بين الجماهير، أما تلك التي تحظى بنسبة في البرلمان تؤهلها لعقد تحالفات لتشكيل حكومة؛ فذلك سيكون فرصة ذهبية يتيح لها مجال طرح مشاريعها النابعة من رؤيتها الفكرية، وبرنامجها المعتمد.


5- القوى اليسارية في معظم الدول العربية تعاني بشكل عام من التشتت. هل تعتقدون أن تشكيل جبهة يسارية ديمقراطية واسعة تضم كل القوى اليسارية والديمقراطية العلمانية ببرنامج مشترك في كل بلد عربي, مع الإبقاء على تعددية المنابر, يمكن أن يعزز من قوتها التنظيمية والسياسية وحركتها وتأثيرها الجماهيري؟
من المُسلَّم به أن التنسيق؛ بل العمل المشترك المبني على مد جسور التفاهم المشترك، وبناء مقتربات فكرية بين قوى اليسار في العالم العربي؛ قد بات ضرورة ملحة فرضتها تلك الأحوال المزرية التي سبقت، وأعقبت ثورات الربيع العربي، فقوى الدين السياسي المتخلفة، المدعومة من البرجوازية والعشائرية الانتهازية، والقومية الشوفينية، التي تحظى بمباركة الإمبريالية العالمية، وبعض دول الجوار الطامعة بكل ما في البلدان العربية من ثروات، ومواقع ستراتيجية؛ تشكل ثقلا وضع قوى اليسار في زاوية حرجة، لا خلاص منها سوى بالتكاتف، وتوحيد البرامج، وعقد تحالفات لا تأثير لها على خصوصية كل منبر؛ بل يجب الاتفاق على برامج مرحلية لتحرك سياسي واجتماعي يضمن ان تنجو الجماهير من الفخاخ المنصوبة لها بقصد سرقة مكتسبات ثوراتها، وتجييرها لصالح قوى لا تقل شراسة عن قوى الاستبداد التي خلصت منها بعد أن قدمت أرواح شبابها ثمنا لذلك الخلاص.
إن خير شاهد على صواب فكرة الاصطفاف هو بروز دور التيار الديمقراطي على الساحة الداخلية في العراق، إذ استقطب القوى اليسارية البارزة، ومنها ما له ماض نضالي عريق، ونحن نلمس توجهاته وبرامجه هناك، وما انبثق في دول المهجر من اصطفافات بين قوى التقدم واليسار في هذا التيار في بلدان كثر، منها ما هو على تماس بما يجري في العراق؛ أو بالأحرى سبب مباشر لما جرى ويجري هناك. لا بد من غلق كل المنافذ - قدر الإمكان - بوجه قوى التخلف والضياع، وتمكين الجماهير الواعية من ممارسة دورها الرقابي، ومشاركتها الفعلية في تحقيق ما تصبو إليه من أهداف.


6ــ هل تستطيع الأحزاب اليسارية قبول قيادات شابة ونسائية تقود حملاتها الانتخابية وتتصدر واجهة هذهِ الأحزاب بما يتيح تحركا أوسع بين الجماهير و أفاقا أوسع لاتخاذ
المواقف المطلوبة بسرعة كافية ؟
تشترك الأحزاب اليسارية في أن بناءها الفكري والتنظيمي يؤكد على دور الشباب والمرأة؛ سواء على مستوى التنظيمات الحزبية والجماهيرية، أو ضمن فعاليتها وحركتها بين الجماهير؛ وذلك - بطبيعة الحال - يضع تلك الأحزاب أمام مسؤولياتها في الوصول، أو الاقتراب من أهدافها، عن طريق الوسائل الصائبة في تحقيقها؛ لذا فإن المسؤوليات التي تتحملها تلك الأحزاب تفرض عليها تصعيد قيادات شبابية ونسوية؛ استنادا لنظرتها العلمية لتينك الشريحتين من جهة، واستفادة من تجارب الشعوب التي فجر ثوراتها قيادات شبابية أحسنت الدور الذي توكلت به، ونساء كان وما زال لهن مركز الصدارة بين قيادات الثورات مع الرجال.
إن طبيعة الفكر الماركسي وأصوله تؤكد على ضرورة أن تطعيم القيادات بعناصر الشباب يكون واحدا من أسباب نجاحها، فلابد من القضاء على عصر الديناصورات، وآن الأوان للتجديد سواء في برامج العمل، أم في آلياته، وإن التزام الشباب بفكره وحزبه، واحتضان الحزب لهم سيكون حصنا منيعا لهم من أي خطأ أو زلات.

7- قوي اليسار معروفة بكونها مدافعة عن حقوق المرأة ومساواتها ودورها الفعال، كيف يمكن تنشيط وتعزيز ذلك داخل أحزابها وعلى صعيد المجتمع؟
ليس بمقدور المرأة، أو أي حزب يساري أن يساعد المراة في نيل حقوقها، وممارسة دورها الطبيعي في المجتمع؛ ما لم تكن هي ممن تقع على عاتقهم إثبات تلك الحقوق، وتعزيز تلك المكانة التي حاولت الأنظمة الاستبدادية المدعومة من فرضيات تفسير خاطئ للدين؛ أن تجعلها في درجة أدنى من الرجل، إما لمماشاة تقاليد متخلفة متوارثة تتحاشى التجاوز عليها خشية السقوط، أو لغرض شل حركة المجتمع الذي تعتبر المرأة نصفه الذي يجب أن يبقى حبيسا، غير فاعل، مشلولا.
إن دور قوى اليسار في هذا المجال يتجسد في إشراك المراة - بعد إعدادها - في تنظيماتها الحزبية، وزجها في منظمات المراة، وحقوق الإنسان، في النقابات والجمعيات، في مراكز العمل، في الفعاليات الجماهيرية، إضافة إلى تشجيعها على مواصلة التعليم، والتفوق العلمي، والبروز في كل مجالات العمل المهني، وإعدادها أما صالحة لتربية أجيال صالحة لقيادة البلاد مستقبلا بلا تردد أو خوف، فالأسرة المثالية هي الخلية المصغرة للمجتمع الذي نطمح إليه، والأهم في هذا المجال العمل الجاد لإلغاء كافة القوانين المتخلفة التي تحط من مكانة المرأة، وتقيد حريتها، وتنتقص من شخصيتها؛ فعند ذاك ستكون المرأة في موقع يؤهلها لممارسة أي دور قيادي في الدولة والمجتمع.

8ــ هل تتمكن الأحزاب اليسارية والقوى العلمانية في المجتمعات العربية من الحدّ من تأثير الإسلام السياسي السلبي على الحرّيات العامة وحقوق الإنسان وقضايا المرأة والتحرر ؟
نعم، بإمكانها تطويق تأثير الإسلام السياسي السلبي على كل مفاصل المجتمع إذا ما وحدت صفوفها بتيار ديمقراطي مبني على الاتفاق على مشتركات فكرية لمواجهته بشتى السبل، والحد من تأثيره - خصوصا في الشباب وفي الشرائح الفقيرة من المجتمعات العربية - وأول المهام الملقاة على عاتق تلك القوى توعية الجماهير على ضرورة فصل الدين عن السياسة، وتشخيص التفسيرات الاجتهادية لنصوصه خدمة لأغراض أولئك الساسيين، واستخدام أساليب منظمة للتوعية الجماهيرية، وتشجيع الشباب والنساء على مواصلة العلم، واستخدام أساليب الحوار الحضاري لإثبات بطلان أفكار تكبل الحريات، وتتجاوز على حقوق الإنسان، إن الخطر الذي يهدد الشعوب بعد تحريرها هو تحايل التيار الديني على إدخال فقرة ( الإسلام مصدر التشريعات، أو الإسلام دين الدولة الرسمي ) في الدساتير التي توضع على مزاجهم؛ في حال لم يواجهوا معارضة من أي تيار علماني؛ كما حصل في الدستور الحالي للعراق، إذ اتخذت تلك الفقرة ذريعة لإصدار قوانين تجاوزت على المرأة والشباب والثقافة والفنون؛ بل على الطفولة بالذات، وأرجعت البلاد إلى عصور التخلف والضياع.

9- ثورات العالم أثبتت دور وأهمية تقنية المعلومات والانترنت وبشكل خاص الفيس بوك والتويتر..... الخ، ألا يتطلب ذلك نوعاً جديدا وآليات جديدة لقيادة الأحزاب اليسارية وفق التطور العملي والمعرفي الكبير؟

هذا هو ما يجب على تلك القوى أخذه بنظر الاعتبار في رسم سياساتها، وممارسة نشاطاتها اليومية، ووضع برامجها وخططها المرحلية، فقد أثبتت التجارب دور تلك الوسائل في تنظيم فعاليات الجماهير، والتجاوز على كل الأسوار، والمعوقات التي وضعتها الانظمة الاستبدادية، وتحدت قدراتها وأجهزتها الرقابية والامنية؛ لذا فإن على تلك الأحزاب أن تعي بان اليوم ليس كالأمس، وأن بإمكانها أن تستثمر ثورة المعلومات في تنظيم فعالياتها، وتوجيه خطابها المباشر للجماهير دون الحاجة لإذن أو رخصة من الحاكمين، يمكنها فضح كل جوانب الفساد، ورصد كل السلبيات، وتنظيم عمل المنظمات التي يخصها الخطاب، وتأجيج روح التحدي لكل أساليب القمع والإرهاب، ونشر الوعي الفكري لقاعدة أوسع من الجماهير، إن مواقع التواصل الاجتماعي المشار إليها هي الساحات التي يلتقي عليها أولئك الذين يبحثون عن الحقائق، ويطرحون عليها ما يدور بأذهانهم من أفكار أو هموم، فبدلا من أن تكلف نفسك أو كوادر حزبك للبحث عن هموم الجماهير؛ ستجدها مطروحة على قارعة الطريق، يقلبها المهتم بالسياسة، أو من لا يبالي بها قط.


10- بمناسبة الذكرى العاشرة لتأسيس الحوار المتمدن، كيف تقيمون مكانته الإعلامية والسياسية وتوجهه اليساري المتفتح ومتعدد المنابر؟
إن المكانة الإعلامية والسياسية لمؤسسة الحوار المتمدن تشهد لها ما حصدته من تقييمات من قبل مؤسسات عالمية لها مكانتها، مثل مؤسسة ابن رشد، وغيرها من المؤسسات، ما يعتبر شهادات على أن الحوار المتمدن، ومنذ انطلاقته الأولى، كان ثورة كسرت كل قيود تحجيم الكلمة، وتقييد الرأي، يشهد على مكانته ودوره الريادي في احتضان الرأي التقدمي اليساري هذا الكم الهائل من الكتاب والمفكرين والعلماء الذين يتسابقون على أن يبصموا على صفحاته عصارات جهودهم في الفكر والعلم والأدب والفن، تلك الأعداد الهائلة من القراء والمتابعين من شتى انحاء العالم، وممن حرموا في بلدانهم قول كلمة الحق؛ بل أن عقابها قطع الرقاب في بعض البلدان، تلك البرامج والفعاليات المنوعة، واستخدام وسائل وتقنيات العلم الحديث، إنها أكاديمية للفكر العلمي التقدمي لأجيال حرمت من أن تتطلع إلى كوى النور، وعاشت في دياجير الظلام، وانفتحت على كل الاتجاهات؛ حتى تلك التي تتناقض في اتجاهاتها مع الاتجاه الذي رسمه الحوار المتمدن والنهج الذي انتهجه؛ كي يثبت للآخر ألا خوف على الفكر التقدمي العلماني من تأثير أفكار تزول كما يزول الضباب مع شروق أول خيط من خيوط الشمس، فتحية إجلال وتقدير لهذه المؤسسة، المنارة، وللباذرين البذرة الأولى فيها، ولكتابها ومفكريها، ولقرائها ومتابعيها، لكما أستاذينا فواز فرحان، ورزكار عقراوي.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن