إيقاع التاريخ: من الأثير إلى الأثير

هشام غصيب
ghassib@psut.edu.jo

2011 / 7 / 13

إذا استعرضنا تاريخ التصورات الكونية، نجد أن آلية أساسية من آليات حركته تتمثل في إقصاء مكونات كونية وهمية واكتشاف مكونات كونية جديدة. فقد كان كون أرسطو يتكون من خمسة عناصر أساسية، هي التراب والماء والهواء والنار والأثير، تتجسد في أجرام وأفلاك سماوية خالدة وأجسام أرضية زائلة. وفي القرن السابع عشر، أقصى الفيلسوف الفرنسي، رينيه ديكارت، هذه المكونات جميعاً من كونه، واستعاض عنها بجسيمات مادية أحادية الجوهر، جوهرها الامتداد، وتملأ المكان اللانهائي الامتداد تماماً. وبعده ببضعة عقود، أقصى الفيزيائي الإنجليزي، إسحق نيوتن، ملاء ديكارت من مكانه الممتد لانهائيا، لكنه أبقى على الجسيمات المادية المتحركة في الخلاء المكاني. وأكسب هذه الجسيمات جوهراً آخر غير الامتداد، وهو الكتلة. كذلك، فقد أضاف نيوتن مكوناً جديداً إلى كونه، هو المجال اللحظي أو الفعل عن بعد (الجاذبية الكونية والكهربائية والمغناطيسية). وربما استند في ذلك إلى عمل كل من غلبرت الإنجليزي وكبلر الألماني. وبابتكاره ذاك، فتح نيوتن الباب على مصراعيه أمام فيزياء جديدة (فيزياء المجال)، وبذر بذور تناقض جديد في الفيزياء طبع تطور الفيزياء بطابعه حتى عصرنا هذا، وزود العلم بأداة ناجعة لفتح قارة الكهرباء والمغناطيسية والضوء.

وفي مطلع القرن التاسع عشر، اكتشف العالم الإنجليزي، ينغ،والعالم الفرنسي، فرينل، بصورة قاطعة أن الضوء يتمتع بخصائص موجية (التداخل والحيود) لا يمكن تفسيرها إلا بافتراض أن الضوء موجة في جوهره. فكان عليهما أن يفترضا وجود أثير يملأ المكان اللانهائي برمته، أي مائع متصل غريب الخصائص، لا تشعر به الأجسام والجسيمات المادية إذ تتحرك في المكان. وعدّ الأثير حاملاً للأمواج الضوئية وللتأثيرات الكهربائية والمغناطيسية. كما إنه شكل إطاراً مادياً لمكان نيوتن المطلق. بذلك أضيف مكون أساسي جديد إلى الكون، فأضحى الكون اللانهائي مكاناً لانهائياً يحتوي على الجسيمات المادية والأفعال عن بعد والأثير.

وفي الوقت نفسه تقريباً، توصل الفيزيائي الإنجليزي، مايكل فرادي، إلى مفهومي المجال الكهربائي والمجال المغناطيسي. ومجال فرادي هو تأثير متصل وممتد في المكان.

وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر، طور الفيزيائي السكتلندي، جيمس كلارك ماكسويل، مفهوم المجال، واكتشف أن المجالين الكهربائي والمغناطيسي هما وجهان لمجال واحد موحد هو المجال الكهرمغناطيسي، وأن هذا المجال (أو التأثير) لا ينتقل لحظياً، وإنما ينتقل بسرعة محدودة هي سرعة الضوء، ومن ثم اكتشف أن الضوء هو في جوهره موجة كهرمغناطيسية. لكنه، مع ذلك، أبقى على الأثير بصفته حاملاً للمجال الكهرمغناطيسي والأمواج الكهرمغناطيسية وإطاراً مادياً لمكان نيوتن المطلق. وهكذا أضحى الكون مكوناً من الجسيمات المادية والمجالات الكهرمغناطيسية والتأثيرات عن بعد (الجاذبية تحديداً) والأثير.

وفي القرن العشرين، أطاح الفيزيائي الألماني، ألبرت آينشتاين، بمفهوم الأثير، فأقصاه من كونه، وأقصى معه التأثيرات اللحظية عن بعد. وأبقى على الجسيمات المادية والمجالات غير اللحظية، أي التي تنتقل بسرعة الضوء. وقد طور نظرية نيوتن في الجاذبية إلى نظرية مجالية تأخذ بعين الاعتبار محدودية سرعة انتقال المجال الجاذبي. بذلك أضحى الكون مكوناً من الزمكان (المكان والزمان بوحدتهما الهندسية) والجسيمات المادية والمجالين الجاذبي والكهرمغناطيسي. وانبرى آينشتاين بعد ذلك لبناء إطار هندسي محكم يوحد هذه المكونات في مكون شامل واحد موحد. ولئن اشتق آينشتاين المجال الجاذبي من هندسة الزمكان، فقد حاول الرياضي الألماني، هيرمان فايل، اشتقاق المجال الكهرمغناطيسي منها، لكنه أخفق في ذلك. وتلاه الرياضي الألماني، ثيودور كالوتزا، الذي حاول اشتقاق المجال الكهرمغناطيسي والجسيمات المادية من زمكان خماسي الأبعاد، عوضاً عن زمكان آينشتاين الرباعي الأبعاد. وأصابت محاولته قدراً من النجاح، لكنها أخفقت في بعض الجوانب الجوهرية.

وقد استمر آينشتاين في محاولاته التوحيدية حتى مماته عام 1955، لكنه أخفق فيها جميعاً، وإن كان بذر بذور محاولات لاحقة.

وفي مطلع ثلاثينيات القرن العشرين، اكتشفت قوتان ما دون ذريتين، هما القوة النووية الشديدة والقوة النووية الضعيفة.وهكذا أضحى لدينا أربعة أصناف من المجالات الأساسية، هي: المجال الجاذبي والمجال الكهرمغناطيسي والمجال النووي الشديد والمجال النووي الضعيف.

ومن جهة أخرى، فقد قادت ميكانيكا الكم، التي وضعت في عشرينيات القرن العشرين، إلى توحيد الجسيم المادي والمجال، أي إلى اعتبارهما مكوناً واحداً. فالجسيم هو المجال، والمجال هو الجسيم. أو قل لدينا مكون واحد بوجهين متناقضين، هما الجسيم والمجال. فجسيم الفوتون هو نفسه المجال الكهرمغناطيسي، والعكس بالعكس. وجسيم الغرافيتون هو نفسه المجال الجاذبي، والعكس بالعكس. وما يسمى الصاموغ آو الغلوون هو المجال النووي الشديد. كما إن جسيم دبليو أو زد هو القوة النووية الضعيفة.

وفي نهاية الستينيات من القرن العشرين، تمكن الفيزيائيان الأميركيان، ستيفن واينبرغ وشلدون غلاشو، والفيزيائي الباكستاني، عبدالسلام ، من توحيد المجال الكهرمغناطيسي والمجال النووي الضعيف في مجال واحد موحد نسميه اليوم المجال الكهرضعيف.

ومن جهة أخرى، فقد كشفت التجارب التي أجريت في الربع الثالث من القرن العشرين عن وجود حشد كبير من الجسيمات (المجالات) المادية دون النووية. لكن العلماء استطاعوا في سبعينيات القرن العشرين من اختزالها إلى صنفين رئيسيين: الكواركات ( التي تتكون منها أنوية الذرات مثلاً) والليبتونات (وأشهر أعضائها الإلكترونات).

وهكذا برزت صورة كونية جديدة في سبعينيات القرن العشرين مفادها أن الكون مكان لانهائي الامتداد يعج بالمجالات الكمية (المجالات-الجسيمات) الآتية: الكواركات والليبتونات والفوتونات والغرافيتونات والصاموغات (الغلوونات) وجسيمات القوة النووية الضعيفة.

وفي سبعينيات القرن العشرين وثمانينياته، حدثت تطورات نظرية مهمة قادت إلى فكرة أن هناك أصنافاً أخرى من المجالات الكمية، وفي مقدمتها ما يسمى مجالات هغز، التي تكسب جل الجسيمات كتلها.

وهكذا، فقد تبلرت صورتان لمكونات الكون في الربع الأخير من القرن العشرين: صورة نظرية المجال الكمي وصورة نظرية النسبية العامة، اللتان فصلنا معالمهما أعلاه. وبرز نتيجة ذلك تحديان: تحدي توحيد مكونات كل من هاتين الصورتين، وتحدي توحيد الصورتين معاً.

وقد برزت في الثلاثين عاماً الماضية محاولتان جديتان في هذا المضمار من أجل توحيد المكونات جميعاً والصورتين معاً. وتسمى المحاولة الأولى نظرية الخيوط الفائقة. وهي ترى أن جميع الجسيمات الكمية أو المجالية هي حالات اهتزازية متنوعة لشيء واحد، هو خيط مادي دقيق جداً لا يتجاوز طوله واحداً مقسوماً على عشرة للقوة خمس وثلاثين من المتر. وهذا يعني أن البروتون يكبره بنحو مليون تريليون مرة. وهذه الخيوط قابلة للانقسام والاندماج والتفاعل معاً. لكن النظرية اضطرت إلى افتراض وجود زمكان بعشرة أبعاد، وليس بأربعة أبعاد فقط. وهكذا أضحى الكون زمكاناً بعشرة أبعاد يعج بخيوط فائقة من نوع واحد، ولكن باهتزازات متنوعة.

وفي عام 1995، شهدت هذه النظرية تطورات كيفية أدت إلى بروز صورة كونية أكثر تعقيداً من سابقتها. وجوهر هذه الصورة زمكان بأحد عشر بعداً يعج لا بخيوط فائقة فقط، وإنما أيضاً بأغشية متعددة الأبعاد تتحرك وتتصادم في الزمكان المتعدد الأبعاد. ولوحظ لاحقاً أنه يمكن النظر إلى كوننا على أنه أحد هذه الأغشية وأنه غشاء ثلاثي الأبعاد يتحرك في الزمكان ذي الأحد عشر بعداً. ومن ذلك نبعت فكرة إمكانية أن يتصادم كون مع كون آخر. بل برزت فكرة أن ما يسمى الانفجار الكوني الكبير، الذي نتج عنه تمدد كوننا وبناء التشكيلات والتركيبات المادية المتنوعة في كوننا، جاء نتيجة اصطدام كوننا بكون آخر قريب منه يتحرك في الأبعاد الأخرى.

وهكذا أضحت صورة الكون كالآتي: زمكان ممتد لانهائياً بأحد عشر بعداً يعج باكوان متنوعة الأبعاد تتحرك وتتصادم معاً (الأغشية متعددة الأبعاد). ويعج كل منها بخيوط فائقة متنوعة الاهتزازات والحركات والتفاعلات والتصادمات. وأضحى التحدي كيف نفسر ما نشاهده من فيض من الظاهرات بهذه الصورة الكونية الغنية والخلابة.

أما المحاولة الرئيسية الثانية لتوحيد صورة نظرية المجال الكمي مع صورة نظرية النسبية العامة فهي ما أخذ يعرف بالجاذبية الكمية اللولبية Loop Quantum Gravity. وتتمثل هذه المحاولة في التخلي عن فكرة أن الزمكان معطى أولي ونقطة بدء وانطلاق. فبدلاً من اعتباره مسرحاً أساسياً وضرورياً للأحداث المادية، فإنها تعتبره ظاهرة مركبة في حاجة إلى تفسير بدلالة عناصر أكثر جذرية منه، تماماً كما هو الحال مع الذرة مثلاً، التي نعدها ظاهرة مركبة تفسر بعناصر أكثر جذرية منها. إن الزمكان إذاً ظاهرة ناشئة مركبة وليس أساساً وإطاراً مفترضاً لكل الظاهرات المادية.

وقد حاول علماء هذه المحاولة الانطلاق من علائق رياضية بحتة وتجريدية من أجل اشتقاق وجود الزمكان وخصائصه الهندسية وما يحتويه من مجالات وجسيمات. ولا ندري إلام سيؤول إليه هذا التجريد المغرق في تجريده!

ومن جهة أخرى، فما إن شارف القرن العشرون على الانتهاء حتى تبين أن الكون يعج بمكونات غريبة تختلف كيفياً عن المكونات المألوفة، التي تتكون منها مادة أجسامنا وأرضنا وشمسنا ومجرتنا والمجرات الأخرى. فهناك المادة الداكنة، التي تؤثر بجاذبيتها على المادة المألوفة المرئية (من كواكب وشموس ومجرات) لكنها لا ترى، لأنها لا تبث ولا تمتص إشعاعات كهرمغناطيسية. وهناك تكهنات عديدة بصدد طبيعة هذه المادة الداكنة, لكنها ما زالت تشكل لغزاً كبيراً أمام العلم الحديث.

وهناك الطاقة الداكنة، التي تمتد على طول المكان اللانهائي وعرضه وارتفاعه، وتؤثر على المكان والمادة المألوفة بجاذبية نافرة، لا جاذبة. إنها طاقة غريبة تؤدي إلى التنافر، وليس إلى التجاذب. لذلك فلها دور في تمدد الكون واتساعه. بل إنها مسؤولة عن تسارع هذا التمدد، والذي أظهرته المشاهدات الفلكية منذ عام 1997. وهناك أيضاً العديد من التكهنات بصددها، لكنها تعد في مقدمة الألغاز الكونية التي تجابه العلم الحديث. هل هي نوع من الأثير؟ هل عدنا أدراجنا إلى مفهوم الأثير؟ أم إنها وهم ناتج عن قصورنا في فهم المجال الجاذبي؟ هل إن قانون آينشتاين في الجاذبية في حاجة إلى تعديل لكي يستوعب وهمي المادة الداكنة والطاقة الداكنة؟ أم إن هذين الوهمين، إن كانتا حقاً وهمين، تعبيران عن تفاعل الأغشية الكونية معاً؟ لسنا ندري. لكن الأبحاث الكثيفة جارية ومتنامية من أجل إماطة اللثام عن هذين اللغزين الكونيين.

وهكذا نجد أن تاريخ الكشف عن مكونات الكون ليس تاريخاً خطياً، أي ليس مجرد تراكم عددي بسيط للمكونات، وإنما هو جدل معقد يتضمن نبذ مكونات قديمة أو تحويلها واكتشاف مكونات جديدة ورد الاعتبار أحياناً لمكونات منبوذة. إنه تاريخ غني معقد ينحو نحو التشعب من جهة, لكنه ينحو أيضاً نحو التوحد والتبسيط من جهة أخرى. هذا هو منطق الاكتشاف الكوني. إنه إيقاع تاريخ يتناغم مع إيقاع كون.





http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن