خوف المثقف

علي شايع
alishaye@hotmail.com

2011 / 10 / 5

" مثقفو العراق خائفون .." هكذا عنونت صحيفة نيويورك تايمز تحقيقاً صحفياً مهماً تناولت فيه قضية إغتيال الإعلامي هادي المهدي. التحقيق من إعداد صحفية محترفة، يمكن الإستنتاج بعد الإطلاع على تقريرها بأن لديها تصوّراً تاماً عن ما يكابده الوسط الثقافي والإعلامي العراقي، لتترك مجموعة أسئلة تفيض بالحزن، لا يمكن الإجابة عنها بالكلمات في زمن الرصاص، فالفعل الثقافي أبعد ما يكون عن تلك العوالم الموحشة، لأن دوي الرصاصة أو كتمانها المستحدث يضيع في ضجيج التاريخ ولا يوازي ما تتركه الثقافة من أثر، وهو رهان أهل هذا المعترك ومطمعهم وغرّة ثروتهم.
"مثقفو العراق خائفون"، جملة لا أظنها ستكون سهلة الوقع على مسامع الفاعلين الثقافيين في كل الأرض، لحظة تختصر فزع الحاضر ومجهوليته الأشد تأثيراً على أصحاب (المشاريع) الثقافية؛ مبصرين تهاوي المصائر في دوامة العنف، واختلاط الحجج، وتيه الدليل، وانسلال القتلة برفق عن الواقعة.
"مثقفو العراق خائفون"، جملة دامعة ستتحمل السياسة أوزارها أبد الدهر ولا يمكن أن ينساها ورثة الثقافة بعد حين، وسيحملون عار زمانها، ومفتاح السرّ لتفسير المشهد كاملاً كمجموعة تشاكلت قلوبهم ونواياهم بحثا عن معنى لما جرى، وربما ستزيدهم الكلمات الثلاث في الجملة شتاتاً واختلافا مضاعفاً عمن سبقهم في التأويل والتأصيل!.
"مثقفو العراق خائفون"، ستكون موحشة تلك الجملة حين يصار إلى حساب فعل الأشرار والأخيار لأن الخوف ينتج الصمت، و"المصيبة ليست في ظلم الأشرار بل في صمت الأخيار" كما يقول (لوثر كنغ). ولعلّها حالة تستدعي أقصى درجات الإنذار بالخطر، بعد أن ( أًكل الثور الأبيض) كما يشير المثل، في دلالة على الصمت وعواقبه، ولعلّها أيضا فرصة لكلّ حريص على إحياء الاعتراض والمواجهة ثقافياً والتأكيد عليها، فالمشوار القادم سيكون الأهم والأعقد في ظل ظروف تفرض حضورها على المشهد، سعياً صحفياً وإعلامياً حثيثا على خلق صحافة استقصائية مدعومة بالوثائق والدليل، بمواجهة إرهابيين أو مفسدين.
"مثقفو العراق خائفون"، جملة ستكرّر الإجماع الثقافي المُقرّ بغياب الوعي الأمثل لحياتنا المهدّدة والمعرّضة للضياع، وهي جملة صميمية دالة، فالعنف الذي يواجهه المثقف العراقي سيعادل ما يتحدّث عنه الفيلسوف الفرنسي بول ريكور- وبأبعد من السؤالين الصارخين (كيف؟.. ولماذا؟) - في قوله "إن العنف المُتكلّم عنف باحث عــن المعقــوليـة..عنف دخل مـدارات الـعقل، أي أصبح ذلك العنف متنكراً لذاته كعنف". بمعنى إن يحيل التفسير إلى حقيقة تؤكد إن أداة المثقف بالتعبير(المسموع) صارت تواجه بالعنف المكتوم، فيبدو الصمت معادلاً موضوعياً في اتجاهين عدميين؛ صمت المثقف، أو الرصاصة الصامتة، وربما يدوران على بعضهما في تتابع عجيب، ك(ظلام المعري): ظلامي، والنهار قد استمرا علي كما تتابع فارسان.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن