خواطر حول المسألة الديموقراطية

صبحي غندور
alhewar@alhewar.com

2002 / 8 / 24

المسألة الديمقراطية في تقديري قضية جزئية في تاريخ الشعوب عامة وفي التجارب المعاصرة. فالمسألة الأم، والمسألة الأهم، هي قضية الحرية بكل أبعادها:
حرية الانسان (رجلا كان أو امرأة).
حرية المواطن في ممارسة حقوق المواطنية (حق الانتخاب حق التعبير حق التنقل حق العمل..).
حرية الوطن وحرية الارض (الاستقلال والسيادة وحق تقرير المصير).
فالحرية هي القضية الملازمة لوجود الانسان أينما كان منذ بدء الخليقة.
الحرية هي التي ترتبط بالمشيئة وحق الاختيار، وبالتالي، الارتباط مع ميزة الانسان بأنه صاحب إرادة ومشيئة لعمل شيء ما او فعل عكسه.
فما هو معروف الآن باسم الحريات العامة هو أساس لأي مجتمع ديمقراطي:
حرية المعتقد والعقيدة (دينية كانت أو دنيوية).
حرية القول والرأي.
حرية التعبير في القول والكتابة وفي وسائل التعبير العامة المشروعة.
وتفقد هذه الحريات التي ترتبط باختيار فكرة ما او عقيدة معينة، كل قيمة اذا لم ترتبط بمشيئة الاختيار لمن يحملون او يمثلون هذه الفكرة او العقيدة.. وبالتالي محاسبتهم (على أساس معيار الفكرة) اذا هم تقاعسوا او أهملوا.
من هنا تكون ضرورة الديمقراطية بما تعنيه من مسائل مرتبطة بالانتخاب والتمثيل ونظام الحكم السياسي.
لكن ليس حكما ان ترتبط الديمقراطية بالمساواة والعدل.
كذلك ليس بالضرورة ان ترتبط الديمقراطية بالقيم الدينية والاخلاقية، وأيضا ليس بالضرورة ان ترتبط الديمقراطية بحرية الوطن او الارض، باعتبار انها أسلوب للحكم بين المواطنين وليست شريعة للتعامل بين الدول... ولعل خير مثال على ذلك، الانظمة الديمقراطية الغربية عموما التي حرصت على النظام الديمقراطي داخل مجتمعاتها بينما أباح معظمها لنفسه استعمار واحتلال شعوب اخرى. فهي ديمقراطيات:
 عنصرية (لأنها تستبيح الشعوب الاخرى لصالح شعبها).
 غير عادلة في مجتمعاتها أحيانا:
تاريخ العلاقة مثلا بين السود والبيض في أميركا رغم ان الدستور الديمقراطي الاميركي عمره أكثر من مئتي سنة.
حقوق المرأة (حصلت المرأة في أميركا على حقها بالانتخاب بعد اكثر من 125 سنة من وضع الدستور، وفي سويسرا نالت المرأة هذا الحق في الستينيات).
 غير مرتبطة بالعدل الاجتماعي بين الناس (القوي الغني يأكل الضعيف الفقير)، وهذا سياق طبيعي للترابط الحاصل في الغرب بين الديمقراطية في نظام الحكم السياسي وبين مقومات الاقتصاد الرأسمالي القائم على تشجيع الفردية والمنافسة الحرة.
 غير مرتبطة بالضرورة مع القيم الاخلاقية والدينية.
 غير متجانسة عمليا مع طرحها النظري العلماني (كدعم اسرائيل التي تقوم الديمقراطية فيها على أساس ديني يهودي بينما المجتمعات الغربية تتصف بالعلمانية).
تحديات أمام الديمقراطية في البلدان العربية:
تحتاج الديمقراطية الى استقرار أمني داخلي في المجتمع ومن حوله. فأسلوب العنف (من اي جهة صدر) يعطل الممارسة الديمقراطية.. والتهديدات على الكيان تعطل الممارسة الديمقراطية.
وبتقديري، فإن البلدان العربية تعيش في آن واحد:
تحديات على الارض والوطن (بشكليه القطري والقومي).
تحديات على الكيانات السياسية نفسها.
تحديات ثقافية واقتصادية في ظل العولمة والتطبيع مع اسرائيل ومشروع <<الشرق الاوسطي>> الجديد.
تحديات على المعارضات والحكومات معاً، حيث لا يجوز استخدام اسلوب العنف وتفتيت الكيان من أجل حماية هذا النظام الحاكم او فوز ذاك الحزب المعارض.
وحسب اعتقادي، فإن التعامل مع المسألة الديمقراطية في المنطقة العربية لا يمكن ان يتم بمعزل عن تحديات الوجود الاسرائيلي وأطماعه السياسية والاقتصادية، وتحديات الارادة الاجنبية في فرض التجزئة والتخلف على الأمة العربية منذ عشرات السنين.
فلم يتحقق التقدم العلمي والتكنولوجي في الغرب ورفاهية العيش في مجتمعاته حصيلة وجود الديمقراطية فقط، وإنما ايضا حصيلة أحد أمرين او الاثنين معاً:
 السيطرة على شعوب اخرى ونهب ثرواتها.
 النظام الاتحادي التكاملي الذي أوجد قدرات اقتصادية هائلة. فالمواطن الاميركي قد يعجز عن العيش الكريم في ولاية ما فيغادر الى ولاية اميركية اخرى.. كذلك في اوروبا الموحدة الآن حيث يتنقل الاوروبيون بحرية كاملة بين دول الاتحاد الاوروبي، فتبقى الكفاءات والثروات الفكرية والمادية والمهنية داخل المجتمع نفسه، وهذا ما هو مفقود في المنطقة العربية حيث تهاجر الكفاءات والاموال العربية من ارض العرب الى دول الغرب.
ان الديمقراطية والاتحاد وجهان لمشروع عربي واحد لمستقبل أفضل.
ان الاتحاد بين الولايات الاميركية لم يلغ الخصوصيات لكل ولاية او منطقة (بين الشمال والجنوب.. او بين الساحل الشرقي والساحل الغربي)، بل فرز المجتمع الاميركي بين ما هو مشترك لكل الولايات وبين ما هو محلي او مناطقي.
ان التجربة الاميركية لم تكتف بوضع دستور ديمقراطي ل13 ولاية (هكذا بدأت الولايات المتحدة الاميركية) بل سعت الى توسيع دائرة الاتحاد حتى شملت خمسين ولاية.
الديمقراطية تحتاج عربيا الى:
مفهوم الحرية الشامل للمواطن العربي وللأوطان العربية، للانسان والارض معاً. فلا يعقل، مثلاً، المطالبة بالديمقراطية في الاراضي الفلسطينية المحتلة بدون السعي ايضا لتحرير هذه الاراضي!!
الدعوة للتكامل والاتحاد بين العرب، وبأسلوب ديمقراطي شعبي، كما حصل ويحصل في التجربة الاوروبية.
نبذ أسلوب العنف كوسيلة للوصول للحكم او للدعوة السياسية او العقائدية.
احترام الخصوصيات الوطنية والاقليمية التي لا تتناقض مع الهوية العربية المشتركة.
البناء السياسي والاجتماعي على أساس المفاهيم والقيم الثقافية المرتبطة بالدين والأخلاق.
() مدير <<مركز الحوار العربي>> في واشنطن.
جريدة السفير


http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن