هل الثورة العالمية ممكنة؟

ضي رحمي

2011 / 10 / 27


بقلم:
إيما دافيز
ترجمة:
ضي رحمي

تناقش الكاتبة في هذا المقال إمكانية إندلاع ثورة عالمية، بل وتؤكد على أنها حجر الزاوية في صراعنا من أجل إسقاط الرأسمالية.

لقد أظهرت السنوات القليلة الماضية بوضوح شديد الطبيعة الترابطية التي يتسم بها عالمنا. وشاهدنا كيف أن حدثاً إقليمياً في مكان ما يمكن أن يمتد ليصبح حدثاً دولياً. مثال على ذلك: الأزمة المالية العالمية وموجة الثورات التي انتشرت في أرجاء العالم العربي، بل وعلى نطاق أوسع منه أيضاً. والحقيقة أن الرأسمالية أيضاً عالمية بطبيعتها، لذلك يتحتم على أي ثورة تهدف إلى وضع نهاية للرأسمالية أن تسعى للانتشار دولياً، فهل يمكن تحقيق ذلك؟

فسر لنا كارل ماركس كيف أن الرأسمالية تخلق حفاري قبرها بنفسها، تلك هي الطبقة العاملة. فالنظام الرأسمالي يقوم على تجميع العمال بأعداد كبيرة جنباً إلى جنب في المصانع والشركات. وهكذا في حالة اتخاذ العمال قراراً بالبدء في إضراب عن العمل فهذا يعني أن بإمكان العمال تقويض النظام بالكامل – ولكن بطبيعة الحال عليهم أن يعوا جيداًً حقيقة أن العمل الجماعي شرط أساسي ومحوري لحدوث ذلك. وهكذا كما اتسعت وعمت الرأسمالية أنحاء العالم، ظهرت وبشكل موازي لها طبقة عاملة عالمية تؤمن بهدف مشترك وهو إسقاط الرأسمالية ذاتها.

والقول بأن إندلاع ثورة عالمية شيئاً ممكناً لا يعد ضرباً من ضروب الخيال، فعبر التاريخ هناك نماذج من النضالات العمالية التي سرعان ما بدأت في بلد ما ثم ما لبثت أن امتدت لما حولها. في عام 1917 لم يتمكن العمال الروس من إسقاط النظام القيصري القمعي وحسب، بل في الواقع حدث ما هو أبعد من ذلك، لقد تمكنوا من سحق الدولة الرأسمالية ونجحوا في اعتلاء السلطة. ولم تندلع الثورة الروسية بشكل منعزل عما حولها، على العكس تماماً فلقد جاءت على خلفية موجة من الاحتجاجات والتمردات الواسعة للطبقة العاملة في كل أرجاء أوروبا، وعلى الأخص في ألمانيا. وهكذا أضحت الثورة الروسية بمثابة المنارة التي تنير الطريق أمام العمال وتلهمهم بمواصلة النضال في شتى بقاع العالم. ولقد اندلعت أيضاً موجات مشابهة لتلك الموجة الثورية في كل من عامي 1848و 1968.


وخلال العام الحالي، نجحت الموجة الثورية التي ضربت شمال أفريقيا والشرق الأوسط في البرهنة على أن الصراع الطبقي الذي يشتعل داخل حدود بلد ما يعطي الثقة لمن حوله ويحفز على اندلاع وانتشار حركات مثيلة عالمياً، تمامآ مثلما ألهمت ثورتي مصر وتونس الانتفاضات في ليبيا والبحرين وسوريا وغيرها. كما شاهدنا المظاهرات الحاشدة والإضرابات تعم دول أوروبا والتي اتخذت من ميدان التحرير بالقاهرة نمودجاً تحتذي به وتسعى لتحقيقه.

لقد أدرك الاشتراكيون أهمية انتشار النضال على الصعيد العالمي ودوره الجوهري في نجاح الثورات القائمة محلياً بالفعل، فالاشتراكية لا يمكن أن تتحقق في بلد واحد. ولقد رأينا كيف كشفت الطبقات الحاكمة – وبوضوح شديد – استعدادها التام للتصدي بكل وحشية لوقف هذا التدفق الثوري، والحقيقة أن تدخل الناتو في جانب ثوار ليبيا لم يكن سوى محاولة من الغرب لاستعادة السيطرة على المنطقة التي تموج بالثورات. ومن المستحيل تصور أن الطبقات الحاكمة في شتى بقاع العالم ستدع ثورة اشتراكية تندلع لتغيير وجه العالم وتطيح أول ما تطيح بهم، دون أن يتصدوا لها، وبكل ما أوتوا من قوة. ولا سبيل لمقاومة تلك الضغوط من جانب الطبقات الحاكمة سوى بمساندة ودعم النضالات العمالية بعضها البعض في مختلف البلدان.

هناك سجل طويل وحافل لأشكال التضامن الدولي بين العمال. لكن دائماً ما يتم خداع العمال بأن مصالحهم هي مصالح داخلية تنحصر في حدود الوطن ولا شأن للآخرين بها، ويظهر هذا جلياً في الدعاية الإعلامية واسعة الانتشار؛ فعلينا تشجيع "فريقنا القومي" وأن ندعم "جيشنا" الذي يقاتل في الخارج، ودائماً ما تبث الدعاية الإعلامية الرعب من العمالة الأجنبية خوفاً من أن يتحد العمال ضد الطغاة. ولكن في الواقع، فإن للعمال في جميع أنحاء العالم مصلحة مشتركة تكمن في التخلص من رؤسائهم في العمل ومن المصرفيين، وأيضاً من الساسة البرجوازيين.

وهكذا فإن النضالات التي انتشرت دولياً تعكس بنية الرأسمالية ذاتها، على سبيل المثال موجة الاحتجاجات التي ظهرت في أعقاب الحرب العالمية الأولى مهدت للانتفاضات التي اندلعت في ما بعد في أوروبا. أما اليوم فقد خلقت الأزمة الاقتصادية العالمية المناخ اللازم للثورات، حيث تلقي الطبقات الحاكمة في مختلف البلدان عبء الأزمة على كاهل العمال، وذلك من خلال تخفيض اللأجور ورفع الدعم علاوة على حزمة الاستقطاعات الأخرى. ورغم الأزمة الطاحنة، نجد أن عملية تصدير الإنتاج تسير وفق وتيرة متزايدة عبر الحدود، تلك هي الديناميكية التي وصفها وحددها ماركس في القرن التاسع عشر. فرؤوس الأموال تجوب العالم شرقاً وغرباً بحثاً عن أسواق جديدة تحقق لها المزيد من الربح.

ولكن بطبيعة الحال فإن الصراع الطبقي لا يتخذ نفس الحدة في كل مكان. فبالرغم من أن الرأسمالية العالمية كما سبق وأوضحنا، تبقى آثارها مشروطة وفقاً للنظام الاقتصادي المعمول به في نطاق كل دولة، فالدول التي تطبق النظام الرأسمالي، تفرض الضرائب الباهظة وتسن قوانين العمل المجحفة، كما تتسم أسواقها بالطبيعة الاحتكارية للسلع. لذلك فإن الصراع الطبقي يأخذ أشكال مختلفة جزئياً وفقاً لكل دولة على حدا. ولكن الحركات النضالية التي استطاعت أن تحقق أهدافها تلعب دور الملهم للآخرين على مواصلة النضال رغم مرارة الإخفاقات والانتكاسات التي تتسم بتأثيرها واسع الانتشار أيضاً. وهكذا يبقى الصراع والنضال في حالة مد وجذر دائمة، فانتصار بلد واحد قادر على تأجيج صحوة الآخرين والعكس صحيح – إنها بالفعل علاقة جدلية.

لقد كان ظهر هذا جلياً خلال العام الجاري. فلقد حفزت الثورات العربية على قيام موجات احتجاجية عارمة ضد إجراءات التقشف الصارمة التي فرضتها حكومات الدول الأوروبية، هذا الوضع هو تجسيد حي لطبيعة الصراع وليس مفهوما طوباوياً، فهذه تحديداً هي الصراعات التي تؤكد قدرة الطبقة العاملة على التنظيم الذاتي، وخلالها تتبلور الأفكار الثورية في أشكال ملموسة يمكن تحقيقها.

النضال العالمي هو الأمر الذي سيمكننا من الإطاحة بالنظام الرأسمالي العالمي، ولكن هذا لا يعني أن ننتظر اندلاع الثورة في جميع البلدان في وقت واحد، فبدلاً من ذلك يمكن لموجات متتالية من النضالات في مختلف أنحاء العالم أن تمنح الثقة للطبقة العاملة المحلية وتشجعها على مواصلة الصراع. الأهم من ذلك أن التاريخ علمنا أن التهاون في تحقيق الاستراتجية الأممية للثورة، يعني هزيمة حتمية لا محالة.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن