دور السياسة الديمقراطية في بناء المجتمع الديمقراطي 1

محمد السينو

2011 / 8 / 24

شؤونُ السياسيةُ تختلف عن شؤونِ الدولة، بل ومتناقضةٌ معها لحدٍّ بعيد. بقدرِ ما تَتَّسِعُ وتتكاثَفُ الدولة، فالسياسةُ تَضيقُ وتتراخى بالمِثل. فالدولةُ تعني القواعد، بينما السياسةُ تعني الإبداع. الدولةُ تَحكُمُ الجاهز.
علاقةُ السلطةِ مع السياسةِ أكثرُ غموضاً. وربما أنّ السلطةَ إنكارٌ للسياسةِ أكثر من الدولةِ ذاتِها. فالسلطةُ مستقرةٌ بين المجتمعِ أكثر من الدولةِ بكثير في كلِّ الأوقات. وهذا بدورِه ما يَدُلُّ على مدى صعوبةِ ومَحدوديةِ مُزاوَلةِ السياسةِ في المجتمع. وفي نهايةِ المآل، فعلاقةُ السياسةِ مع السلطةِ تَمُّرُ دوماً بالتَّوَتُّرِ والحزازياتِ والعمليات.
لا خَيارَ أمامنا سوى تناوُلِ الموضوعِ بشكلٍ ملموسٍ أكثر. ذلك أنه لا يبقى للسياسةِ معنى، ما دامت لا تتحولُ إلى ممارسةٍ عملية. لقد عَمِلنا على تحليلِها في العديد من المواضيعِ المعنيةِ بالمجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسي. ولو أننا نَبذلُ جهودَنا لِعَدمِ الإفراطِ في التكرار، إلا أننا نصبحُ مُرغَمين عليه مرةً أخرى. المجتمعُ ظاهرةٌ أو طبيعةٌ سياسية، تماماً مثلما الحالُ في الأخلاقِ أيضاً. إنه سياسيٌّ بوصفِه طبيعةً اجتماعية، لا بمعنى نشاطاتِ الدولةِ الرسميةِ حسبَما يُعتَقَد. فإنْ كانت وظيفةُ الأخلاقِ ممارسةَ أفضلِ الأعمال، فوظيفةُ السياسةِ إيجادُ أفضلِ الأعمال. إذا ما انتَبَهنا، فالسياسةُ تَحمِلُ البُعدَ الأخلاقيّ، بل وما يتعدّاه أيضاً. فإيجادُ الأعمالِ الحسنةِ ليس سهلاً. بل يتطلب معرفةَ الأعمالِ على خيرِ وجه، أي يتطلبُ المعرفةَ والعلم، إلى جانبِ أنه يقتضي الإيجادَ، أي البحث. وإذ ما أُدرِجَ مصطلحُ الفاضلِ الحَسَنِ إلى ذلك، فإنه يتطلبُ معرفةَ الأخلاقِ أيضاً. كما يُلاحَظ، فالسياسةُ فنٌّ جدُّ عسير. والضلالُ الهامُّ المَوقوعُ فيه هو التفكيرُ بالسياسةِ بالتداخلِ مع المصطلحاتِ ذات الأحجامِ الكبيرةِ من قَبيلِ الدولة، الإمبراطورية، السلالة، الأمة، الشركة، والطبقة وغيرها. أي أنّ التفكيرَ بالسياسةِ بالتداخُلِ مع تلك، أو مع مثيلاتها من الظواهرِ والمصطلحاتِ قد يَحُطُّ من مستوى معناها. السياسةُ الحقيقيةُ مخفيةٌ في تعريفِها. إذ ما مِن مجموعةٍ اصطلاحيةٍ يُمكِنها إيضاحَ مصالحِ المجتمعِ الحياتيةِ سوى الحرية والمساواة والديمقراطية. إذن، والحالُ هذه، فالسياسةُ أساساً تعني ممارسةَ الحريةِ والمساواةِ والدَّمَقرَطَةِ في سبيل استمرارِ المجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسيِّ بماهيته تلك تحت كلِّ الظروفِ والشروط.
كانت أثينا وروما في العصر القديم تنتهلان شهرتَهما من قوتهما السياسية. فإنْ كانت روما الجمهورية وديمقراطيةُ أثينا لا تزالان تُستَذكَران بإعجابٍ إلى الآن رغم كلِّ المحدوديات، فالعاملُ الأوليُّ في ذلك يُعزى إلى مزاولتهما سياسةَ المدينةِ بمهارةٍ كبرى. لقد تَمَكَّنَت أثينا بسياستِها المدينيةِ من مواجَهَةِ الإمبراطوريةِ البرسيةِ العملاقةِ وإلحاقِ الهزيمةِ بها. أما روما، فتمكنت من التحولِ إلى مركزٍ عالميٍّ بسياستها الجمهورية. والأهمّ من كل ذلك أنّ سياسةَ كلتا المدينتَين لَعِبَت دوراً مُعَيِّناً في تنامي الثقافةِ الإغريقيةِ – الرومانية.
مثالُ بابل أكثرُ لفتاً للأنظار. بل وربما بالمقدورِ عرضَه كأولِ مثالٍ عظيمٍ فيما يخص استقلاليةَ المدينةِ أو شبهَ استقلالها. إذ أَبدَت كلَّ مهاراتها وكفاءاتها في سياسةِ الاستقلالِ وشبهِ الاستقلال بهدفِ عدمِ الوقوعِ تحت نِيرِ قوى السلطاتِ والدولِ المجاورةِ الأقوى. واستطاعت الصمودَ بسياساتها البارعةِ هذه في وجهِ كلِّ الإمبراطورياتِ الشهيرةِ المُعاصِرةِ لها تاريخياً، بدءاً من الآشوريين إلى الحثيين، ومن الكاسيين إلى الميتانيين، ومن البرسيين إلى الإسكندر. ومن خلالِ العلمِ والفنِّ والصناعةِ التي طوَّرَتها، تَمَكَّنَت من التحولِ إلى مركزِ جذبٍ كأطولِ مدنيةٍ عمراً في عهدها (منذ 2000 ق.م. حتى السنين الميلادية). لا شك أنّ لسياسةِ المدينةِ التي اقتَدت بها دورُها المُحَدِّدُ في ذلك. ساطعٌ أنها تتصدرُ الأمثلةَ الملفتةَ للنظر، والتي تُبَرهِنُ كونَ السياسةِ حريةً وإبداعاً. هذا ويمكننا اعتبارَ قرطاجة وبالميرا ضمن الأمثلة التي مِن هذا القبيل. فمثلما صَمَدَت قرطاجةُ بسياستها في المقاومةِ ردحاً طويلاً من الزمن تجاه هيمنةِ روما، فقد استمرت بنمائها البارعِ أيضاً عبرها. لكنها لَم تَخلُصْ مِن تَكَبُّدِ الخسارةِ منذ أنْ تَشَبَّثَت بالتحولِ إلى إمبراطوريةٍ كروما. ذلك أنّ التحولَ إلى إمبراطورية أمرٌ معاكِسٌ لسياسةِ المقاومة، بل وهو إنكارُ السياسة. والنتيجةُ هي الخسرانُ المأساوي. بالميرا أيضاً شَهِدَت عهداً مشابهاً. فبالميرا الشهيرةُ، التي ربما تأتي بعدَ بابل في المنطقة على صعيدِ تَمَكُّنِها من النماءِ بالأكثر والبقاءِ مستقلةً أو شبهَ مستقلةٍ لأطولِ مدة (300 ق.م – 270م)، لَم تتخلصْ من مواجهةِ النهايةِ المأساوية، عندما تَخَلَّت عن سياستِها في التوازنِ وشبهِ الاستقلاليةِ تجاه الإمبراطوريتَين الرومانية والبرسية – الساسانية (خلال أعوام 270م في عهدِ مَلِكَتِها زنوبيا الذائعةِ الصيت). لقد سَرَدَت مأساةُ بالميرا للعيانِ كإحدى الأمثلةِ الضاربةِ للنظر أنّ المقاومةَ في سبيلِ الحريةِ تؤدي إلى النصر، بينما حبُّ السلطةِ يؤدي إلى الكارثة.
لا توجد في التاريخ سياسةُ المدينةِ وحسب في وجه قوى المدنية، بل وثمة عددٌ لا حصر له من المقاومات التي أبدَتها المجموعاتُ الاجتماعيةُ البارزةُ وربما بما يُضاهي الأولى، بهدفِ بقائها قوةً سياسيةً شبهَ مستقلةٍ من قبيل القبائل والعشائر والجماعات الدينيةِ والمدارس الفلسفية وغيرها. وقد تَكُونُ قصةُ القبيلةِ العبريةِ بخصوصِ شبهِ الاستقلالية على مدى ثلاثةِ آلاف وخمسمائةِ عام بأكملها (1600 ق.م وحتى يومنا الراهن) من أشهرِ الأمثلة. إذ أدت سياسةُ شبهِ الاستقلالِ للقبيلةِ العبريةِ دوراً مُعَيِّناً في كونِ اليهودِ جدَّ أثرياء وجدَّ بارعين تاريخياً بل وراهناً بالأكثر. حيث ظَهَرَت مذاهبُ المقاومةِ الباسلةِ للغاية مقابلَ تحويلِ الدينِ الإسلاميِّ إلى وسيلةٍ للإمبراطوريةِ والسلطة. والمذهبان العَلَوِيُّ والخوارج إنما يَعكِسان سياساتِ الحياةِ شبهِ المستقلةِ للقبائل والعشائر. وانطلاقاتُ المذاهبِ المعارِضةِ للسيادةِ السُّنِّيَّةِ وتقاليدِ السَّلطَنَة، والمُشاهَدَةُ برواجٍ شائعٍ في بنيةِ كلِّ قوم، ليست في مضمونها سوى محصلةٌ لسياساتِ شعوبِ العشائر والقبائل المتطلعةِ إلى المقاومةِ والحرية. إنها ضربٌ مِن أولى حركاتِ الشعوبِ في الحريةِ والاستقلالِ في وجهِ استعمارِ الإسلامِ السُّنِّيّ. هذا ويوجد عدد جمٌّ من مذاهِبِ المقاومةِ الشبيهةِ في المسيحيةِ والموسويةِ أيضاً. وقد حَفِلَت العصورُ الوسطى على طولِ مسارها بهكذا نضالاتٍ محليةٍ ومدينيةٍ وقبائليةٍ وكجماعاتٍ دينيةٍ في سبيلِ سياسةِ الحريةِ وشبهِ الاستقلال. فحياةُ الأديرةِ المُقاوِمةٍ على مدى ثلاثةِ قرونٍ برمتها بمنوالٍ شبهِ خَفِيٍّ لأولى الجماعاتِ المسيحيةِ قد أدت دوراً رئيسياً في تهيئةِ أرضيةِ المدنيةِ المعاصرة. كما أن سياساتِ شبهِ الاستقلالِ للمدارسِ الفلسفيةِ اليونانيةِ في العصورِ القديمةِ لعبت دورها في إعدادِ بنيةِ العلمِ الأوليّة. والشعوبُ والأممُ البالغةُ يومَنا الحاضرَ مَدينةٌ بهذه الحقيقةِ بالأكثر لأسلافِها من القبائلِ والعشائرِ المقاوِمةِ لمئاتِ بل وآلافِ السنين على ذرى الجبالِ وفي أواسطِ الصحارى والبوادي.
وما حركاتُ التحررِ الوطنيِّ في التاريخِ المعاصرِ سوى استمرارٌ لتلك التقاليد. حيث أنّ الهدفَ الذي هَرَعَت جميعُها وراءَه هو الاستقلالُ السياسيّ، وإنْ كان مُحَرَّفاً على شكلِ دولةٍ مستقلة. أما تحريفُ الليبراليةِ للاستقلالِ السياسيِّ بتحويله إلى استقلالِ الدولةِ القوميةِ المزيف، فيعني الاستمرارَ بتقاليدِ مقاومةٍ سياسيةٍ جدِّ هامة، بالرغمِ من كبحِها جماحَ السياسةِ عن أداءِ وظيفتِها الحقيقية.
بالإمكان تحليلَ المعنى السوسيولوجيّ لهذه الحقيقة. فبقدرِ ما تنتشِرُ السلطةُ بين جميعِ وحداتِ ومُكَوِّناتِ وأفرادِ المجتمع، فإنّ الوحداتِ والأفرادَ يشرعون حينها بالمقاوَمةِ بنفسِ القدر. ذلك أنّ السلطةَ دياليكتيكياً تخلق المقاومةَ في كلِّ وحدةٍ وفردٍ تتسلَّلُ فيه. حيث عندما تستند إلى كلِّ وحدةٍ وفردٍ وهي مشحونةٌ بالقمع والاضطهادِ والتعذيب، فإنّ عدمَ ملاحَظةَ المقاومةِ تجاهها أمرٌ مخالفٌ لحقيقةِ سياقِ الطبيعةِ الكونيّ. وحقيقةُ السلطةِ العصريةِ اختلفَت للغاية عن حقيقةِ سلطةِ أيِّ عصرٍ تاريخيٍّ آخر. فشبكاتُ الرأسماليةِ المُسَلَّطَةُ على اقتصادِ العالمِ بأكمله كاحتكاراتِ رأسِ المال، قد أَكمَلَت انتشارَها بالمستوى الذي يُخَوِّلُها لكسبِ الربحِ الأعظمي، ولَم تَبقَ زاويةٌ واحدةٌ لِتَنتَشِرَ فيها. فضلاً عن أنه إذ ما وَضَعنا الأزمةَ الأيكولوجيةَ أيضاً في الحُسبان، فسنرى أنها لَم تَترُكْ أُسرَةً أو كلاناً واحدةً فقط إلا وتَغلغَلَت فيها حتى الأعماق. ونتائجُ القوانين ذاتِ الطابعِ الرأسماليِّ للصناعويةِ وَصَلَت بالدمارِ الذي خَلَقَته في بنيةِ المجتمعِ الداخليةِ والمحيطةِ به إلى المستوى الكارثيّ. والدولةُ القوميةُ لَم تَتركْ ولو مُواطِناً واحداً إلا وتَسَلَّلَت فيه وبَسَطَت هيمنتَها عليه كقوةٍ إلهيةٍ هي الأعتى تاريخياً. ما مِن عهدٍ مثيلٍ لهذا في التاريخ. وأنطوني غيدنز مُحِقُّ في هذه النقطةِ لدى قوله بانعدامِ النظير.
لا يمكننا العملَ بشكلٍ صحيحٍ على أيةِ وظيفةٍ سياسية، ما لَم نَتَعَرَّفْ بنحوٍ سليمٍ على واقعِ السلطةِ ذاك، والذي سَعَينا لتعريفه بالخطوطِ العريضةِ للحداثة. لِنَتَذَكَّرْ التجربةَ السوفييتية، بل وحتى أطوارَ الاشتراكيةِ المشيدةِ الأسبقَ منها. فمقابلَ الرأسماليةِ هناك ميولُ النقاباتِ العُمّالية (شِحادةُ الأَجر)، ومقابلَ الصناعويةِ هناك الصناعويةُ الأكثرَ تطوراً، ومقابلَ الدولتيةِ القوميةِ المركزيةِ هناك الدولتيةُ القوميةُ المركزيةُ الأكثر تَطوراً. وباختصار، فالسلطةُ مقابلَ السلطة، والنارُ مقابلَ النار، والديكتاتوريةُ مقابلَ الديكتاتورية، ورأسماليةُ الدولةِ مقابلَ الرأسماليةِ الخاصة، وما شابه ذلك؛ إنما تَكُونُ في نهايةِ المآلِ قد تَفَسَّخَت داخلياً تحت وطأةِ أجهزةِ السلطةِ العملاقةِ التي لا تُطاق. ومذهبُ الاشتراكيةِ المشيدة (الرأسمالية اليسارية) لَم يُمارِسْ السياسةَ فقط تجاه السلطةِ من خلالِ هذا السبيل، بل وطَبَّقَ السلطةَ أيضاً مقابلَ السياسة. وقراءةُ تاريخِ حزبهم تكفي لرؤيةِ ذلك. في حين أنّ المذهبَ الديمقراطيَّ الاجتماعيّ (رأسمالية الخطِ الوسط) قام بإصلاحِ السلطةِ مُعَزِّزاً إياها أكثر. وقراءةُ التاريخِ الحزبيِّ للأمثلةِ الأوروبيةِ تكفي لرؤيةِ ذلك. أما مذهبُ الحركاتِ التحرريةِ الوطنية (الرأسمالية اليمينية)، فتحَوَّلَ إلى دولةٍ قوميةٍ على الفور، ليؤديَ دوراً رئيسياً في نشرِ الرأسماليةِ في أرجاءِ العالَم. كنتُ قد فَسَّرتُ سابقاً المضادّين الآخَرين للنظام، والباقين خارجَ نطاقِ هذه المذاهبِ الثلاثة. تتجسدُ أخطاءُهم ونواقصُهم الجديةُ للغاية في أنهم إما تَشَبَّثوا بجزءٍ من السلطة (بالدولةِ القومية) تجاه السلطةِ ذاتها، أو تَرَكوا الميدانَ خاوياً كلياً مقابلَ السلطة (وبالأخص الفوضويون)، أو أنهم تماطلوا وتَلاهَوا بمنظماتِ المجتمعِ المدني. وأيٌّ منهم لا يحتوي على الوعيِ الممنهَجِ للسلطةِ أو على مهارةِ إبداعِ السياسةِ البديلة، بل ولا يَرَون داعياً لذلك. وبينما يَتَخَلّون عن السياسةِ بكلِّ أبعادِها لِوُسَطاءِ السلطة، فهم غافِلون عن كونهم يَقولون آمين لدعاءٍ لا أساسَ له. وما يتبقى من الأمرِ هو الوساطةُ المستفيدةُ من أزمةِ الرأسماليةِ والكونيةِ المطلقة، وهذا ما ليس بدواءٍ ناجعٍ، ولا يمكن أنْ يَكُونَ كذلك في أيِّ مكانٍ كان.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن