التوريث السياسي..خط بياني للاستبداد المعاصر

وليدالجنابي
waleedeljanaby@yahoo.c0m

2011 / 8 / 18

شهد العالم العربي وبالذات خلال القرن العشرين أساليب جديدة في نظام الحكم تتمثل بالتوريث السياسي ..أنها حالة ليست جديدة بل هي قديمة جديدة.. فالتوريث لايقتصر على النظام السياسي بل يتداخل حتى في الشأن الاجتماعي وبالذات العشائري و الديني .. كانت القواعد الدارجة في التاريخ السياسي العربي ولقرون طويلة تقضي باستمرارحكم العائلة اوالقبيلة من خلال السلالة في الملك أو الملكية, بينما كان الشعب هو الاستثناء, فالثابت( في الحكم) هو العائلة والمتغير هو السلالة ..أي سلالة الشعب, أي الشعب المستبعد من السلطة وحق الاختياروقد مر القرن العشرين تحت شعارين هما تحرير الأوطان وتكوين الدولة مع تباين التوجهات للحكم ما بين القومي والإسلامي والماركسي, وقد كان النموذج الملكي هو الأغلب في المرحلة الأولي من القرن الماضي, والجمهوري هو الأغلب في المرحلة الثانية.(1)
وخلق ذلك ألقابا جديدة للحاكم المستبد وعنوانا جديداللقادة العرب اصبحت تليق بهم ..وهي الصفة السياسية المناسبة , باعتبار أن تصنيفات الأنظمة السياسية التي أتعبت منظري الفكر السياسي منذ أرسطو إلى جورج بوردو, لا تعني شيئا لهؤلاء الزعماء طالما أن أنظمتهم تشترك في كل الصفات بما في ذلك التوريث السياسي بصرف النظر عن التسمية الرسمية لشكل السلطة أو جوهرها..
إن فلسفة التوريث تقوم على التوصيل المتوارث للسلطة عائليا أو حزبيا أو قوميا أو طائفيا مع تجنب التواصل السياسي الحقيقي في ظل ديمقراطية حقيقية يدعمها دستور وطني مستقر يمثل السقف الوطني لعموم الشعب بهدف الاستمرار أو الديمومة ...فإلى جانب التوريث المعروف في المفهوم الشرعي والقانوني هناك التوريث المرتبط بالتنظيم الديني ومن ضمنه الطائفي بجحة الاكثرية وهو التوريث الأخطر للسلطة أو الزعامة فمن الدولة الى الحزب والطائفة والقومية والمناطقية والقرية الى القبيلة والعائلة كل ذالك سمات بارزة للتوريث..ذلك قد تنحصر بشكل نسبي في الانظمة الملكية والاميرية والامبراطورية ثم اتسعت الى قوام أخر من التوريث هو التوريث الجمهوري وحتى الشعبي الذي يتاتى من صناديق الاقتراع ..
البعض يعتبر التوريث ظاهرة اجتماعية حضارية وعالمية بل وضرورية أحيانا ولكن الخلاف يدور حول أشكالها وشروطها في المجتمع وأعرافه وفي الدولة ودستورها وقوانينها...والبعض الاخر يتكأ على التوريث لا صدار تبعاته وتخلفه السياسي الي مؤسسات السلطة والدولة لتحقيق مأرب نفعية ذاتية..او لنسف المفهوم السياسي السلطة والدولة معا وتحويلها الى ضيعة نفعية وفق مأربه.. فالتوريث يشكل ظاهرة متصلة جذرياً بطغيان الجنس البشري الحاكم انه أشبه ما يكون بإخطبوط مزمن في العديد من المجتمعات العربية.. لا يخلو من تعقيدات لكنه كإبرة متعددة الخروم يخرج منها أجيال من الوارثون يراودهم شعور بديمومة السلطة والقوة والامتيازات وهم لا يخفون ذلك ويتباهون بها بصرف النظر عن قدراتهم على النجاح أو الفشل في إدارة شؤون الحكم الذي يعتبرونه مورثوهم المادي والمصيري... بالمقابل السواد الأعظم يعاني من الحرمان والظلم والاستعباد ...
اليوم الحاكم وليس الشعب هو الوارث السياسي للسلطه أو الدوله بمساعدة حزبه أوبطانته ولو امعنا الواقع السوسيولوجي العربي لايقنا انه يقدم تماثلا او نقضاً صريحاً لهذه المقولة وقد يوفر للشعب نماذج وراثية سياسية ناجحة ومواكبة لحركة الحياة ونماذج أخرى غير ناجحة وفاسدة ولا تصلح أن تكون متاحة ...فكيف يمكن فهم ظاهرة التوارث السياسي المختلفة الأشكال في الدول العربية في عصرنا الراهن؟ وما مدى إمكانية نجاحها على أرض الواقع؟ وبم يتمثل نجاحها او فشلها؟ إنها تتطلب منا دراسة الواقع العربي بجدية وإمعان على ضوء تناوله نماذج لنظم سياسية عربية تجلت فيها ظاهرة التوريث السياسي بجميع أشكالها... فالعالم يسير في اتجاه، ونحن نسير في اتجاه معاكس. الديمقراطية والانفتاح ألسياسيي والتطور العلمي والتقني تنتشر في كل بقاع الأرض وقد أصبحت أداة قياس جودة وجدية النظام السياسي رغم بعض مثالبه.. ففي بلداننا يتكرس الاستبداد وتنتشر الأوتوقراطيات فكلما تترسخ دعوات التسامح والاعتراف بالتعدديات بانواعها نرتكس إلى كل أنواع الطائفيات وأيديولوجيات الإقصاء والتسقيط السياسي والاخلاقي والاجتماعي ونوظف كل ماوصلت إليه تكنولوجيا الاتصال الحديث للتشبث بكل ما هو قديم بل ونستخدم المنظومات العلمية والفكرية المتطورة للتنمر على بعضنا البعض وإقصاء...بل تضيق خياراتنا السياسية والثقافية وتنحصر بين تأييد دكتاتوريات فاسدة مستبدة وأحزاب إيديولوجية عفنها الزمن لأنها لم تحقق شيء من برامجها .. أوتأييد أصوليات طائفية متعصبة تفرض السوط والاتاوة على الشعب... (2)
كارثة الكوارث أن وضعنا المُتردي والذي لا يحتاج إلى شواهد إضافية لإثباته لم يتم تشخيصه وتحليله إلى كل عناصره الأولية لكن من دون فائدة... فتقارير التنمية الإنسانية العربية ثم التقارير المختلفة التي تبعتها وفككت جوانب من التردي السياسي والثقافي والمعرفي والعلمي العربي..قدمت توصيات وخلاصات لباحثين وخبراء أضاعوا سنوات وعقودا من أوقاتهم كي يقدموا للسياسيين من صانعي القرار و ما يجب أن يسترشدو به في اتخاذ القرارات المطلوبة.. .ولكن الذي حصل اننا تراجعنا ولم نتقدم على أي صعيد وحتى درجة تردينا ثابتة بل اخذت تنحدر نحو الاسوء .. كلها بسبب الديكتاتوريات والتوريث السياسي الذي يفكر ويقود بعقلية القبلي وليس السياسي الديمقراطي المتحضر..ومما اسهم في تعميق ذلك ان وسائل إعلامنا لاتمتلك الشجاعة في مناقشة القضايا الحساسة وتعرية الفساد السلطوي والمفسدين ومحاربة الطغيان المتوارث.. وعوض أن نفتح كل الملفات بوضوح نظل ندور في جدل فارغ يتسم بالعموميات ولا نقترب من جوهر أي قضية.. ذلك نناقش ما يحيط بنا باجتماعات مزيفة تغدق عليها المليارات من اموال الشعب وبالنتيجة نغرق كل يوم..ييحارمن المشاكل المتفاقمة ..اذن لماذا نحن سرياليين إلى هذا الحد.. لماذا نخشى مواجهة مشاكلنا المتفاقمة ؟ لماذا نخشى التوريث السياسي الذي يورث بدوره الدكتاتوريات والطائفيات والاضطهاد المجتمعي للمواطن بعمومياته من اضطهاد المرأة والطفولة وابسط حقوق الإنسان الى الطغيان الذي اصبح عونا لتغذية مستديمة للصراعات القبلية والطائفية الدينية والسياسية و التخلف العلمي والثقافي والأمية الفاضحة والخطف والانحلال الأخلاقي.. هذه هي بعض نتائج التوريث السياسي..التي تؤدي بالنتيجة الى تخمة وفساد وطغيان عائلات السياسيين الطغاة وأبنائهم وزوجاتهم وأصهارهم وأقاربهم ومتزلفيهم من المنتفعين والمنافقين والسيطرة على مقدرات وثروات البلدان..
بالأمس كانت الشعوب العربية قطيعاً من النعام رؤوسه مدفونة في الرمال ومؤخراته مكشوفة في الهواء وهي مرتاحة لجهلها وتجاهلها لعقود طويلة رغم كل المخاطر المحدقة بها..لكن لم يكن ذلك السبات سمة فارقة في تاريخ تلك الشعوب بل كانت الثورات ومحاسبة الطغاة هي السمة الدالة والحاسمة في حياة الشعوب العربية اليوم..
التوريث السياسي اصبح اليوم سرطانا ينخر جسد العالم العربي.فالحاكم السياسي وبدعم من بطانته هوالملاك الذي يتصور نفسه "المؤمن المؤتمن من قبل الله على حاضر ومستقبل أبناءه وليس بلده أو شعبه.. لا يتخيل أن تفلت السلطة من يده وعائلته المقدسة ويصر على نقل السلطة للأبناء الذين عجزت الأوطان(في نظر الحاكم) عن إنجاب نظرائهم. لقد تحولت اغلب الدول العربية إلى إقطاعيات تابعة لطغاة يعيشون بعقلية العصور الوسطى ولا علاقة لها بالعصر الحديث. العبقرية الوحيدة المشهود لها بوفرة تتمثل في كيفية تحويل وتحوير أي منتج علمي أو حداثي أو معرفي أو تكنولوجي حديث ليخدم آليات السلطة المتخلفة واعادة إنتاجها وتكريسها بما يضمن ديمومة الاستمرارعلى حساب مصالح الشعب.. فمثلا: فكرة "الدولة_ الأمة_ الشعب الوطنية وحتى"السيادة كلها تحوّلت إلى مجرد "مزرعة"ملحقة بحديقة الحاكم الذي يتحكم فيها ينقل السيطرة عليها إلى الابن او الحزب او الطائفة متى يشاء او يشعر بالضعف والهزيمة ..
في بلدان أكثر فقراً من البلدان العربية فقيرة باقتصادها وحضارتها قفزت فكرة التطورالى مراحل متقدمة في حياة شعوبها فالخصخصة وتحرير القطاع العام بآليات وواعتماد التخطيط العلمي المتطور لاقتصادياتها أدى إلى ولوجها الى مستويات عالية انعكست على توسيع رقعة الرفاه الاجتماعي ورفع القدرة الشرائية للشعب والتطور الاقتصادي بشقيه الأساسيين الزراعة والصناعة..كل ذلك نتيجة نبذ التوريث واعتماد مبدأ الكفاءة والشراكة الحقيقية لكل ألمواطنين وتطوير السلوك الديمقراطي للفرد والمجتمع أولا وبناءه يشكل سليم ورفد مفاصل الدولة وقياداتها بالعناصر التي تجمع الكفاءة والوطنية والاعتماد الديمقراطي الحقيقي وليس الانتقائي أو الاستهلاكي..
لقد تحولت السلطة في اقطارنا العربية الى آلية للاستثمار السياسي ولتوسيع دوائر النهب ومنح المحظيين والأقرباء فرصاً إضافية للغنى غير المشروع.
حتى العلوم الصرفة كفكرة تكنولوجيا الإعلام أو الاتصال أو علوم الجينات او أي تطور تكنولوجي أخر فلم تسلم بل تم إدخالها إلى مصانع "التحويل والتحوير" وتم تفريغها من أي جانب إيجابي يخدم البشر العاديين من أبناء الشعب وأعيد إنتاجه ليكون في خدمة النخبة الحاكمة المتوارثة للسلطة ..أما فكرة "حقوق الإنسان" والمنظمات غير الحكومية لننظر كيف تم احتواء هذه الأفكار والمنظمات وأصبحت حكوماتنا العربية المُستبدة وأنظمتها هي حاملة لواء الدفاع عن حقوق الإنسان والتباكي عليه والحقيقة اضطهاد حقوق الإنسان والعبث بكرامته وشرفه وحتى حياته..
كيف يمكن أن نفسر شيوع فكرة "التوريث السياسي" في المنطقة العربية وفي أي إطار تحليلي منطقي أو فلسفي أو علمي أو سياسي براغماتي يمكن استيعابها ...
إن الطغاة المستبدين ينظرون إلى الشعب على انه جموع من المُعاقين؟ فاستبدادهم يوحي لنا بالتساؤل ؟ هل خلت الشعوب من أية شخصيات أو قيادات تستحق المنصب.. ولماذا يتغير الدستور كل عدة سنوات على مقاسات ورثة الحكام ليفسح الترشح لدورات جديدة .. يتناسل سيل الأسئلة ولا جواب على أي منها سوى أن هذه هي معالم مسيرة الانحطاط وسنظل نرى منها الكثير طالما بقينا نسير فيها بثبات ورسوخ نحو الهاوية والسقوط..
خصائص التوريث السياسي:
أن أنظمة الحكم الوراثية تحكم الشعب بالسلاح( القوة ـ قهر وقمع) وبالمال( العطايا والمكارم_ منح وتوظيف وتعيينات) ومن ثم تبدو التقسيمات السلطوية داخل مجتمعاتها مرتبطة عضويا وفق مصطلح البني المؤسساتية ومن هنا انقسم العالم إلى رؤية ذوحدين فمنهم من يرى ان الشعب ينتج السلطة والاخريرى أن السلطة هي التي تنتج الشعب.
ومن هنا تنطلق فكرة التوريث السياسي في العالم العربي من رغبة أو قرار المورث واستجابة المورثين, وكأنه عقد زواج يتضمن القبول والإيجاب فالأمر في النهاية نتاج قرار الحاكم ووريثه واستجابة الشعب.. والخيار دائما بين أمرين إما بين الفوضى الخلاقة والاستقرار.
وتتسم الأنظمة المنتجة للتوريث السياسي بعدة سمات أبرزها: تسييس الدين ـ وتحول رجال الدين إلى ساسة واستخدامهم في تنفيذ أجندة السلطة كما تعمل هذه الأنظمة على تضليل العقل الجمعي بعد تعطيله سواء بالقمع أو بالخرافات أو بالفهم الخاطئ للإسلام .. وللحكّام العرب نظرة فريدة من نوعها للدين فهم أصحاب افكارعلمانية من الصنع المحلّي تتمثّل ليس في الفصل بين الدين والدولة او السلطة وإنما في تأميم الإسلام وتدجينه وجعله في خدمة النظام الحاكم يدور معه حيث دار فهو هنا يختار الدين الليبرالي ممزوجا بالتوجه الإسلامي وبشعارات دينية لاغبار عليها وفق مصالح الحاكم وذلك عبر طبقة من " رجال الدين " المتفانين في إرضاء السلطة لأنّهم مجرّد موظفين عندها منتفعين من بركاتها ..يهمهم رضاها أولا وأخيرا ولهم غرائب ونوادر في فتاوى ماانزل الله بها من سلطان حتى دفع البعض إلى القول عن رئيس دولته لو كان الأمر لي لقلت إنه لا يسأل عمّا يفعل ... ويرى البعض أنّ طاعة الحاكم واجبة شرعا مهما انحرف وظلم وطغى وبغى " درءا للفتنة? " ... أمّا علماء الدين الراسخون المتخندقون مع شعوبهم فهم في نظر الحكّام وعلمائهم " متطرّفون.. خونة.. جهّال و رؤوس فتنة ..."و يحضرني هنا قول للكاتب اللبناني خليل أحمد خليل في كتابه( التوريث السياسي في الأنظمة الجمهورية العربية), إنه لفهم هذه الظاهرة فيجب ابتداء الانطلاق من ظاهرة المجتمعات العربية السياسية معا, والتدقيق في مهنة كل من رجل الدين ورجل السياسة في المجتمعات العربية, فهناك عائلات ذات صلة بالسياسة ولو بالتبعية, وهناك عائلات سياسية ذات صلة برجال الدين ولو من قبيل الاستقطاب والاحتواء, فكلا الطرفين يسعي الي أن يفرض سلطانا مركبا في مجتمعه.. سلطة في المجتمع, وسلطانا علي الدولة. ويضيف: إنه برغم استحالة تكرار الفرد( الرئيس هنا) نفسه مع التحولات والمتغيرات السياسية وتعاقب الأجيال رفض الإجماع( الشعبي) وبعوامل الصراع والشرعية والمتغيرات, حيث تقوم فلسفة الوراثة السياسية علي أن الرعية( الشعب) ملك شخصي, وأن المواطن موظف لدي الوارث والوريث, ويؤخذ كما تؤخذ الغنائم والأسلاب, وأن الشعب لا يختار حاكمه ولا حتى ينقده أو يغيره.(3)
ويجتهد الكثير من الحكام في تفسيره إلى رفض التخلي عن السلطة بالوسائل السلمية واعتبار الزعامة مدى الحياة من خلال شعار (ا لحكم من القصر إلى القبر). ففي سبيل الزعامة مدى الحياة يتلاعبون بالدساتير التي وضعوها بأنفسهم وعلى مقاسهم ويفسرون بنود الدستور وفق أهواءهم ورغباتهم السياسية ويسخرون القضاء ومؤسساته القانونية الى دعمهم وتبرير اجتهاداتهم ورغباتهم وترك الباب مفتوحا للتجديد والتمديد.
وما ينتج عن ذلك إيهام الجماهير إن السلطة منتخبة وقد جاءت عبر المؤسسة القانونية والبوابة الديمقراطية لغرض ديمومة التوريث وا لنظر إلي الشعب باعتباره عقارا موروثا دون أي احترام لحريته واستقلاله وحقوقه .
ومن سمات الاستبداد والتوريث الاعتماد على ألأجهزة البوليسية والقمعية واستخدام التصنت ووسائل الإعلام والثقافة الغيبية والتضليل والقمع والقهر السياسي والثقافي والفكري…كي تحافظ هذه الأنظمة علي تخلف نخبها الحاكمة في جميع مؤسسات الدولة وتدجين شعوبها للاستمرار في مواقعها إلي أطول مدى ممكن.

وللاستبداد وطغاته مصانع لتصنيع الأتباع علي أساس الولاء والجهل والطاعة العمياء وتوظيف أفراد يدعون النخبوية في مؤسسات تشكيل الوعي الجماهيري_ الإعلام والتعليم ومؤسسة الأمن( لأغراض القمع في حالة الرفض) ومكافأة الأطوع بامتيازات مستديمة ومن ثم تتحول المؤسسات المعنية بالعلاقة بين الشعب و الدولة إلي مؤسسات عائلية..
إن هذه الأنظمة تخدم المصالح التي توجهها إليها عولمة النخبة مقابل المصالح التي تديرها النخب الحاكمة( أو اللا نخبة) لحسابها وتتبني التوريث التي تظهر مشاريعها عندما يسعي الحاكم الي تكرار نفسه بالتوريث لستر عيوب تجربته وللحيلولة دون محاسبته علي ما فعل ببلده وبشعبه ومستقبلهما تحت شعارات مواصلة المسيرة. .
لقد ابدع الحكام العرب في علم السياسة وعالم التوريث.. عندما رأى النظام الرسمي العربي أن عمر الزعيم الأوحد محدود فأنشأ نظرية فلسفية جديدة للسلطة الوراثية وطبّقها وبشر بها واعتنقها أقطابه بقناعة تامة...
كما ابتكر هؤلاء الحكّام ديمقراطية بلا لون ولا طعم ولا رائحة أحيانا.. هي الديمقراطية المزيفة والمستوردة فهي تعجّ بالأحزاب السياسية المهلهلة وتجري انتخابات دورية تكلّف الخزينة المليارات (و هي حرّة ونزيهة دائما ) وقد يتابعها " مراقبون نزهاء " وشهود يطلعون على العملية الانتخابية ولا يفقهون مايدور في رحاها فهي انتخابات رتيبة لا مجال معها لأية مفاجأة…والنتيجة واحدة ومعروفة اكتساح الرئيس والحزب أو الطائفة الفوز الساحق دون منازع والادعاء بأحقيتهم السياسية ديمقراطيا.(4)

إنها الديمقراطية المنشودة بالنسبة لهم ...ترتكز على ثوابت يحرم المساس بها ..فالأحزاب يمكنها أن تتكاثر وتصرخ وتشجب بشرط ألا تصل إلى سدّة الحكم أبدا .. فهذه مهمّة الحزب الحاكم دون سواه بل ملكه الموروث الذي لايجوز التجاوز عليه لان تسيير شؤون البلد لا يتقنه غيره..
أما الحريات الأساسية وحقوق الإنسان فهي مصانة من دون شكّ ولكن بالمفهوم ألمخابراتي والرؤية البوليسية ..وحتى بعض الحكومات العربية قد رفعت نسبة احترامها للانسان وحقوقه اذ جعلت لحقوق الإنسان وزارة مستقلة واصبحت تلك الحقوق تدرّس كمادّة إجبارية في المنظومة التربوية والقانونية..لكن هل هناك أي نوع من التسامح مع دعاة الحرية والحقوق الانسانية.. وهل هناك تراخيص حقيقية او حرمة للاجتماعات والتظاهرات والمسيرات والاعتصامات؟ ام ان السلطة تفسرها على انها أعمال شغب تتولّى تنظيمها شرذمة من الحقودين على الوطن المزدهر في ظل زعيمه الأبدي الاوحد..
لقد أدت سياسات التوريث إلى جعل الشعوب العربية تتمرد على هؤلاء حد الكفر بهؤلاء الحكّام وإبداعاتهم وفقهائهم وبدأت تمزيق شرنقة السبات الطويل وإعادة ترتيب الأنشطة الثورية لوضع نهاية عصر هذه الآلهة البشرية المتسلّطة لإزالة ومحو زمن التمديد والتوريث والقائد الأوحد والاستبداد باسم الديمقراطية المشوهة أو باسم الدين حتّى نعيش فقط كباقي أمم الأرض ؟
اليوم لاعزاء للشعوب المتقاعسة ولا عزاء لنخب المثقفين والمفكرين والإعلاميين والقوى الوطنية الحرة من اخذ دورها الوطني في استئصال ظاهرة التوريث السياسي واعتماد الديمقراطية السياسية الحقيقية طريقا امثل للتداول السلمي للسلطة..ان الوقت كي يكون للشعوب مواعيدها..وان تعذرفاللرصاص مواعيده...

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1-- أصول التوريث – صالح السنوسي
2-- اونلاين
3-- الكاتب اللبناني خليل أحمد خليل في كتابه التوريث السياسي في الأنظمة الجمهورية العربية..
4-- الأيام د. خالد الحروب ــ كامبردج



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن