العلاقة بين الثقافة والمجتمع

صاحب الربيعي
sahib.al-rabi@spray.se

2011 / 11 / 24

تعدّ منظومة قيم المجتمع الأخلاقية جزءاً من الموروث الثقافي وتراكمه بدالة الزمن، فأي تغيير يطرأ على مصادر ثقافة المجتمع يؤثر سلباً في منظومة قيمه العامة أو ايجاباً خاصة إنها قيماً غير ثابتة بما فيها قيم الجذر الديني وأحكام محرماتها التي قد تسبغ بعرف اجتماعي أو العكس. ومع ذلك تفقد صرامتها الاجتماعية بدالة الزمن على رغم ثبات جذرها الديني حيث يجري تأويلها على نحو يخدم الحاضر أو يجري استبدال جذرها الديني إلى جذر ثقافي ليقلل حرج سدنة الدين وأحكامهم الصرامة.
يعود اختلال منظومة المجتمع الأخلاقية بدالة الزمن إلى تشابك الروافد الثقافية الناظمة لشبكة العلاقات الاجتماعية وأحكامها وتباين منظومة القيم الدينية وروافدها، فما تعدّه أحكام دين ما حرام قد يتعارض مع أحكام دين آخر في نفس المجتمع، وبذلك فإن منظومة قيم المجتمع العامة ليست واحدة على نحو عام.
ومن ثم فإن أساليب دفاعها متباينة، ما يتطلب البحث عن أساليب محادية، علمانية، لا تثير حفيظة سدنة الأديان المختلفة وأحكامهم حيث يجري تغيب الجذر الديني لبعض قيم المجتمع العامة لصالح الجذر الثقافي، فآلية استبدال جذور القيم العامة للحفاظ على السلم الاجتماعي ومجاراة تطور الحاضر ربما يخلل بمنظومة الدفاع الدينية لفقدانها القدسية الرادعة للبشر على نحو لاواعي لكنه مؤكداً يقوي منظومة الدفاع المدنية على نحو قانوني يطال كل أفراد المجتمع.
يعتقد (( بيخو باريخ )) " أنه يندر وجود ثقافة لم يؤدِ الدين دوراً هاماً في خلقها واستمرارها فأزمة الحاضر الأخلاقية سببها ليس تراجع أهمية القيم والمُثل العليا، وإنما فشل أساليب الدفاع عنها واستبدال جذرها الديني ".
إن المعتقدات الدينية على نحو عام تنتمي إلى علم الغيب الذي يجهل الإنسان أسراره، لذلك تحتل مساحة كبيرة من عالمه اللاواعي الكامن ويصعب على العقل الواعي التحقق منها لذلك ينصاع إلى ذاته اللاواعية ويُغيبها عن عقله الواعي على نحو دائم لعجزه تفسير ظواهرها على نحو منطقي.
يجري قبول المعتقدات الدينية أما عن طريق الايمان بها على نحو كلي من دون تفكير أو تأويلها لتوافق قيم الحاضر، وأما يُستبدل جذرها الديني بجذر ثفافي لتغيب قدسيتها ما يسهل تغييرها على نحو لا يثير مشاعر المؤمنين بها. وفي المقابل فإن قبول الممارسات الحياتية يجري بأساليب عقلانية لفهم الواقع وتطوره على نحو أشمل بعدّ جذرها الأساس ثقافي ليس ثابتاً ولا يقر بالمقدس، يتوائم مع تطور الواقع الاجتماعي وحاجاته.
يحدد (( بيخو باريخ )) أربعة اختلافات بين المعتقدات والممارسات في الثقافة :
1 – " إن المعتقدات هدفها عام وملتبس وقابلة لتأويلات مختلفة، وهدف الممارسات ضبط السلوك الانساني وتأطير العلاقات الاجتماعية بأحكام عقلانية.
2 - يتطلب تحقيق المعتقدات الايمان بها، وتساوق الممارسات يتيح امكانية تحقيقها.
3 - انتماء المعتقدات إلى عالم الفكر يجعلها تتأثر بالأفكار الجديدة، وانتماء الممارسات إلى عالم السلوك يجعلها تتأثر بالخبرة الحياتية والظروف الاجتماعية.
4 – يعدّ ترابط المعتقدات المنطقي اتساقاً فكرياً يختلف بطبيعته عن تماسك الممارسات على نحو سياق عملي ".
إن آليات استبدال جذور القيم الدينية إلى جذور ثقافية والتمييز بين المعتقدات والممارسات على نحو عام لا تخل بمنظومة قيم المجتمع العامة، وإنما تسقط بعضاً من قدسيتها الدينية لتوافق متغيرات الحاضر. ومؤكداً أن آلياتها الرادعة أكثر فعالية للمؤمنين بها من وسائل الردع الأخرى لكن إسقاط قدسية بعضها لا يعني إطلاقاً إسقاط أحكامها على غير المؤمنين بها، وإنما تأطيرها بأحكام قانونية مدنية تفرض عقوبات على الخارجين عليها خاصة منها القيم الناظمة لشبكة العلاقات العامة بين أفراد المجتمع.
يصف (( بيخو باريخ )) العلاقة بين المجتمع والثقافة قائلاً : " إن أفراد المجتمع تحكمهم علاقات خاصة، تعبر الثقافة عن جوهرها ومبادئها وتنظيمها وشرعيتها. واهتمامهم ينصب على ببنية الممارسات وشرعية معتقداتها الثقافية التي تخضعهم إلى نظام صارم يفرض عقوبات الإقصاء وسحب المكانة الاجتماعية والنقد الشديد على الخارجين عليها ".
إن حجم التراكم الثقافي يعكس على نحو ما حجم موروث القيم العامة وشبكة العلاقات الناظمة لسلوك أفراد المجتمع بغض النظر عن جذرها الديني بعدّ الثقافة وعاءاً يستوعب تاريخ المجتمع وحاضره، ما يتطلب حقن ذهن جيل الحاضر بأرثه الثقافي والحضاري لمنحه مزيداً من الثبات والتماسك والاعتزاز بذاته ومواطنته.
الموقع الشخصي للكاتب : http://www.watersexpert.se/




http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن