الخيزران

مصطفى اسماعيل
mbismail2@gmail.com

2011 / 9 / 6

المحررُ الذي أوردَ ترسانةً من المعلومات عن مادة الخيزران في صحيفة رسمية سورية, وبذل عناءً جماً وهو يملىء الزاوية الصحفية بما تيسر له من استخدامات للمادة جاد بها فضاء الانترنت الموَّار, نسي في غمرة لهاثه وراء مادة الخيزران والإحاطة الدقيقة بجوانب استعمالها أو تناسى متعمداً التطرق إلى استخدام آخر لتلكم المادة, ربما مخافة أن تفتح عليه أبواب الجحيم وزوَّارَ منتصف الليل.

يخبرنا المحررُ في زاويته تلك أن الخيزران ( اسمٌ لأكثر من ألف نوع من أنواع الأعشاب العملاقة ذات جذوع شبه خشبية ), وأن الصينيين استخدموا نوعاً منه في ( صناعة الورق منذ ألفي عام ), ويُستخدمُ في ( صناعة بعض قطع الأثاث المنزلي ), وفي ( تحضير نوع من الحساء يسمى " بامبو شوت " ), وقد استخدمه آباءُ وأجدادُ المحرِّر في ( صناعة أعواد الرماح ), كما وأن هنالك آلة موسيقية تسمى ( شينو بويه ) شبيهة بالناي تصنع من نبات الخيزران, ويُذكرنا في صدد إتخامنا بالكم الهائل من المعلومات بالمهني الكولومبي " خايمي بوتيرو " كأحد أبرز دُعاة استخدام الخيزران في البناء.

ليس موضوعنا هنا, وليست مناسبة الكتابة هاهنا الإشارةُ إلى التسهيلات التي قدَّمها فضاءُ الانترنت وثورة الإنفو ميديا لأنصاف وأشباه الكتبة الذين يملأون الصحف الرسمية بما هب ودب, سيما منها تلكم المواد التي لا تفوح منها رائحة الجهد البحثي, والتي تجعل العديد من الصحف الرسمية العربية لا ترقى إلى مستوى مجلات الحائط, ولا تعادل أو تساوي الحبر الذي طبعت بها.

مناسبةُ القولِ أن كاتبنا أغفل أحد أهم وأبرز الاستخدامات لمادة الخيزران في بلدنا سوريا, وهذا دليل قاطع على أن المحرر تعامل مع مادة الخيزران استنجاداً بمحرك البحث ( غوغل ), ومن خلف شاشة الكمبيوتر, فلو كلَّفَ نفسهُ عناءَ ومشقة النزول إلى أحد الأسواق الشعبية في العاصمة أو المدينة التي يكتب منها, لكان لكتابته مجرى آخر معرفياً بإمتياز, ولقادهُ التتابعُ المعلوماتي إلى البحث في أمورٍ أخرى, لعل من بينها طريقة تعامل السلطات مع مواطنيها في بلده, ولكن دأبُ الصحفي أن يملأ زاويته وصفحته, فهو يعلم أنه سيتقاضى الراتب نفسه سواءً أبذل جهداً عميقاً أم تناول موضوعه بسطحية مقززة.

ألا يعلم الصحافي الساذج أو الملعون ذاك أن الخيزرانات في بلاده تباع في الأسواق الشعبية على نطاق واسع, سيما منها تلك العصي الطويلة التي أُلْقِمَتْ رؤوسها بقبضةٍ من الإسفلت مع الدبابيس, حيث هي المفضلة حين الاقتناء من قبل أجهزة المخابرات, لاستعمالها في تعذيب المعتقلين, لانتزاع اعترافاتهم بأي فعل سواء أقاموا به أم لا, وقد تؤدي الخيزرانة اللعينة وهي نوع آخر لم يتحدث عنه ذلكم الصحافي بالمعتقل إلى الاعتراف بهجمات 11 سبتمبر / أيلول الإرهابية, وهو الذي لا يمت لها بشعرة معاوية, خاصة حين توضع في برميل ماء وتبلل جيداً ما قد يؤدي إلى انكسار كل شيء في المعتقل, دون أن يصيب مكروهٌ عصا الخيزران.

في السنوات البعيدة الماضية كنتُ أكرهُ الكراسي المصنوعة من مادة الخيزران, الكراسي تلك مُضافةَ إلى المناهج الناشفة وطرائق التدريس المقفرة تعاونت جميعها لإثارة امتعاضي, واليومَ يمكنُ القولُ أنَّ عصي الخيزران أسهمتْ في رفع منسوب الامتعاض الذي لدي, فلا أتحملُ فكرة أنْ تستغل السلطات براءة الطبيعة وتقوم بتطويعها في صناعة أدوات قمعية, للنيل من الحريات وحقوق الإنسان.

يا للمفارقة المحزنة: شعوب تقوم بصناعة الورق من الخيزران, وأخرى تفكر بتشييد الأبنية من الخيزران, فيما لا تزالُ بلداننا تبدعُ في استخدام الخيزران لتكسير الركب والسواعد والإرادات, وتتخمُ أقبيتها الأمنية بفائضٍ من الخيزران المأسوفِ على زجِّه في جرائمَ ضدَّ الإنسانية.

ملاحظة : كتب المقال في سجن حلب المركزي بتاريخ 8 يوليو 2010.

تابعونا على الفيسبوك : http://www.facebook.com/mustafa.ismail73



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن