حسان علي . . الذي رَأَى فَتَرَقَى

السمّاح عبد الله
Alsammah63@yahoo.com

2011 / 10 / 19

حسان علي . . الذي رَأَى فَتَرَقَى
السمّاح عبد الله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المسافةُ التي تفصل بين عينيْ الرائي وسطح لوحة حسان علي، هي المُجمِّعة لكل حالات الدهشةِ التي تشيعها تكتلاتُ الأسودِ والبنيِّ المحروق والرماديِّ الهاديء، حتى لكأن الرائي يُؤْخَذُ لنقطة بعيدة تُعْقَدُ ما بين التراث والرمز، وما بين التجريد والتجريب، وما بين تماهي الجسد الإنساني في الموجودات وتداخل الموجودات في جسدانية ليست خالصة ولا مشغولة .

ثمة جدلٌ دائمٌ وكأنه نارٌ محروقةٌ بين تجسد الكائنات المرسومة وما يمكن أن تسكبه اللوحات من إحساس داخلي في نفسية الرائي، هي نفسها الحوارية التي تشتعل بين المرجعية المعرفية للفنان نفسه وطرائقه المتباينة للتعبير، وكأنه لا يبدأ لوحاته إلا من بقع لونية ضئيلة مسكونة بفكرة في اللا شعور سرعان ما تتمدد وتستطيل حتى تستوي على هيئة خطوط غير متشابكة لا تسعى للاكتمال، وكأنما تستمد كمالها من نقصانها غير المرئي .

التراث عند حسان علي مُسْتَلْهَمٌ بإيماءات حداثية، والحداثة مدلولٌ عليها بتشكلات تراثية، لذا فالرائي ذو النظرة الناقدة، سيحار في الإطار أو المنهج الذي يقرأ به هذه اللوحات، فالفنان لا يحكمه القانون المدروس ولا المذهب السَّيَّار، لكنه يتبع هوى اللون وهوى الفكرة .

ولأن البيئة مشكلةٌ للوجدان ولأن ذكريات الصبا مكونةٌ للفكرة فإن الرائي سيضع إصبعه على سطح اللوحة ويهتف : إنها النوبة، ولن يدله شيء مُتَعَيَّنٌ عليها، ولكنه الحدس والإحساس، ففي الوقت الذي يحصر فيه النقاد الأكاديميون فناني الجنوب الإفريقي في الزخارف النوبية أو الخطوط الصوفية إلا أن حسان علي سيخطف بصر الناقد إلى آفاق أكثر انفتاحا على العالم وأكثر تحررا من القيود المحلية وهو ما ساهم في ذيوع وانتشار فنه على الصعيد الدولي .

قد تبدأ اللوحة عنده من مجرد موتيفة صغيرة كالحةِ اللون شاهدها ذات نهار بعيد على جدارية كنيسة فرس النوبية أو في تجويف جبل النوبة، تنهض الذاكرة البصرة لتستحضر خطا موازيا لها أو تعرجا ملتفا عليها أو خطوطا خارجة منها، هو لا يُسَيِّرُها بقدر ما يتبعها وكأنها عارفة طريقها بمعزل عنه، فقط يحرسها، ويرش عليها حاجتها من عجائن لونية يفردها ويُمَسِّدُها ويساوي أطرافها، كأنما هي خبزة طرية داخلة جوف الفرن الملتهب، حتى تستوي في أصابعه كالجواهرجي المتمرس بُنِّيَّةً من غير سوء، ليبدأ بعدها جدل اللون والخامة، وجدل الضوء والموسيقا، وجدل التجسد والفراغ، مقررة مصائر شخوصه الناحلة .

رائي هذه اللوحات سيبتعد خطوة أو خطوتين عنها ويتساءل بينه وبين نفسه :

هل السيد حسان علي طفل في الحادية عشرة من عمره ؟

نعم هو طفل ولكنه غادر الحادية عشرة وغادر الخمسين لكن حواسه الفنية – كلها – لم تغادر الحادية عشرة ولا غادرت ذواكرُه تشكلات الكتل العفوية في طرقات الصبا، لذا فليس غريبا أن يصعد بريشته وكأنه طائر حوَّامٌ إلى عالم الأطفال ليرسم لهم ويقلد شخبطاتهم بعفوية الصبية وحرفة التشكيليين .

حسان علي، فنان ضد الانتزاع، سياسيا وفنيا، وضد الأطر، أكاديمية وشكلانية، وضد القبح، اجتماعيا وتشكيليا، إنه خالص للون وحده، فيه كيانه وكينونته ومكانه .
و " الكتابة الأخرى " وهي تستعلن مطبوعاتها التشكيلية بهذا الكتاب الاستثنائي للفنان حسان علي ، إنما تستكمل ما ابتدأته في متن المجلة من ملفات وأطروحات تعنى بالفن التشكيلي ورموزه ومذاهبه المتباينة محليا وعربيا وعالميا، ليصبح للفن التشكيلي فيها شرفةٌ وإيوان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
السمّاح عبد الله
القاهرة أوائل 2011
مقدمة كتاب " الانتزاع " الصادر مؤخرا عن دار " الكتابة الأخرى " والذي يضم لوحات الفنان حسان علي



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن