روائع التراث الكردى بين رودينكو و وزارة الثقافة الكردستانية *

جودت هوشيار

2011 / 7 / 10

خلال دراستى العليا فى موسكو ، كنت اجد متعة كبرى فى أرتياد مكتبات الدولة فى هذه المدينة التى تعتبر مركزا للأشعاع العلمى و الثقافى و هى مكتبات تضم كل واحدة منها ملايين الكتب و الدوريات فى شتى حفول المعرفة الأنسانية مثل مكتبة لينين و مكتبة اللغات الأجنبية وغيرهما . و تنتشر فى موسكوأيضا متاجر كبيرة و متنوعة لبيع الكتب و الكثير منها مكتبات متخصصة فى احدى حقول المعرفة العلمية او الثقافية . كما اننى كنت دائم التردد على مكتبة أتحاد الكتاب ، و مكتبة متخصصة فى آداب لغات قوميات الأتحاد السوفيتى و أخرى متخصصة فى بيع الكتب القديمة أو المستعملة ، و كنت كلما سمح لى الوقت أزور معهد الأستشراق فى موسكو او أسافر الى بطرسبورغ ، هذه المدينة الساحرة التى تضم مكتباتها و معاهدها العلمية خير ما انتجته العقول الكردية فى مجالات الثقافة المختلفة ، و لكن المكان المفضل لى كان مكتبة اللغات الأجنبية فى موسكو حيث كنت أقضى فيها معظم أوقات راحتى ، لسبب بسيط هو توفر الكتب و المصادر فيها بشتى لغات العالم و منها اللغتين العربية و الكردية و لأنها تنقلك الى أرجاء العالم الرحب بكل لغاته و ثقافاته المتنوعة التى تجمعها هموم و قضايا وتطلعات وآمال و آلام مشتركة أو متشابهة فى اكثر الأحيان رغم اختلاف الظروف و الزمان و المكان .

. وكان الهم الأول لى هو البحث عن كل ما يمت بصلة الى الكرد و كردستان . و قد تجمعت لدى بمرور الزمن المئات من الكتب النادرة التى صدرت فى العهود المتعاقبة ( القيصرى ، السوفييتى ، الروسى الحالى ) عن الكرد فى شتى الحقول ( التأريخية و اللغوية و الأدبية و الأثنوغرافية و السياسية ) و كذلك عن التراث الكردى الكلاسيكى و الشعبى .
و بينما كان الطلبة الآخرون بعد تخرجهم يرسلون الى العراق ، السيارات او الموبيليات أو الأجهزة الكهربائية ، كنت فى السنة الأخيرة من دراستى أرسل مئات الكيلوغرامات من الكتب باللغتين الروسية و الكردية و بينها كتب لمؤلفين كرد من جمهوريات ما وراء القفقاس ، ربما لم يسمع بها أحد حتى عودتنا - نحن الطلاب الكرد- من الأتحاد السوفييتى .
و كان أكثر ما يحز فى نفسى ان الكنوز و الدرر الكلاسيكية الكردية أو لنقل الجزء الأهم منها ما زالت حبيسة الجدران فى المكتبات الروسية فى المقام الأول أضافة الى عدد لا يستهان به من المخطوطات الكردية فى مكتبات جمهوريات ما وراء القفقاس ، فى أرمينيا و جورجيا و أذربيجان التى يقطن فيها عدد كبير من السكان الكرد الأصلاء و ليس فقط المهاجرين من كردستان تركيا او ايران هربا من الظلم و الأضطهاد كما يظن بعض من لم يتعمق فى دراسة تأريخ هذا الجزء العزيز من الشعب الكردى .

ان تراث الأمم هى ذاكرتها و يعكس ملامحَ شخصيتها و يُجسِّد جذورَها، ، فبإحيائه تحيى هذه الذاكرة و الملامح و الجذور، وباحترامه يتجلَّى احترامها لنفسها،

و سوف يعرف القارىء فى الفصول اللاحقة أن أهم ما فى التراث الكردى من الكنوز الأدبية و التأريخية و اللغوية و الأثنوغرافية المخطوطة موجودة ليس فى كردستان و لكن فى مكتبة معهد الأستشراق و المكتبة العامة فى مدينة بطرسبورغ الروسية . ولا يتمثل ذلك في كثرتها وحجمها فحسب، بل في محتوياتها العلمية والأدبية والثقافية والتاريخية، واتساع آفاقها، وتمتاز هذه المخطوطات بالجمال والخط الحسن فى أغلب الاحوال .

و قد حاولت خلال سنين طويلة أن أقدم خلاصة لمحتويات هذه المخطوطات و دراسات عن نماذج مختارة من النتاجات الأدبية و الفلكلورية الرائعة التى تتضمنها و معظمها نسخ أصيلة و نادرة .و أن أعرف القارى بعلماء أجلاء بذلوا الكثير من الوقت و الجهد فى توثيق تراثنا و تحقيقه و ترجمته و نشره .

صحيح ان ثمة مخطوطات كثيرة فى مكتبات كردستان و منها مكتبات الجامعات و المجمع العلمى الكردستانى و لكنها مخطوطات دينية أو لغوية فى المقام الأول و قلما تجد بينها مخطوطة أصيلة تتضمن نتاجا أدبيا او تأريخيا رائدا او مهما ، اما المخطوطات الكردية فى الدول الغربية ، فأن معظمها و خاصة فى المانيا فهى على قلتها لا تتضمن سوى بضع مخطوطات أصيلة و بعضها تتكون من عدة صفحات لا غير و لا تجد بينها نتاجات أبداعية يمكن مقارنتها بالمخطوطات الكردية فى روسيا .أو حتى بالمخطوطات الكردية المحفوظة فى المكتبات البريطانية التى بينها مخطوطة ملحمة مم و زين لأحمدى خانى ،التى تقابلها خمس مخطوطات أصيلة للملحمة ذاتها فى مكتبات بطرسبورغ الروسية و قد قامت الكردولوجية الرائدة مرجريت رودينكو بتصوير النسخة اللندنية من ملحمة احمدى خانى الخالدة .

و أزعم أننى اول من كتب دراسات مطولة عن الملا محمود البايزيدى و الكساندر زابا و مرجريت رودينكو و يوسف اوربيلى و عن الكتاب الكرد السوفييت مثل عرب شامو و الأخوين أوردخان و جليلى جليل , و قد لقيت هذه الدراسات صدى واسعا ،
و كنت دائما أحث وزارة الثقافة فى أقليم كردستان أن تحذو حذو المثقفين الكرد فى جمهوريات ما وراء القفقاس الذين نظموا منذ العقد الثالث من القرن الماضى العديد من الفرق الميدانية المتخصصة لجمع و تصنيف و تحقيق و نشر الأدب الشعبى الكردى ، لأن الأدب الشعبى ان لم يوثق فهو سائر نحو التضاءل و الأندثار تدريجيا ، ان لم يكن الى الزوال تماما و بزواله تفقد الأمة جذورها و ثرائها الروحى و الأبداعى . كما طالبنا مرارا – كما سيلاحظ القارىء فى ثنايا فصول هذا الكتاب – بطبع المؤلفات الكاملة للشعراء و الكتاب الكرد و خاصة الكتاب الكرد من جمهوريات ما وراء القفقاس و أقامة النصب و التماثيل لهم و تسمية المعاهد الثقافية و المدارس بأسمائهم لكونهم من الرواد الأوائل فى كل مجال ثقافى كردى تقريبا .

و حاولنا لفت الأنتباه الى مصير المخطوطات الكردية النفيسة و النادرة الأصيلة .. ، فهى مهددة بالضياع لأنها مشتتة بين المكتبات العامة و الخاصة فى كردستان و مكتبات ومتاحف العالم المختلفة ومعظمها غير معروف الاسم لعدم وجود الفهارس الدقيقة لهذه المخطوطات و أكدنا ضرورة بذل جهد حثيث متواصل لصيانة هذا التراث وحفظه من الضياع بتصويره وتوفير المراجع الرقمية ووحدات الميكروفيلم لهذه الثروة الهائلة و قلنا ان شحة الدعم الحكومى الروسى للمعاهد العلمية و المكتبات العامة أدى الى تردى ظروف حفظ المخطوطات عموما و بضمنها المخطوطات الكردية فى المكتبة العامة و مكتبة معهد الأستشراق فى بطرسبورغ ( و هذه المخطوطات من دون أدنى شك أثمن و أفضل ما فى التراث الكردى الكلاسيكى و الشعبى من آثار أبداعية ) مما يعرضها للتلف بمرور الزمن نظرا لان الورق الذى كتبت عليه يحتاج عناية خاصة وترميم ومتابعة مستمرة. و هى شروط غير متوفرة اليوم فى مكتبات بطرسبورغ. و لكن مطالباتنا لم تجد آذانا صاغية لدى الجهة الرئيسية المسؤولة عن النشاط الثقافى فى الأقليم و نعنى بها وزارة الثقافة التى أنشغلت بأمور أخرى و منها أقامة مهرجانات اعلامية ، بعيدة كل البعد عن الأجواء العلمية و الثقافية السليمة

.و من المفارقات الغريبة ان أتحاد ادباء دهوك أقام مهرجانا للملا محمود البايزيدى فى دهوك قبل حوالى سنتين و قد دعيت لحضور هذا المهرجان من قبل رئيس الأتحاد و انا ممتن و شاكر له بطبيعة الحال للدعوة الكريمة و للقائمين على تنظيم المهرجان و لكن أنشغالى و ضيق الوقت لم بسمحا لى بالحضور,. و قد اطلعت ، فى ما بعد على ما قدم فى هذا المهرجان من محاضرات و مداخلات حول الملا محمود البايزيدى و لم أجد فيها شيئا جديدا لم أكتب عنه قبل سنين طويلة من أقامة المهرجان المذكور . بل ان معظم المحاضرين تحدثوا عن امور لا علاقة لها البتة بموضوع المهرجان الوحيد وهو شخصية و نتاجات الملا محمود البايزيدى و دوره فى حفظ التراث الكردى الكلاسيكى و الشعبى . ما عدا البحث القيم الذى قدمته الدكتورة شكرية رسول و تحدثت فيه عن الراحلة العظيمة مرجريت رودينكو التى كانت اول من أكتشفت البايزيدى و نتاجاته .
و قد طالب بعض الحاضرين بأقامة تمثال للملا محمود البايزيدى و قد كنا أول من طالب بذلك قبل حوالى خمس عشر عاما و ناشدنا وزارة الثقافة فى كردستان الأهتمام بالمخطزطات الكردية فى بطرسبورغ و ايفاد من تراه مناسبا لتصوير المخطوطات الكردية فى مكتبات بطرسبورغ و الكثير منها بخط يد البايزيدى تمهيدا لتحقيقها و نشرها و لكن مقترحاتنا ذهبت أدراج الرياح .
و بدلا من الأهتمام بنتاجات البايزيدى أقامت وزارة الثقافة فى الأقليم مهرجانا و صرفت عليه المال الكثير الذى كان يمكن تسخيره لتحقيق ما هو أهم و هو وضع نتاجات البايزيدى فى متناول يد القارىء الكردى .

لقد آن الأوان لتأسيس معهد للمخطوطات الكردية من أجل جمع أكبر عدد ممكن من صور المخطوطات الكردية النادرة المبعثرة في العالم، ووضع هذه المصورات تحت تصرف العلماء في مقر المعهد، ولفهرسة المكتبات العامة والخاصة، التي تحوي مخطوطات غير مفهرسة، حيثما كانت ونشر هذه القوائم، ثم القيام بنشر المخطوطات محققة، وليكون بعد ذلك مركزًا علميًا للتعاون العلمي بين العلماء والمؤسسات العلمية في العالم في سبيل خدمة المخطوطات الكردية والتعريف بها وتبادل المعلومات عنها.

و من المحزن حقا ان اهتمام الأوساط الثقافية الكردية فى كردستان العراق بالمخطوطات الكردية المحفوظة فى روسيا و غيرها من دول العالم و بالعلماء الذين كرسوا حياتهم لتحقيقها و ترجمتها و نشرها و فى مقدمتهم مرجريت رودينكو ( 1926 – 1976 ) م ، يكاد ان يكون معدوما فى حين ان المستشرقين الروس و الكردولوجيون منهم على وجه الخصوص يعدون هذه الكردولوجية التى اكتشفت المجموعة الأهم من المخطوطات الكردية المحفوظة فى المكتبتين المذكورتين ابرز عالم كردولوجى فى القرن العشرين و مؤسسة مدرسة عظيمة فى الكردولوجيا هى مدرسة تحقيق و دراسة الأدب الكردى الكلاسيكى المخطوط و يشيدون بمواهبها و قدرا تها التحليلية المقارنة و طاقاتها الخلاقة و عملها الدؤوب من دون كلل او ملل طوال ربع قرن ( 1951- 1976 ) م فى خدمة التراث الكردى ، فقد تمكنت خلال هذه الفترة من أنجاز ما تعجز عنه مؤسسة علمية كاملة . و لا اريد أن اتحدث عنها فى هذه المقدمة ، لأننى تحدثت عنها و عن خدماتها الجليلة بأسهاب خلال فصول هذا الكتاب , و من المؤسف حقا ان البعض من أصحاب الألقاب الرنانة لم يكتفوا بتجاهلها ( رغم انهم كانوا من طلابها او أشرفت على أطروحاتهم لنيل درجة الكانديدات ) بل أساؤا اليها عن قصد او غير فصد . و ربما كان ذلك على نحو لا شعورى ،لأنهم كانوا فى الواقع أسرى لأنجازاتها الرائعة و أستنتاجاتها الذكية و لم يتمكنوا من التخلص من تأثيراتها القوية على نتاجاتهم و قد أقتبسوا منها الشىء الكثير و لكن أخفقوا فى أخفاء تأثرهم بها و من السهولة تشخيصها لمن اطلع على نتاجات رودينكو .
و يضم هذا الكتاب أيضا فصلين عن مينورسكى – العالم الجليل الذى كتب عن أصل الكرد و تأريخهم و ثقافتهم و معتقداتهم و أول من دعا الى أقامة كيان خاص للشعب الكردى و أول من قال ان الكرد هم أحفاد الميديين . و كما هى الحال مع رودينكو ، فأن البعض من أصحاب الألقاب العلمية حاولوا التقليل من شأنه ، بل أن أحدهم زعم ان مينورسكى ليس مؤرخا ، بل من الهواة و نسى هذا المتعالم أن مينورسكى يحتل مكانة مرموقة و رفيعة بين المستشرقين و له نتاجات علمية قيمة عن الكرد و كردستان باللغات الروسية و الفرنسية و الأنجليزية و كان يحمل عدة شهادات دكتوراه فخرية و عضوا فى عدة أكاديميات غربية و أستاذا فى جامعة اوكسفورد و قد أشرف على اطروحات العشرات من الدارسين فى تلك الجامعة لنيل درجة الدكتوراه فى التأريخ و بينهم العديد من العراقيين و العرب . و يبدو ان البعض لم يعجبه حياد مينورسكى العلمى الذى يفرض عليه الحديث عن المجتمع الكردى كما هو لا كما يتمناه هذا الباحث المبتدىء أو ذاك .

و لا أريد التحدث عن فصول الكتاب الأخرى ، الذى بين يدى القارىء و أتركه ليحكم بنفسه ، كم نحن مقصرون أزاء تراث أمتنا و أزاء العلماء الذين خدموا ثقافتنا وساندوا نضال شعبنا التحررى من اجل مستقبل أفضل و حياة حرة كريمة لنا و للأجيال الكردية الصاعدة .

* من مقدمة كتابنا الجديد ( ذخائر التراث الكردى فى خزائن بطرسبورغ ) الذى صدر حديثا فى أربيل ، عاصمة كردستان العراق
جودت هوشيار
jawhoshyar@yahoo.com



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن