رغم حملات الإدانة والإستنكار - إسرائيل تفلت من العقاب الدولي في كل مرة

عبد الغني سلامه
sabdelghani@hotmail.com

2011 / 9 / 6

في نهاية مايو/ أيار من العام الماضي استيقظ العالم على أنباء مهاجمة وحدات إسرائيلية لـِ "أسطول الحرية" المتوجه إلى قطاع غزة، في المياه الدولية مما أسفر عن مقتل تسعة متضامنين. وإن كانت إسرائيل قد اعتادت معاملة الفلسطينيين بهذا القدر من العنف، فإنها هذه المرة تعاملت مع متضامنين ينتمون لأربعين دولة دون اعتبار لردود أفعال دولهم. ولا يمكن تفسير ما قامت به القوات الإسرائيلية إلا بعد التفكير بحقيقة الموقف الإسرائيلي في الوضع الراهن، فإسرائيل رغم تفوقها العسكري والاقتصادي، ورغم الوضع العربي والفلسطيني المتراجع، فإنها تتعرض إلى انتقادات دولية متزايدة، تتحول أحياناً إلى حملات قانونية وإعلامية وشعبية؛ تؤكد خسارتها معركة الرأي العام العالمي، وقد باتت مهددة بالعزلة والعقوبات، خاصة إذا استمر الوضع بهذا الاتجاه الذي يسير فيه في السنوات الأخيرة، وإذا ما انعكس ذلك على سياسة البلدان المؤثرة على القرار الدولي خصوصاً في أوروبا وأمريكا.
قادة إسرائيل يعترفون بتراجع مكانتها الدولية
أجمع كبار المعلقين الإسرائيليين على تدهور مكانة إسرائيل الدولية بشكل غير مسبوق، ونقلت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية تصريحات لوزير الدفاع الإسرائيلي "ايهود باراك" أثناء اجتماع للجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست، اعترف خلالها بأن "إسرائيل اليوم أمام خطر تراجع مكانتها الدولية". وتأتي تصريحات "باراك" بعد أن أدرجت الوكالة الدولية للطاقة الذرية مناقشة القدرات النووية الإسرائيلية في مسودة جدول أعمال مجلس إدارتها، وذلك في سابقة من نوعها في عمر الوكالة البالغ 52 عاما.
وهنالك العديد من المؤشرات التي تؤكد أن إسرائيل لم تعد تتمتع بتلك السمعة التي حظيت بها لسنوات طويلة، من حيث كونها الدولة المستضعفة المحاطة بالأعداء، أو أنها تمثل "واحة الديمقراطية في صحراء التخلف والديكتاتورية العربية"، فهنالك تقرير غولدستون الذي يدين إسرائيل، وهناك ملاحقة لضباط ومسؤولين إسرائيليين في أنحاء أوروبا، كما حدث لوزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة "تسيني لفني" في شهر ديسمبر 2009 من خلال محاولة إيقافها في لندن على خلفية دعوى قضائية مرفوعة ضدها بسبب مشاركتها في الحرب على غزة، وأيضاً حملة المقاطعة الأكاديمية ضد الجامعات الإسرائيلية، وتوتُّر علاقاتها مع الولايات المتحدة وأوروبا ومع تركيا بشكل خاص، وحملة مقاطعة البضائع الإسرائيلية في العديد من دول العالم، فضلا عن العديد من الانتقادات التي وجهتها حكومات ومنظمات غير حكومية أوروبية بسبب سياساتها الاستيطانية، فقد أشار بيان المفوضية الأوروبية الصادر في آب 2009 بأن "المستوطنات اليهودية في المناطق المحتلة تشل الاقتصاد الفلسطيني على حساب دافعي الضرائب الأوروبيين". ونسبَ بيان المفوضية كما هو منشور على موقعها إلى القائم بالأعمال في القدس "روي ديكنسون" تكراره رأي أوروبا بأن "المستوطنات ليست قانونية، وأنها تسهم في خنق الاقتصاد الفلسطيني".
ولم تقتصر مظاهر الاستياء والانتقاد على الرأي العام الغربي. الكاتب د. أحمد عزم أشار في مقالته على "الغد الأردنية" إلى أن "الانتقادات الموجهة لإسرائيل امتدت لتشمل دوائر الأوساط اليهودية نفسها، ومنها ظهور لوبي يهودي جديد في الولايات المتحدة (جي. ستريت)، يرفض الانحياز الكلي لإسرائيل وحكوماتها الذي يعبر عنها عادة اللوبي الإسرائيلي التقليدي (إيباك)، وظهور قرين يهودي أوروبي له، يحمل ذات التوجهات هو (جي. كول)، وهذه اللوبيات اليهودية الجديدة تطالب بإنقاذ إسرائيل من نفسها ومن سياساتها المتشددة".
وفي استطلاع للرأي نظمته المفوضية الأوروبية، ونشرت نتائجه على موقع المفوضية في شهر نوفمبر 2003 شمل آراء 500 شخص في كل واحدة من دول الاتحاد الأوروبي حول قائمة الدول المصنفة خطرا يتهدد السلام العالمي؛ تبيّن أن 59 % ممن شملهم الاستطلاع يعتبرون إسرائيل خطرا على السلام العالمي، بشكل أكبر مما تشكله إيران وكوريا الشمالية وأفغانستان. ومما ساهم في ظهور هذا التحول النوعي في الرأي العام الغربي إزاء إسرائيل، انتهاكاتها بحق الفلسطينيين، وقد عمّق هذا التحول سياسة حكومة نتنياهو اليمينية المتشددة إزاء المفاوضات والاستيطان.
تقدم إسرائيلي رغم الخسائر
رغم الصورة السلبية لإسرائيل التي طغت عليها في السنوات الأخيرة، إلا أنها استطاعت تحقيق نجاحات عديدة؛ آخرها تمثل في مظاهر الاستقبال غير العادية لرئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" في الكونغرس الأمريكي، وعمليات التصفيق المبالغ فيها أثناء إلقاءه خطابه، والتي كانت في أغلب الأحيان لمجرد إظهار نوع من التأييد لإسرائيل، فبالرغم من لغة التشدد الواضحة في خطابه، ونسْفِه لأسس عملية السلام على حد قول د. نبيل شعث في حديثه لقناة "العربية" حيث وصف خطابه بإعلان حرب. ورغم اللاءات العديدة التي كررها نتنياهو وتعارضها مع خطاب "أوباما" إلا أن الكونغرس قابل ذلك بعاصفة من التصفيق، وصفها الطيب عبد الرحيم أمين عام الرئاسة "خروجا عن المألوف".
وحول هذا الموضوع كتب مهند عبد الحميد في صحيفة "الأيام" واصفا سلوك الكونغرس الغريب بأنه "انتصار لسياسة نتنياهو في تثبيت وإدامة الاحتلال، وانتصار للاءاته حول اللاجئين والقدس والحدود". معتبراً أن الكونغرس بهذا التأييد إنما يدعم صراحة غطرسة القوة الإسرائيلية ومنطق الإملاءات وفرْض حل من طرف واحد. واعتبر أن أخطر ما في موقف الكونغرس هو إجازته لاستبدال القانون الدولي كمرجعية ناظمة للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بإدعاءات دينية وإيديولوجية، وذلك من خلال التصديق على إدعاءات نتنياهو بأن الأراضي الفلسطينية غير محتلة ولا تنطبق عليها قرارات الشرعية الدولية، وهي عوضاً عن ذلك أرض إسرائيل التي منحها الله لشعبه المختار، وسيضطر نتنياهو لاقتطاع جزء منها كي تقام عليه بعض التجمعات الفلسطينية، معتبرا ذلك تنازلاً مؤلماً ! يحدث ذلك في الوقت الذي يستخدم فيه الكونغرس القوة العسكرية القصوى لإرغام دول عديدة على الالتزام بقرارات مجلس الأمن !
وفي المقابل، ذهب الكاتب الإسرائيلي اليساري جدعون ليفي في «هآرتس» أبعد من ذلك فكتب أن "بوسع نتنياهو الانتشاء بالهتاف الأجوف للنواب الأميركيين. لكن عندما يتبدد هذا الزبد من فوق الماء سيثور بكامل القوة سؤال: وماذا بعد ذلك ؟ آنذاك سيتبين أن رئيس الحكومة هذا ورطنا. ورطنا جدا. خسرنا الفلسطينيين منذ زمن، والآن خسرنا أميركا والبيت الأبيض أيضا" .
ويظهر مقدار هذا التراجع في الموقف الأمريكي تجاه التسوية وحل الدولتين - إما تحت تأثير اللوبي اليهودي، أو بسبب ضعف الموقف العربي بشكل عام - بالمقارنة بين خطاب أوباما أمام الشعب الأمريكي في 19 أيار والموجه أيضا للعرب، وخطابه أمام يهود أمريكا في مؤتمر "الإيباك" السنوي، الذي اعتاد فيه رؤساء أمريكا على إظهار الدعم الأمريكي الكامل لإسرائيل، إذ يظهر بكل جلاء ازدواجية المعايير وطغيان لغة المصالح على المبادئ، ففي الخطاب الأول قال أوباما: "إن مستقبل دولة فلسطين المقبلة ينبغي أن يستند إلى حدود ما قبل 1967 مع تبادل أراضٍ متفق مع إسرائيل"، وطالب أوباما إسرائيل بأن "تتحلى بالشجاعة لإحلال سلام دائم"، وقال: "إن السلام الدائم يعني دولتين إسرائيلية وفلسطينية"، وأقر بأن "الشعب الفلسطيني يجب أن يتمتع بحق حكم نفسه".
وهذا الخطاب أغضب نتنياهو الذي رد على أوباما بتذكيره بما أسماه الالتزامات الأمريكية لإسرائيل منذ عام 2004، أما في خطابه الذي ألقاه أمام "إيباك" بعد ثلاثة أيام، فقد عاد أوباما ليقول أن المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين يجب أن تقود إلى قيام دولتين على حدود عام 1967، مع تبادل للأراضي بين الطرفين"، وقال صراحة: "إن ذلك يعني أن التفاوض سيتم على حدود تختلف عن تلك التي كانت موجودة يوم الرابع من حزيران من عام 1967"، ثم تراجع أوباما أيضا عما قاله عن حق الفلسطينيين في دولة برفض إعلان دولتهم المستقلة في أيلول/سبتمبر المقبل، والتلويح برفضه أيضا حق عودة اللاجئين.
وقد اعتبر مراقبون فلسطينيون أن ما طرحه أوباما في خطابه أمام مؤتمر "إيباك" متناقض ومختلف عما طرحه في خطابه السابق، واتهمه البعض بالتأرجح في مواقفه طمعاً في أصوات الناخبين اليهود الأمريكيين.
وقبل ذلك كان استخدام الولايات المتحدة حق النقض "الفيتو" في مجلس الأمن ضد قرار حظي بإجماع بقية الأعضاء في شباط/فبراير 2011، وكان يدعو لإدانة الاستيطان. وأيضا كان صالون الكتاب بباريس قد أعلن عن دعوة إسرائيل كضيف شرف لدورته الأخيرة، كما أطلقت بلدية باريس اسم "بنغوريون" على أحد ميادينها العامة ، وفي اليونسكو تمكنت إسرائيل من تأجيل مناقشة قرار يخص القدس في الدورة 184، وذلك للمرة الأولى منذ أكثر من ثلاثين عاماً، حيث جرت العادة بأن يتم إدراج القرارات المتعلقة بفلسطين على جدول أعمال المجلس التنفيذي دون عقبات، وقبل ذلك قضية تأجيل التصويت على تقرير غولدستون في جنيف، ومؤخرا انضمامها إلى منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD). وفي هذا السياق يرى د. مصطفى البرغوثي في حديث خاص أجريته معه "أنه رغم كل ما يقال عن إسرائيل، إلا أن أوراق نتنياهو في واشنطن تتحسن، حيث حصل على مساعدات عسكرية بقيمة 200 مليون دولار، كما تدخل أوباما لإعادة الدفء في العلاقات التركية الإسرائيلية. ومؤخرا وقّع ثلاثة أرباع أعضاء الكونغرس رسالة دعم لإسرائيل موجهة للرئيس الأميركي".
وفي هذا السياق يرى د. أحمد عزم رئيس تحرير "آفاق المستقبل" أن إسرائيل تحقق انتصارات مهمة وبدعم أميركي وأوروبي كبير، وهي انتصارات تعزز موقف الحكومة الإسرائيلية. وبموازاة هذه النتائج فإن د. عزم يطرح أسئلته المشروعة من مثل: ما الفائدة الحقيقية من كل التحركات الجارية على مستوى الرأي العام العالمي لإدانة الاحتلال؟ ولماذا أخفق العرب والفلسطينيون في توظيف الخسارة التي منيت بها إسرائيل على صعيد سمعتها الدولية ؟! وهل الخلل في أداء الديبلوماسية الفلسطينية أم هو في موازين القوى ؟
الدبلوماسية العربية والفلسطينية، تقصير أم سوء تقدير للموقف ؟
الدكتور نبيل شعث مفوض العلاقات الدولية لحركة فتح، في مقابلة خاصة معه أكد: "أن منظمة OECD خضعت للإبتزاز الصهيوني والأمريكي، حيث ضغطت واشنطن عليها كي تمنح إسرائيل العضوية جائزة لها ولتحفيزها على العودة إلى مسار المفاوضات والعملية السلمية". وأضاف أن "قصة انضمام إسرائيل للمنظمة الأوروبية تفاعلت على المستويات الحكومية فقط بعيدا عن أي تفاعل شعبي، وأنه كان هناك تقصير من الجانب الفلسطيني، في هذا الموضوع، موضحا أن "الفلسطينيين بدأوا بالهجوم السياسي على هذا الموضوع متأخرين، علما بأن محاولات إسرائيل وسعيها للإنضمام قد بدأت قبل ثلاثة سنوات، وأنه لم يكن هناك جهد فلسطيني كافي".
وفي موضوع تأجيل التصويت على قرار يخص القدس في اليونسكو طالب تجمع النقابات المهنية الفلسطينية في غزة والذي تسيطر عليه "حماس" بتحقيق جدي بشأن التأجيل، وحمّل التجمع في بيان له صدر في 20 أيار 2010 المسؤولية للمراقب الفلسطيني الدائم لدى المنظمة. واتهم "فوزي برهوم" الناطق الإعلامي لحركة حماس السلطة الفلسطينية بتكرار الإخفاق الذي حدث في تقرير "جولدستون"، وقال في حديث له نشر على موقع فلسطين الآن "أن السلطة تساعد إسرائيل في كل مرة في الخروج من مأزقها الدولي".
"إبراهيم خريشة"، سفير فلسطين لدى الأمم المتحدة في جنيف ووكيل وزارة الخارجية الفلسطينية، أجاب على هذا الموضوع في حديث مسجل أجريته معه في أيار 2010 قائلاً: "عدم المعرفة سبّب هذه الضجة، أو محاولة الاصطياد في الماء العكر من قبل البعض، فبعد الضجة التي أثيرت حول تقرير جولدستون، لاحظنا أن أحدا لم يتحدث بالموضوع حتى عندما أعدنا طرح القضية بعد أسبوع من التأجيل وحصلنا على القرار الذي نريد"، وأضاف "خريشة" بأن "من يقوم على رأس العمل الديبلوماسي هو الذي يعرف حيثيات الموضوع وما يجري وراء الكواليس، ونحن في المنطقة العربية لدينا ثقافة سلبية مفادها أطلق الرصاصة التي في جيبك على السريع، بالرغم من وجود حكمة شعبية أخرى تقول أنه من الشجاعة أن تشهر سيفك، ولكن الحكمة أن تعرف لمن ستوجه ضربتك وكيف ومتى؟ في العمل السياسي هناك توقيت مناسب لكل خطوة، ومن الخطأ استخدام كل الطلقات دفعة واحدة، ونحن الآن ليس لدينا سوى المقاومة الشعبية والعمل السياسي الدبلوماسي، ونحن نعمل في وسط دولي له مصالحه وتعقيداته، ولكن الأطراف المعارضة لا تتفهم هذا وتبدأ بالاتهام، ما حدث في اليونسكو شبيه إلى حد ما بما حدث مع جولدستون، وأقول لمن هو مهتم بالقدس تفضل وقدم لها الدعم الحقيقي".
ويضيف "خريشة" قائلا: "إن الإسطوانة التي طالما استخدمتها إسرائيل كقصة المحرقة واللاسامية أصبحت مستهلكة، وأن إسرائيل في وضع صعب"، ويرى أن هناك تغيرا إيجابيا، ولكن بعض الدول كأمريكا ما زالت تضع أمن إسرائيل فوق أي اعتبار، وهذا التغير ما زال دون مستوى الطموح، ولم يصل مرحلة فرض مقاطعة على إسرائيل". وتابع قائلا: "مع مراكمة الإنجازات واستمرار هذا الوضع السيئ لإسرائيل فأنه خلال سنة سيكون هناك تغيرات أكبر وأهم". ويرى "خريشة" أن "وجود حكومة يمينية متشددة تقود إسرائيل الآن هو عمليا ما سيقودها إلى الهاوية، لأن القوة والغطرسة التي تمارسها لن تحقق لها الأمن والسلام، فالسلام الحقيقي يتحقق فقط بالإعتراف بالحقوق الفلسطينية وإنهاء الاحتلال، وإبرام معاهدة سلام على أساس المبادرة العربية".
ومن جانبه دافع المحلل السياسي "موفق مطر" في مقالته لصحيفة الحياة الجديدة عن دور سفير السلطة الفلسطينية لدى اليونسكو قائلا أن "القضية يشرحها بيان المجموعة العربية في اليونسكو والذي أكد أن المجموعة العربية استطاعت أن تسجل على جدول أعمال المجلس التنفيذي لليونسكو في دورته ال184 جميع النقاط التي تخص فلسطين، وذلك رغم كل الضغوط التي مورست عليها من قبل الدول المعارضة، وأنه بالرغم من ذلك تمسكت المجموعة العربية بموقفها"، ولكن "مطر" يرى أن "النصوص المقترحة من قبل الأعضاء الكبار في المنظمة كانت أقل بكثير مما يمكن أن يقبله الفلسطينيون والعرب لأنها تمس بالثوابت الوطنية"، وبالتالي يرى "مطر" أن السفير الفلسطيني "رفض اقتراحات التعديل والموافقة - على مضض - على تأجيل النقاش بدلا من القبول بالتعديلات التي ستضر بالقضية".
السؤال الذي يطرح نفسه هل إمعان إسرائيل في تحديها الشرعية الدولية، وما جرى لأسطول الحرية على سبيل المثال، كان مخططا له مسبقا، بقصد توجيه رسالة تحذير لكل من يفكر بالتضامن مع أهل غزة مرة أخرى. بمعنى أنها بممارساتها هذه إنما تبعث برسائل سياسية، لتكريس نهج التجاهل للقانون الدولي والاستخفاف به، الذي اعتادت عليه. فهي ليست المرة الأولى، وقد لا تكون الأخيرة التي تتصرف فيها كدولة فوق القانون، مع أن دول أخرى كانت تعتبر نفسها كذلك، إلا أنه تمت محاسبتها، كجنوب إفريقيا وصربيا .. ولكن السؤال: لماذا دائما لإسرائيل وضع مختلف ؟!!
الدبلوماسية الفلسطينية إنجازات وإخفاقات
وفيما يخص كفاءة الدبلوماسية الفلسطينية أشار ممثل المنظمة في جنيف "إبراهيم خريشة" في حديثنا معه إلى خطأ وقع فيه الفلسطينيون، وهو العزوف عن المسار القانوني للقضية الفلسطينية، وأضاف: "صحيح أن لدينا شرعية وطنية وشرعية دولية، ولكننا بحاجة إلى شرعية قانونية تعتمد في عملها على القانون الدولي، وهذا يعزز المسار السياسي، وقد لجأنا لهذا المسار لأول مرة عام 2003، وكان إنجازا مهمّاً حين أصدرت محكمة لاهاي فتواها بشأن الجدار، ولكن للأسف لم يتم استغلال هذه الفتوى بالشكل المطلوب، وأصبحت ذكرى تاريخية، ولكن مع هذا أنا أتولى متابعة العديد من الملفات الدولية، وقد شرحت للرئيس محمود عباس المسارات التي سنعمل عليها ومتطلباتها، وقد أبدى اهتماما شديدا بالموضوع ودعما كاملا لكل ما نحتاج، وحاليا نعمل بخطوات هادئة ومدروسة لتأسيس شرعية قانونية للمسألة الفلسطينية في الساحة الدولية، وهذا يحتاج بعض الوقت، كما أسّسنا دائرة قانونية في وزارة الخارجية الفلسطينية لتقوم بدورها في هذا الموضوع، ولا شك أن هناك قرارات دولية هامة في صالحنا ونعمل عليها، ونراكم هذه الانجازات".
وفي الحديث عن فتوى محكمة العدل الدولية بشأن الجدار العازل، أشار الوزير السابق في السلطة الفلسطينية والمحلل السياسي د. إبراهيم ابراش في مقالة له على موقعه الإلكتروني قائلاً: "هنالك محاذير يتوجب الانتباه لها عند اللجوء إلى محكمة العدل الدولية، فالأمر لا يتعلق بتحقيق انتصارات شخصية لممثلي المنظمة بالأمم المتحدة، ولا بتزايد عدد قرارات مجلس الأمن المؤيدة لحقوقنا، بل بفعالية ومصداقية هذه القرارات، والخشية أن يؤدي كثرة القرارات غير الملزمة إلى تغييب القرارات الملزمة"، ويشير الكاتب "إبراش" أنه عندما نقبل بأن تنظر محكمة العدل الدولية بمدى شرعية بناء جدار الفصل العنصري، معناه أننا انسقنا وراء الطروحات الإسرائيلية التي تزعم بأن الضفة وغزة أراض غير محتلة بل متنازع عليها". بينما يرى د. مصطفى البرغوثي في مقابلته معنا أن "فتوى لاهاي من أهم القرارات التي انتزعها الفلسطينيون من المحكمة الدولية"، ولكنه يعتبر أن "المتابعة الفلسطينية للفتوى كانت ضعيفة" وكذلك فإن المحامية الكندية "ديانا بطو" وهي من أصل فلسطيني تقيم في رام الله وعملت في السابق مستشارة قضائية لمنظمة التحرير الفلسطينية وكانت عضوًا في الفريق الذي عمل على طرح مسألة الجدار الإسرائيلي أمام محكمة العدل الدولية، تقول "أن الأهم في قرار محكمة العدل الدولية أنه أطّر العلاقة بين إسرائيل وبين الفلسطينيين ضمن المنظور الصحيح: على أنها علاقة غير متوازنة يجسّدها الاحتلال"، وانتقدت المحامية "بطو" السلطة الفلسطينية لأنها – حسب رأيها - فشلت في الاستفادة من أهمية القرار .
إسرائيل تفلت من العقاب في كل مرة
أوضح الدكتور "غسان الخطيب"، مسؤول المركز الإعلامي للحكومة الفلسطينية والمتحدث باسمها في رام الله، "أن الدول لا تقيم علاقاتها على أساس الحق والباطل، إنما على أساس المصالح، والعالم العربي لا يوظف ثقله السياسي والاقتصادي لصالح قضاياه؛ لأنه مُفرَّق ويفتقد لإدارة واعية للصراع على المستوى الدولي"، وأضاف "الخطيب" في اتصال هاتفي مسجل أن "الدول الغربية لا تدفع ثمن عندما تتخذ مواقف مؤيدة لإسرائيل، أو عندما تتغاضى عن الحقوق الفلسطينية"، وأشار في حديثه إلى أن "العرب لم يحسنوا استخدام لغة المصالح، بينما إسرائيل تخدم مصالح الغرب لذلك تجد تأييدا لها، ولأنها جزء من الإستراتيجية الدولية ولديها دور وظيفي معين تستخدمه لصالحها".
وحسب رأي "د.شعث" فإن "أمريكا ستضع مصلحة إسرائيل فوق الاعتبارات الأخلاقية والسياسية، لأن إسرائيل تمثل حجر الزاوية في المعادلة السياسية الكونية التي تتحكم فيها أمريكا"، وعن طبيعة الموقف والدور الأوروبي وحسب رأي "خريشة" فإن "التغييرات الحاصلة في الموقف الأوروبي لم تصل مرحلة النضوج اللازمة لإحداث تغييرات جذرية في موقفها السياسي، لاسيما وأنها ما زالت تعاني من تبعات وإرث الهولوكست، وأن الدور الأوروبي ما زال مقتصرا على الجانب الاقتصادي".
د. "البرغوثي" يرى أن "هنالك عدة أسباب تفسر نجاة إسرائيل من العقاب الدولي أولها ضعف الموقف الرسمي العربي، وعدم تبني العرب لموقف واضح يطالب بمقاطعة إسرائيل وفرض عقوبات عليها، والثاني هو الانحياز الأمريكي الشديد لإسرائيل بسبب تلاقي مصالحهما، وبسبب قوة تأثير اللوبي الصهيوني"، والسبب الثالث حسب رأي البرغوثي هو "استمرار تأثير الرواية الإسرائيلية في الإعلام العالمي"، ولكنه يرى ضرورة التفريق بين المواقف الرسمية والمواقف الشعبية التي بدأت حركاتها الاحتجاجية تؤتي ثمارها، ويعتبر أن أساطيل التضامن مع غزة أدت إلى كسر الحصار بينما عجزت عن ذلك المفاوضات". ويضيف البرغوثي سببا آخر يكمن في بدء المفاوضات مع إسرائيل، حيث أن متطلبات وأجواء المفاوضات تمنع طلب فرض عقوبات عليها.
وبالرجوع إلى وثائق الخارجية الفلسطينية نجد أن الأمم المتحدة أصدرت أكثر من ستين قرارا تتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي، منها 33 قرار صدر عن مجلس الأمن، ولا يخفى على أي مراقب أن إسرائيل لم تلتزم بأي منها ولم تطبق إلا جزءً يسيرا يكاد لا يذكر من تلك القرارات، عدى عن إجهاض ما يقارب الأربعين قرارا كان من المفترض أن تصدر عن مجلس الأمن لولا الفيتو الأمريكي .
بعض القيادات الفلسطينية تفسر نجاة إسرائيل من العقاب الدولي بسبب الدعم الأمريكي اللامحدود لها، ففي مؤتمر صحفي للدكتور صائب عريقات رئيس دائرة المفاوضات في منظمة التحرير عقده في رام الله عشية زيارة "ميتشل" للمنطقة وصف إسرائيل بأنها "تتصرف كدولة مارقة وفوق القانون الدولي"، بينما يرى د. صبري صيدم القيادي في "فتح" أن "الخارطة السياسية العالمية فيما يخص إسرائيل قد بدأت بالتغير، وأهم معالم هذا التغير تمثلت في خطاب أوباما الذي تحدث فيه عن إنهاء حالة الاضطهاد، سواء تلك التي يعيشها الشعب الفلسطيني أم أيٍ من شعوب الأرض" وأضاف في حديث خاص معنا : "أن آفاق السلام التي شقها أوباما بدأت تتقزم وتنحسر" وأوعز ذلك إلى ما وصفها "بالضغوطات التي يتعرض لها أوباما خاصة فيما يتعلق بملفات النظام الصحي وبعض الإصلاحات التي ترغب إدارته في إحداثها، وهذه الضغوطات استفاد منها اللوبي الصهيوني في الضغط على أوباما ليجبر الفلسطينيين للعودة إلى طاولة المفاوضات ولكن دون وقف الاستيطان حسب طلب القيادة الفلسطينية".
بينما يفسر آخرون ذلك بسبب مواقف القيادة الفلسطينية، النائب خالدة جرار عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية قالت في مؤتمر صحفي في مركز وطن للإعلام أن "استئناف المفاوضات غير المباشرة مع إسرائيل في ظل استمرار الاستيطان، سيعفي الإدارة الأمريكية من مسؤولياتها السياسية والقانونية وسيمنح نتنياهو فرصة كسب الوقت"، الكاتب "هاني المصري"، أكد أن "الخلافات الأمريكية الإسرائيلية لم تتحول إلى ضغوط جدية، وأن الإدارة الأمريكية تماشت مع الموقف الإسرائيلي المتعنت مرة أخرى لأنها تعرضت لضغوط إسرائيلية ومن مؤيدي إسرائيل في الولايات المتحدة"، وأضاف في مقالته المنشورة في "الأيام" أن "استئناف المفاوضات في ظل الشروط الراهنة سيعني إنقاذا لإسرائيل من ورطتها المتصاعدة في ظل خلافاتها مع أمريكا، وسيؤدي إلى قطع الطريق أمام إمكانية تطور الموقف الأمريكي نفسه".
في الطريق إلى سبتمبر
في غضون شهرين سنكون على موعد مع استحقاق سبتمبر. السلطة الوطنية تعد العدة لانتزاع اعتراف عالمي بالدولة الفلسطينية، والحصول على عضوية كاملة في هيئة الأمم المتحدة، ومن أجل ذلك بدأت منذ فترة بحشد تأييد عالمي لهذه الخطوة، وفي المقابل أعربت الولايات المتحدة عن معارضتها لهذه الخطوة، وهددت باستخدام حق النقض إذا ما طُرحت القضية في مجلس الأمن، وإسرائيل من جهتها قلقة جدا، وقد بدأت بالتهديد بوقف تحويل إيرادات الضرائب الفلسطينية، وتشديد الحصار على السلطة، وقف تسهيلات التحرك لقيادات السلطة. وفي قلب هذا المشهد المعقد والمفتوح على كل الاحتمالات، يحبس الشعب الفلسطيني أنفاسه، ويراقب بحذر ومعه بقية العالم ما ستؤول إليه الأمور.
فالسلطة الفلسطينية ليست في أفضل حالاتها، والعالم العربي وبسبب الثورات الشعبية يعيش حالة مخاض عسيرة، ويشهد مرحلة انتقالية دقيقة، تجعل من قدرته على التأثير أقل مما يتطلبه حسم هذه المعركة الدبلوماسية لصالح الحق الفلسطيني، وفي الجهة المقابلة تواصل إسرائيل سياسة التجاهل للشرعية الدولية، والاستخفاف بالمجتمع الدولي، رغم سمعتها السيئة وتعرضها لموجات من النقد وتحميلها مسؤولية تعثر العملية السلمية، إلا أنها تتقوى بالدعم الأمريكي، وعدم ارتقاء الموقف الأوروبي لمستوى الحدث، وعلى ضوء ذلك فإن التكهن بنتائج الأمور ما زال مبكرا رغم وضوح بعض المعطيات.
استحقاق سبتمبر هو نتاج لجهد فلسطيني متواصل، وهو تتويج للمشروع الوطني الفلسطيني، ومن المبالغة القول أن حكومة د. سلام فياض لوحدها هي التي أسست هذا المشروع وأنها قادت هذه الجهود. د. نبيل شعث في مقابلته معنا أوضح بأن "هذا المشروع لم يبدأ مع سلام فياض، فنحن بدأنا في بناء مؤسسات السلطة عام 1994، وخلال خمس سنوات تمكّنا من بناء قاعدة جيدة للدولة". ولكن لا يجب التقليل من أهمية مبادرة فياض ومتابعته الحثيثة لمشروعه الذي حمل عنوان، (فلسطين: إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة)، والذي ينص على فرض الدولة الفلسطينية كأمر واقع، خلال عامين. وعند سؤاله لماذا عامين ؟ أجاب في مقابلة خاصة "بدون تحديد سقف زمني لا تكون هذه خطة عمل، إنما تكون قائمة تمنيات. وعندما فكرت بالمهلة المطلوبة لإنجاز المشروع بأحسن صوره وجدت أنه ربما نحتاج جدول زمني طويل الأمد، وهذا يضعنا في موقف نكون فيه غير قادرين على استخدامه كأداة ورافعة للتعجيل في إنهاء الاحتلال. وبالتالي لا بد من التفكير بجدول زمني واقعي ولكنه يشكل تحدي، بمعنى يحتاج إلى جهد مضاعف".
وأهمية هذا المشروع الوطني الذي عبرت عنه وثيقة فياض، أنه في أثناء تنفيذه وقبل الوصول إلى موعده في سبتمبر أنه بحد ذاته يمثل عملية بناء إيجابي ستكون بمثابة رافعة للجهد الوطني المطلوب لإنهاء الاحتلال ورديفا له، وليس بديلا عنه، وأنه يساعد على دعم صمود الشعب على أرضه. وما يميز الوثيقة حسب تعبير فياض "أنها تتجاوز الثغرات التي خلفها اتفاق أوسلو، الذي لم يكن واضحا فيما يتعلق بالحقوق الوطنية خاصة السياسية منها، وفيما يتصل بالدولة، وكل القضايا الأساسية التي تم تأجيلها في أوسلو، والبنود الملتبسة والتي يكتنفها الغموض وكانت عقبة أمام التوصل لما نريد". وكتقييم لما تحقق على الأرض خلال السنوات الماضية يقول فياض: "اليوم ونحن على أعتاب سبتمبر يحق لنا القول أنه لدينا الآن ما يمكن وصفه بالمقومات الأساسية للدولة، من حيث التكوين المؤسسي والبنية التنظيمية، إضافة إلى أهليتنا وجهوزيتنا وخبرتنا التي اكتسبناها خلال السنوات السابقة، وخبراء البنك الدولي عندما ينصحون في موضوع الإدارة يقدمون ما لدينا كنموذج مثالي وكتجربة رائدة" .
أما عن مرحلة ما بعد سبتمبر، فإن للوثيقة أهمية إستراتيجية كبيرة، في هذا السياق يقول د. سلام فياض: "إن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس على كامل الأراضي المحتلة عام 67، مع حل عادل لقضية اللاجئين، من المفترض أن تكون النتيجة الطبيعية للنضال الوطني والعمل السياسي المبذول لإنهاء الاحتلال منذ عقود، حتى لا تضيع تضحياتنا هباءً".
ولكن السؤال الكبير هو ماذا سيغير تأييد المجتمع الدولي للحقوق الفلسطينية في اجتماع الجمعية العمومية في سبتمبر القادم ؟ ما دام لا يوجد أحد يضغط على إسرائيل، أو ينادي بفرض عقوبات عليها؟
هذا السؤال أجاب عليه د. نبيل شعث قائلا: "حراكنا الدولي لانتزاع اعتراف عالمي بالدولة الفلسطينية لن ينهي الاحتلال في حد ذاته، ولكن عندما نصبح دولة خاضعة للاحتلال نستطيع أن نطالب الأمم المتحدة ومجلس الأمن باتخاذ إجراءات ضد دولة أخرى عضو في الأمم المتحدة. قد يصل الأمر إلى حدّ تجميد عضويتها في المنظمة الدولية، كما حدث لجنوب أفريقيا. لأن أي دولة عضو في الأمم المتحدة عليها مسؤوليات تجاه الدول الأخرى، وبالتالي سيكون عملنا أكثر جدوى ونحن دولة، ممّا لو كنا سلطة، خاصة أن إسرائيل ما زالت تصر على استخدام مصطلح «أراضٍ متنازع عليها»، وحجتها في ذلك أنه لم يكن في عام 1967 دولة فلسطينية جرى احتلال جزء من أراضيها، بينما الوضع في حالة وجود دولة فلسطينية محتلة سيزيد من قوة الضغط الدولي على إسرائيل وفعاليته، ويعرّضها لمزيد من العقاب والعزلة".
المتضامنون الدوليون يسهمون في عزل إسرائيل
أجمعت العديد من القيادات الفلسطينية أن النضال الشعبي السلمي، إلى جانب العمل السياسي والدبلوماسي هو عماد الإستراتيجية الوطنية الجديدة للمقاومة الفلسطينية في الظرف الراهن، فالنضال الشعبي تكمن قوته في انسجامه مع الحراك الدولي، وعن هذا الموضوع أضاف د. نبيل شعث: "نحن نتحرك في إطار تجميع قوى عالمية في صفنا، سواء بتجنيدها في معركة في الأمم المتحدة، أو للحصول على اعتراف دول أخرى بالحقوق الفلسطينية، أو بفضح ممارسات إسرائيل، وتعبئة الرأي العام الدولي ضدها. وهذا لا يقتصر على نموذج بلعين وغيرها من المواقع التي تمارس المقاومة الشعبية غير العنيفة، إذ إن المقاطعة ضد إسرائيل هي شكل من النضال السلمي، وكذلك تظاهرة شعبية عند الحواجز، أو رفع الأعلام الفلسطينية في يوم معين، كلها أشكال لا نهاية لها من أنماط النضال غير العنيف. ومن يقوم بالكفاح المسلح هم مئات أو آلاف الشبان فقط، ومن يقوم بالمفاوضات مجموعة صغيرة من الأشخاص، بينما في النضال الشعبي نستطيع إشراك كل الشعب، لذلك نحن قررنا استخدام أسلوب النضال الجماهيري ملتصقاً به الحراك الدولي. فإذا كانت الدول حتى الآن لا تقاطع إسرائيل، وتكتفي بمقاطعة منتجاتها، فهناك عشرات المجموعات في العالم كله تنادي بمقاطعة إسرائيل كلّها: بضائعها والاستثمار فيها، وجامعاتها. وبالتالي فإن الحملة الدولية متعددة المراحل والأشكال تبدأ من القاعدة الشعبية، ثم استخدام القانون الدولي والمؤسسات الدولية المختلفة لعقاب إسرائيل ومحاصرتها. هذا المجموع الكلي لأشكال النضال، التي تتصدرها المحاولات المستمرة لإنهاء الانقسام، ويواكبها العمل الدائم لدعم صمود الشعب من خلال بناء مؤسسات الدولة، وهذه هي الإستراتيجية التي حلت محل الكفاح المسلح" .
الناشطة الكندية "نيتا غولاني" منسقة حركة التضامن الدولية ISM والمقيمة في رام الله، وفي مقابلة خاصة مسجلة حول دور المتضامنين الدوليين، أوضحت بأن المتضامنين يخوضون نضالات صعبة وحقيقية، ولكنهم ولأسباب عديدة ما زالوا لا يمتلكون القدرة على تحقيق نتائج جوهرية في الضغط على حكوماتهم، وأضافت "غولاني" بأن حركات التضامن الدولية محدودة القدرة، وأن أمامها مشوار طويل، وأكثر أعضائها هم في الأصل يعيشون في بلدانهم منعزلين عن الحياة السياسية، وليست لديهم قوة انتخابية مؤثرة، ولكن مع كل هذا فقد تمكنوا من إحداث نقلة نوعية في توجيه الرأي العام العالمي لصالح القضية الفلسطينية.
بينما يعتبر د." البرغوثي" أن "حركات الاحتجاج الشعبية الفلسطينية وحلفائها من نشطاء السلام والمتضامنون الدوليون تمكنوا من فرض حقائق معينة على الأرض رغم محدوديتها الآن، ولكنها حتما ستؤدي إلى إحداث تغيير كبير في مواقف الدول الغربية، لأن الموضوع يعتمد على الوقت باعتباره عمل تراكمي وتصاعدي، وما يدل على ذلك أن البرلمان الألماني اتخذ قرارا بالإجماع على ضرورة فك الحصار عن غزة".
والموضوع بطبيعة الحال لا يتوقف عند مواقف القيادات السياسية رغم أهميتها، فهناك عامل الضغط الشعبي، الذي ازدادت أهميته وتأثيره في الآونة الأخيرة خاصة مع تزايد تأثير الإعلام، ولكنه ما زال دون المستوى المطلوب، والسبب في ضعف الموقف الشعبي (العربي والإسلامي) أن الفعل الجماهيري يأخذ عادة شكل الهبّات العاطفية والإرتجالية الذي يفتقد البرنامج والإستراتيجية، ولا يمتلك آليات بناء ومراكمة الجهود، وأحيانا يخطئ في تحديد الهدف، ويزيد من عمق الإشكالية محاولات بعض القيادات السياسية والإعلامية الاستفادة من ردات الفعل الشعبية لمصالحها الخاصة، وأخطر ما في الموضوع أن ردات الفعل الفلسطينية تكون أحيانا متسرعة وغير مدروسة، وبالتالي تستفيد منها إسرائيل وتجيرها للتغطية على جرائمها وتحويل الرأي العام بالاتجاه المضاد، لذلك فقد دأبت إسرائيل في الماضي أن تمعن في سياساتها دون أن تضع في حساباتها ردة فعل الجماهير، لأنها كانت تعتبرها مجرد ظاهرة صوتية وفقاعة هواء سرعان ما تتلاشى. ولكن اليوم ومع الثورات الشعبية الجماهيرية التي قلبت كل الموازين وخلقت حقائق جديدة على الأرض، صار لزاما على كل الأطراف أن تضع قوة الجماهير وإرادتها ضمن حساباتها، لأن الزمن العربي تغير، ونحن الآن على أعتاب مرحلة جديدة.
فإذا كانت إسرائيل اليوم - كما رآها الكثير من المتابعين والمحللين - تعيش الآن مرحلة من أسوأ المراحل التي مرت بها، وكما اعترف "باراك" بهذا، وأنها معزولة دوليا، ولم تعد تتمتع بنفس الهالة الإعلامية التي طالما أحاطت بها نفسها، وهي تعيش مرحلة شبيهة بالمرحلة التي عاشها نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا في أيامه الأخيرة، فإن هذه الحقائق تعني أن الفرصة مواتية للبدء فورا ودون تأخير بتبني برنامج كفاحي فلسطيني على المستوى الشعبي والرسمي والفصائلي، بدعم وغطاء عربي يقوم على إستراتيجية مواجهة الاحتلال محليا بالمقاومة الشعبية، وبهجوم سياسي ودبلوماسي ميادينه كل الساحات الدولية. ولكن قبل هذا لا بد من إنجاز المصالحة وتنفيذ ما جاء في بنودها، والتحدث إلى العالم بخطاب موحد.
فإذا كانت المتغيرات الهامة التي ضربت منطقة الشرق الأوسط، قد أعادت الاعتبار لقوة الشعوب وفرضت على العالم أن يحترمها، فإن هذا يخلق مناخا سياسيا يمنح أي حراك سياسي على الساحة الدولية القوة التي طالما كان يفتقدها في السابق، بمعنى آخر على النظام العربي أن يلتقط الفرصة التاريخية ليس فقط على صعيد إعادة بناء نفسه من جديد على أسس جديدة، ولكن أيضا لجعل إسرائيل تدفع ثمن غطرستها وعدوانها.
وعلى الفلسطينيين أن يدركوا أن ما يحدث في إسرائيل وفي المنطقة العربية سيكون في صالحهم في جميع الأحوال، ولكن شريطة أن ينهوا خلافاتهم وأن يرتقوا إلى مستوى الحدث، وأن يضعوا المصلحة الوطنية فوق أي اعتبار آخر، وإلا فإن القادم سيكون الأسوأ.
هذه المقالة منشورة للكاتب على مجلة سياسات الصادرة عن معهد الساسات العامة - رام الله العدد 16 آب 2011

المصادر:
هآرتس في عددها الصادر في 8 أيار 2010.
الغد الأردنية بتاريخ 25-6-2010.
المقابلة بتاريخ 24-5-2011.
الأيام الفلسطينية بتاريخ 31-5-2011.
جريدة السفير 27/05/2011 العدد 11896.
مقابلة مع د. مصطفى البرغوثي في مكتبة في شباط 2011.
مقابلة مع د. نبيل شعث في مكتبه في نيسان 2011 .
الحياة الجديدة بتاريخ 20-5-2010.
الرابط: http://www.palnation.org/vb/showthread.php?p=2058.
الرابط على موقع عرب 48 : http://www.arabs48.com/?mod=articles&ID=64840.
اتصال هاتفي مع د. غسان الخطيب في حزيران 2010.
( كما نشرت صحيفة الثورة السورية في عددها الصادر في 7-1-2010 ).
تم نشر المقابلة على مجلة آفاق المستقبل الصادرة عن مركز الإمارات للأبحاث والدراسات الإستراتيجية- أبو ظبي، العدد 5 نيسان 2010.
الأيام بتاريخ 2-5-2010.
مقابلة مع د. سلام فياض في تشرين الأول 2009 ونشرت في مجلة آفاق المستقبل الصادرة عن مركز الإمارات للأبحاث والدراسات الإستراتيجية- أبو ظبي، عدد 4
مقابلة مع الناشطة نيتا غولاني في رام الله في تموز 2010.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن