الحاقد الثائر!

علي شايع
alishaye@hotmail.com

2011 / 10 / 26

كنا نردّد مكرهين أناشيد تضج بها مناهج لمدارس تنتهك الطفولة في زمن ديكتاتوري، جعل بعضنا يزداد غربة أمام آماله أبعد مما يكابده ويعايشه يوميا، وبغربات قسرية؛ في الشعر واللغة ومعنى الحياة النبيلة. في مرحلة دراسية متوسطة أذكر أني دخلت جدلاً مع أستاذ اللغة العربية حول بيت شعري للجواهري(قبل أن يحذف منجزه من المنهج المدرسي)، البيت مطلع قصيدة شهيرة له بعنوان"مفاتيح المستقبل" يقول فيه :" سلامٌ على حاقدٍ ثائـرِ .. على لاحبٍ من دمٍ سائرِ". وكان سلامه على "حاقد ثائر" يستفزني استفزازاً شبيهاً بما وضعته من عنوان لهذا المقال، حيث ما زلت أدوخ في جدوى التسمية وحرج الفصل الشاق بين الثوري والثأري، وبين الحقد على المُعاش والأمل المسالم والشفيف بالأفضل. ولا أكاد أذكر من تبريرات أستاذي أكثر من إنثياله العميق في متاهات التفسير واللغة، حتى كثرت بين يديه الحجج فلم يدر بأيها يبدأ، لكنه ختاماً لآخر نقاش قال لي:" ستكبر وتعرف الحكاية كلها". وها أنا أتجاوز عمر أستاذي بسنين عديدة ولم أجد ما يشفع للجواهري ولا من ذهبوا بعيداً في تفسير قوله بالأفعال (الحقودة) قصد الثورة.
تذكرت هذا وأنا أرى مشاهد نهاية الديكتاتور القذافي، واسمع ما يدور جدلاً بشأن نهايته الدموية المتوقعة، ليكون رضاي (كإنسان) عنها بحدود خيار الطاغية الشخصي لها، بعد أن مُنح فرصاً كثيرة لاختيار نهاية أخرى. اعتراضي هنا فقط على من جعله (حقد الثائر) ينتزع مسدس الطاغية الذهبي ليقتله به. الحادثة حصلت والتاريخ سجلها، وليتها تنتهي عند هذا الحد لتكون مسألة تخص فرداً واحداً أرتكب فعلاً لا يمثل الثورة نفسها، لأن من قاموا بها أعلنوا طريق العدالة، وهو يوجب المحاكمة المشروعة للطاغية ورموزه.
لعلّ نهايات الطغاة المتماثلة تبشر بحتمية قدرية إيجابية قادمة، فالمصير الحقيقي لنهاية طاغية ما ليست بقتله، بل بزوال سلطته وبأي سبب، فلا مسمى للطغيان خارج تلك الحدود، وبزوالها تكون الأدوات معطلة، ويكون الأمل الشعبي للمضطهدين رهاناً أكبر وأوسع من مواجهة الديكتاتور. لذا فالرهان الحقيقي لا يبدأ بعد قتل الطاغية، بل من لحظة زوال سلطته ونفوذ جبروته وسطوته، ووصل هذا الرهان ذروته في المشاهد التي شاهدها الجميع، فالجماهير التي كان القذافي يزوّر عنها تضامنها واحتشادها به، في ظل ما كان يدعيه أبداً عن (الجماهيرية الشعبية العظمى)، شوهدت وهي تملأه بالدم والرصاص.
أقول وبرأي شخصي إن القذافي كان دموياً مرعباً وليت نهايته الدموية باختياره هو تنهي سيول الدم، وأن الاعتراض الإنساني يحتم علي ومن يؤيدني أن نحكّم العقل والعدالة، احتجاجاً ديموقراطياً، يشفع له أن يرينا ثوار ليبيا مواقف إنسانية ووطنية، تصحح هذه الأخطاء وتشرع باستخدام "مفاتيح المستقبل" - من قصيدة الجواهري- وليس عنوان المقال.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن